حربنا مع السُّنَّة وليست مع الإسرائيليين

مركز_أمية_للبحوث_والدراسات_الاستراتيجية_تحليل_سياسي_محمد_فاروق_الإمام_خامنئي_يُطَمْئِنُ_الصهاينة_حربنا_مع_السُّنَّة_وليست_مع_الإسرائيليين
تُثير تدوينات علي خامنئي، ومفاهيمه عن “الجبهة الحسينية” و”الجبهة اليزيدية”، جدلاً واسعًا داخل الإقليم وخارجه؛ لأنها تَعرض الصراع باعتباره معركة دينية-طائفية تمتد “إلى يوم القيامة” وتتحوّل عبر العصور إلى أشكال مختلفة. وفي هذا السياق، يَربط النصّ بين هذا الخطاب وبين أجواء الاحتفال الأربعيني للحسين بن علي، ليُقدّم قراءة ينتقد فيها توظيف الرموز الدينية في خطاب تعبوي قد يفاقم الانقسام، خصوصًا في وقت تشهد المنطقة صراعات كبيرة وحروبًا فعلية. كما يناقش النصّ أثر هذا الخطاب على مواقف القوى الإقليمية، ويطرح أن تحديد “الجبهات” لا يبقى ثابتًا على أشخاص بعينهم، بل يتسع ليشمل شرائح واسعة من أهل السنة بحسب مصالح الصراع وتقديرات القيادة الإيرانية وحلفائها.
تدوينات خامنئي: صدام “الجبهة الحسينية” و“الجبهة اليزيدية” بلا نهاية
مُعمم قُمْ علي خامنئي يُشعل ضجَّة بتدوينة نشرها على حسابه يدَّعي فيها أن المعركة لا تنتهي أبداً بين الشيعة وأنصار يزيد بن معاوية، وجاءت تدوينة خامنئي بالتزامن مع احتفالات الشيعة بذكرى أربعينية الحسين بن علي.
تدوينات خامنئي أشعلت موجة عارمة من الجدل والغضب، بعد حديثه عمَّا أسماها ’’الحرب بين الجبهتين الحُسينية واليزيدية‘‘، متناسياً ما يجري في المنطقة من حرب صهيونية على غَزَّةَ والضفة الغربية، وكأنه يريد طمأنة إسرائيل إلى أن عدو إيران ليست إسرائيل بل أهل السُنَّة من العرب والمسلمين.
وجاءت هذه التدوينات بمناسبة الاحتفال بمسيرة ’’أربعينية الحسين‘‘، نشرها حساب خامنئي عَبْرَ منصة ’’إكس‘‘ هذه التدوينات التي جاء فيها: إنّي سِلمٌ لِمَنْ سَالَمَكُم وَحَربٌ لِمَنْ حَاربَكُم إلى يَوْم القِيَامَة، المعركة بين الجبهة الحُسينية والجبهة اليزيديّة مستمرّة ولا نهاية لها.
إيرنا/مواكب الأربعينية: الربط بين خطاب التعبئة والجدل الاجتماعي
وقد استقبل علي خامنئي مواكب العزاء الطلابية في حُسينية الخميني بمناسبة أربعينية الحسين، مساء الأحد 25/8/2024م، بحسب وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية ’’إرنا‘‘.
وادَّعى علي خامنئي في تدوينة أخرى بقوله: حدّد الإمام الحسين أثناء خروجه إلى كربلاء هدف الجبهة الحسينيّة، ألا وهي الجهاد ضد الظُّلْمِ، وفي مقابل هذه الجبهة، تقف جبهة الجَوْرِ والظُّلْمِ ونكث العهد الإلهي، إنكم ترون اليوم هذه المواجهة في العالم.
خامنئي بين “الظلم والجور” وقراءة المعركة عبر العصور
وأردف المرشد الإيراني قائلاً: تأخذ المعركة بين الجبهة الحسينية والجبهة اليزيدية أشكالاً مختلفة؛ ففي عصر السيوف والرماح لها شكلها الخاص، وفي عصر الذرّة والذكاء الاصطناعي لها شكلٌ آخر، وفي عصر الدعاية والإعلام عَبْرَ الشِّعر والبيان والكلام لها شكلها أيضاً، وفي عصر الإنترنت والكوانتوم وما إلى ذلك، لها شكلٌ مختلف، حسب وصفه.
وزَعم علي خامنئي في تدوينة أخرى عَبْرَ ’’إكس‘‘: أن المعركة بين الجبهة الحسينية والجبهة اليزيدية هي معركة مستمرة، وقد حدّد الإمام الحسين ماهيّة هذه المعركة وهدفها، قائلاً: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من رأى سُلطاناً جائراً) القضيّة قضيّة الظُّلْمِ والجَوْرِ؛ الجبهة الحسينية تقاوم اليوم الجبهة اليزيديّة، أي جبهة الظُّلْمِ والجَوْرِ، طبقاً لقوله.
ردود الغضب على منصات التواصل: اتهام بتجاهل معاناة غزة والضفة
وقد أثارت تلك التدوينات ردود فعل غاضبة عَبْرَ منصات التواصل الاجتماعي، فقد اعتبر طيفٌ واسع من الناشطين والمُعَلّقين أنَّ خامنئي يتجاهل الأوضاع الجارية في المنطقة، ويَعمد إلى حديث يمكن أن يُشعل فتنة طائفية كبيرة، في وقت تحتاج فيه المنطقة لدعوات التكاتف والتلاحم في مواجهة عدوٍ صهيوني غاشم.
وإذا كان المقصود في كلام خامنئي بـالجبهة اليزيدية جبهة الظُّلْمِ والجَوْرِ؛ فإن رفض الظُّلْمِ والجَوْرِ يجب أن يكون أمراً مُقدّساً لا يُجَزّأ بحسب الطائفة، ونحن نرى أن الجبهة الإيرانية بأذرعها العسكرية الرافضية قد اصطفّت مع معسكر الظُّلْمِ والجَوْرِ في سورية، ودعمت مجرم الحرب بشار الأسد؛ أعتى الظَلْمِة وأشدهم جَورَاً في العصر الحديث؛ وخذلت الثائرين في وجه الظُّلْمِ والجَوْرِ وحاربتهم؛ فنحن – حينها – الحُسينيون المظلومون الثائرون ضد الظُّلْمِ والجَوْرِ في مقابل الظالمين المعتدين.
سوريا والعراق كنموذج: ادعاءات المؤلف حول الحرب والتهجير والتغيير الديموغرافي
وإذا كان المقصود المعيّن بـ ’’الجبهة اليزيدية‘‘ في خطاب خامنئي الأخير: (جبهة الكيان المحتل ومن يقف معه في حربه ضد غَزَّةَ) فلا شك أنها جبهة ظالمة؛ لكن الإشكال أنّ هذا التعيين ليس ثابتاً عندهم على أشخاص أو كيانات بأعيانها تدور في فَلَكِ الكيان المحتل فحسب؛ بل إن الجبهة اليزيدية تتسع وتضيق في تقييمات القيادة الخامنئية الرافضية وأذرعها المسلحة بحسب الأحداث وطبيعة الصراع، لتشمل كثيراً من أهل السُنَّة – كما رأينا ذلك في سورية والعراق – في الحرب التي خاضتها إيران وحزب الله والحشد الشعبي جنباً إلى جنب مع النظام النصيري والجيش الروسي ضد أهل السُنَّة في هذه البلدان، وارتكبوا فيها أنواع المجازر الوحشية والتهجير العام والتغيير الديموغرافي.
ولكن الشأن عند المخالف الرافضي ليس في حقيقة موقف أهل السُنَّة، وإنما فيما يدّعيه هو عنهم ثم يحاربهم بناء عليه، فعامّتنا في نَظَرِ المخالف نواصب نستحق العقوبة ولو حلفنا ألف مرة بين الركن والمقام أننا نُعظِّم ونُجِلُّ رسول الله وآل بيته – عليّاً وفاطمة وزينب ورُقيَّة والحَسن والحُسين – وصَحبه الكرام ونواليهم رضي الله عنهم أجمعين.
المنشور عن المعركة التي ’’لا نهاية لها‘‘ يفضح خامنئي، وهو المرشد الأعلى في إيران عن فكرة الحروب الممتدة إلى قيام الساعة؛ التي تكون ’’رجعة‘‘ الإمام المهدي إحدى علاماتها الكبرى، حسب سلاسل الحروب والفتن المطلوبة لكي يُعجِّل الله بالفرج لـ ’’الإمام الغائب‘‘ منذ أكثر من أحد عشر قرناً، حسب الرواية الشيعية الإمامية، ولعل هذا يفسر جانباً من النزوع الإيراني الدائم نحو إثارة ’’الحروب التي لا تنتهي‘‘ في المنطقة.
تعريف “الجبهة الحسينية” ومعيار العدل في نظر الكاتب
وبتجاوز الإشارة لهذه الحروب الممتدة، نقف أمام مُصطلحين وَرَدَا ضمن المنشور المذكور، وهما: ’’الجبهة الحُسينية‘‘ التي تعني حسب قاموس ’’التشيع السياسي‘‘ إيران وميليشياتها الطائفية في المنطقة، وهو مصطلح يدخل ضمنه من اندرج ضمن هذا المعسكر، ويخرج منه من كان مناوئاً للتدخل الإيراني في شؤون دول المنطقة.
فالمخالف الرافضي اتخذ قراره في محاربتنا على أرض الواقع ويقتل نساءنا وأطفالنا بناء على ادعاءاته هو عنّا، مستدعياً التاريخ والتشيع والنصب والحُسين ويزيد، ولو استرجعنا الوثائق التي دوّنت ما فعلته ميليشيات القتل والذبح الرافضية التي جهزها ودرّبها وسلّحها ومولّها خامنئي، ودفعها إلى سورية وكانت مهمتها الوحيدة ذبح وقتل أهل السُنَّة، لوجدتم العجب العُجاب من الدماء التي سفحت والرؤوس التي دُحرجت والْبُطُونُ الَّتِي بُقِرَتْ والعيون التي فُقعت، وهذه حقائق – كما قلنا مُثبتة وليست دعاوى طائفية نُرسلها في هذا الوقت الحرج.
الخلاصة: من الشعارات إلى الواقع… وتأثير الخطاب على المنطقة
أمّا ’’الجبهة الحُسينية‘‘ فلا يستحقها الإنسان بِمُجرد كونه رافضياً أو سُنِّيَّا، ففي السُنَّة والرافضة من هُمْ خونة مجرمون يصطفون مع الظُّلْمِ والجَوْرِ والاحتلال، وإنما يستحقها الإنسان بمدى تحكيمه لمعيار العدل ومحاربته للظُّلْمِ، مع اتِّباعه لجدّ الحُسين صلى الله عليه وسلم، الذي جاء بالشريعة والمنهاج الذي ينبغي اتِّباعه في النفس والمجتمع والأمة، فالقضية ليست ادعاءات وشعارات ثورية فحسب، بل هي دين وعبودية لله تعالى.
المراجع
- الشرق الأوسط – 26/8/2024م.

مركز_أمية_للبحوث_والدراسات_الاستراتيجية_تحليل_سياسي_محمد_فاروق_الإمام_خامنئي_يُطَمْئِنُ_الصهاينة_حربنا_مع_السُّنَّة_وليست_مع_الإسرائيليين


