الثلاثاء, يونيو 9, 2026
spot_img
الرئيسيةتحليل سياسيالضربة الصهيونية لطهران تمثيلية سَمِجَة

الضربة الصهيونية لطهران تمثيلية سَمِجَة

مركز_أمية_للبحوث_والدراسات_الاستراتيجية_تحليل_سياسي_محمد_فاروق_الإمام_الضربة_الصهيونية_لطهران_تمثيلية_سَمِجَة

تتوالى الضربات والتصريحات بين طهران وتل أبيب، في ظلّ سرديات إعلامية متضخّمة تحاول كل جهة أن تصنع لنفسها رواية “الردع” و“الحسم”.
غير أنّ الفاصل بين الخطاب والواقع يكشف، على أرض الأحداث، أن الأهداف والنتائج لا تأتي دائماً بحجم الضجيج.
ومن هنا يبرز السؤال: هل كانت الضربة الأخيرة مجرد رسالة محسوبة ضمن حسابات أوسع، أم أنها كانت انفجاراً حقيقياً ينذر بتصعيد شامل؟
وتتبعُ السطور التالية خيوط المشهد من خلال الوقائع الميدانية والمسارات الجوية والقدرات الدفاعية التي تُظهر محدودية ما جرى مقارنة بالوعود.
كما تطرح القراءة احتمال وجود تفاهمات ضمنية أو ضغط دبلوماسي أمريكي كبحَ أي توسّع للمواجهة.
وفي المحصّلة، تقف هذه المقاربة عند فكرة أن ما يُقدَّم إعلامياً قد لا يطابق ما يُدار سياسياً وعسكرياً.

الضربة الصهيونية متواضعة… أم رسالة محسوبة؟

أخيراً نفّذت الدولة العِبْرِيَّة ضربتها العسكرية في إيران، لكن أهدافها جاءت متواضعة نسبة إلى الخِطاب والجَعجعة الصهيونية والتحضيرات في تل أبيب التي أوحت بمعاقبة طهران رداً على ضربتها الصاروخية التي طالت عُمق إسرائيل منذ أسابيع.

وعلى أَثَرِ الضربة وتواضعها يتساءل المحللون والمعلقون: هل هناك اتفاقٍ حَصَلْ، جعل الرد الصهيوني أشبه بتمثيلية أو فيلم بإخراج أمريكي؟

بين “الجعجعة” والتحركات الفعلية على الأرض

يمكن الاستناد إلى التقرير الذي نُشِرَ أمريكياً على موقع تلغرام منذ أيام، وتمّ فيه عرض خطة الهجوم الجوي على إيران، لكن لم يحدد الأهداف بدقّة، كان التقرير بمثابة إعلام طهران بشأن الخطة الصهيونية، ورغبة الأمريكيين في ضرب عنصر المفاجأة الصهيونية، لعدم تفلّت الساحات.

لقد مهّدت الدولة العِبْرِيَّة لعمليتها بإزالة المعوِّقات أمام طائراتها الحربية، بدءاً من مهاجمة الدفاعات الجوية في جنوب سورية، خلال الأسبوع الماضي، لتعتمد تل أبيب على خط الأجواء السورية ثم العراقية، واستهداف إيران من وَسَطِ العراق، بعد رفض كُلٍ من السعودية والأردن فتح أجوائهما للطائرات الإسرائيلية.

المسار الجوي: من سورية إلى العراق… ولماذا لم تقترب من العمق الإيراني؟

لم تقترب تلك الطائرات من الحدود الإيرانية بسبب استعداد الدفاعات الجوية للجيش الإيراني الذي نجح في إسقاط مُسيّرات وبعض الصواريخ الإسرائيلية قبل وصولها إلى الأهداف، علماً أن هذه الصواريخ هي دقيقة جداً وتحمل رؤوساً حربية يبلغ وزنها حوالي ٥٠٠ كلغ، وصلت إلى مواقع إيرانية في محافظتي عيلام وخوزستان المحاذيتين للعراق بشكل أساسي، إضافة إلى مواقع ضمن محافظة طهران الكبرى، بينما لم تستطع الطائرات الصهيونية الوصول إلى معظم الوسط وكل الشرق الإيراني.

الضربة “غير مؤلمة وغير مفاجئة”: دلالات التوقيت والأهداف السطحية

لقد أظهرت إيران استعدادها الدفاعي الكامل، وبدا أن الكيان الصهيوني تعلَّم أن لدى طهران إمكانات دفاعية فعّالة، فيما برز السؤال: لماذا كرّر المسؤولون الصهاينة كلامهم عن ضربة قاسية ومؤلمة ومفاجئة لإيران، ليتبين أن طهران مستعدة بكامل دفاعاتها، فلم تأت الضربة لا مؤلمة ولا مفاجئة، ولا عميقة بل طالت مواقع سطحية بالكامل، وهذا ما يؤكد أن كل العملية مسرحية باهتة؟

وتوحي كل المعطيات أن الضربة لم تكن ’’تمثيلية‘‘ بالكامل، بل إن طبيعتها وأهدافها كانت نتيجة خليط من الوقائع الجغرافية والقدرات الإيرانية من جهة، والدبلوماسية الأمريكية التي مارست ضغوطاً لإجهاض أي توسّع للمواجهات، وأُبلغت إيران عن الخطة مسبقاً، لذلك جاءت دعوة واشنطن الإيرانيين والصهاينة للاكتفاء بما حصل ووقف المواجهة.

الدور الأمريكي في إطفاء التوسع: رسائل ووساطات قبل الاحتكاك

يمكن للدولة العِبْرِيَّة الادعاء أنها حققت وعيدها بالرد على إيران، ويمكن لطهران القول أنها أفشلت تل أبيب ومنعتها من تحقيق إنجاز نوعي، رغم حديث الإيرانيين عن رغبتهم بالرد على الرد.

تقاسم النفوذ: إيران و”الخصم” على حدود المصالح المشتركة

وهكذا يتأكد لنا أن حملة الدولة العِبْرِيَّة على إيران تمثيلية باهتة عكست الأجواء المحمومة بين طهران وتل أبيب، وجعلت الكثيرين يتوقعون أن تشتعل الحرب بين إيران من جهة وأمريكا والدولة العِبْرِيَّة من جهة أخرى، لكن السياسة علّمتنا أن لا نأخذ أبدا بظاهر الأمور مهما كانت مشتعلة إعلاميا، فالحقيقة لا تجدها في وسائل الإعلام ولا في التصريحات السياسية النارية، بل تجدها على أرض الواقع.

ولو نظرنا إلى ما فعلته الدولة العِبْرِيَّة وإيران على الأرض، نجد أن الطرفين حِلْفٌ واحد ووجهان لعملة واحدة، يتقاسمان العالم العربي بما يحقق مصالحهما، وبما لا يتعارض ومصلحة راعي هذه التمثيلية أمريكا.

سؤال البداية: كيف سمحت المنطقة بتمدد الذراع الإيراني قرب الكيان؟

وعلى العرب أن لا يتفاجؤوا بالتغلغل الإيراني المتزايد في المنطقة عموماً وسورية خصوصا، فهناك اتفاق بين إيران من جهة وأمريكا والدولة العِبْرِيَّة من جهة أخرى، يُسمح لإيران بالتمدد واستعداء العرب للتخفيف من العداء العربي للكيان الصهيوني. وبعبارة أخرى هناك اتفاق بين الكيان الصهيوني وإيران على تقاسم العداء مع العرب، فبدلاً من أن تظل الدولة العِبْرِيَّة البعبع والعدو الوحيد للعرب في المنطقة، تتقاسم العداء مع إيران، بحيث يَخفُّ الضغط على الكيان الصهيوني، ليتبين لنا أن كل هذا العداء الظاهر والبعبعة والجعجعة في وسائل إعلامهما مجرد ضحك على الذقون.

أما خوف الكيان الصهيوني من الوجود الإيراني في سورية ولبنان فقد أصبح نُكتة سَمِجَة لم تَعُدْ تنطلي على عوام الناس.

وهنا يتساءل المرء: كيف سمحت الدولة العِبْرِيَّة وأمريكا لذراع عسكري إيراني ضارب أن ينشأ على حدود الكيان الصهيوني مباشرة مع لبنان بعد فترة قصيرة جدا من وصول الخميني إلى السلطة، وبالتالي أن يهدد ’’الصهاينة‘‘ من على مرمى حجر من كيانهم؟

تعالوا نشاهد كيف سهّلت أمريكا والدولة العِبْرِيَّة لإيران الخمينية أن تتمدد حتى تصل إلى حدود الكيان الغاصب لفلسطين، ألم يرفع المعمم الخميني عند وصوله إلى السلطة في إيران في نهاية سبعينيات القرن الماضي قادما من بلاد الغرب المتآمر على الإسلام والمسلمين؛ شعار محاربة الشيطان الأكبر، ألا وهي أمريكا وكل الجهات المتحالفة معها في الشرق الأوسط؟ ألم تكن الدولة العِبْرِيَّة على رأس قائمة الجهات التي استهدفتها عصابة معممي قُمّ؛ التي استلمت مقاليد الحُكْم بعد الثورة؟ ألم نسمع وقتها كيف بدأ الإيرانيون الجُدد يرفعون شعار تحرير القدس وإغراق الصهاينة بالماء؟

ألم تنتبه الدولة العِبْرِيَّة وأمريكا لكل تلك التهديدات الإيرانية الصارخة؟ لماذا لم تتخذ واشنطن وتل أبيب كل الاحتياطات، وترصد كل التحركات الإيرانية الجديدة لحظة بلحظة، خوفاً من حملة الثأر الإيرانية الرهيبة التي أطلقها الخميني ضد الشيطان الأكبر وربيبته الدولة العِبْرِيَّة؟ على العكس من ذلك، نجد أن التغلغل الإيراني في المنطقة بعد سنوات قلائل على الثورة الإيرانية، وقد وصلت إيران بسرعة إلى حدود الكيان الصهيوني بلمح البصر بعد تهديداتها النارية للإمبريالية والصهيونية.

حزب الله نموذجاً: كيف تحوّلت الشعارات إلى ورقة قوة على الحدود

وفي بداية الثمانينيات، وبعد ثلاث سنوات أو أقل، ظهر فجأة إلى الوجود ’’حزب اللّات اللبناني‘‘ كأول طليعة وذراع عسكري لإيران في المنطقة، ولو ظهر ذلك الحزب مثلا في بلد عربي بعيداً عن الدولة العِبْرِيَّة؛ لبلعنا القصة، لكن الذي حصل أن إيران أسست حزب اللّات على الحدود مباشرة مع ما تسميه وسائل الإعلام الإيرانية ’’الكيان الصهيوني‘‘، بعد أن قضت بالتعاون مع النظام السوري على كل الفصائل اللبنانية والفلسطينية والوطنية واليسارية والإسلامية وغيرها في لبنان، التي كانت تخوض حرب العصابات ضد الدولة العِبْرِيَّة. وفجأة ظهر حزب اللّات ليرفع شعار تحرير القدس من على الحدود مع الدولة العِبْرِيَّة مباشرة، وليس من طهران.

بعض الساخرين يتهكم قائلا: يبدو أن أمريكا والدولة العِبْرِيَّة اللتين تراقب أقمارهما الاصطناعية دبيب النمل في المنطقة، كانتا نائمتين في تلك اللحظات التي ظهر فيها حزب اللّات على الحدود مع الدولة العِبْرِيَّة، فنشأ الحزب ونما، ودجّج نفسه بالسلاح الإيراني والسوري بلمح البصر، وعندما استفاقت أمريكا والكيان الصهيوني وجدتا أن هناك قوة عسكرية إيرانية ضاربة على حدود الدولة العِبْرِيَّة، فأسقط في أيديهما، وندمتا على الساعة التي أخذتا فيها غفوة، فاستغلتها إيران في إنضاج حزب اللّات، وجعله سيفا مُسلّطا على رقبة الدولة العِبْرِيَّة بين ليلة وضحاها.

خلاصة المشهد: العداء الإعلامي… أم ضحك على الذقون؟

وبما أن النظام الإيراني الجديد رفع منذ بداية الثورة شعار القضاء على الكيان الصهيوني، فكيف سمحت له الدولة العِبْرِيَّة وأمريكا أن يتغلغل في سورية جارة ’’الدولة العِبْرِيَّة‘‘ المباشرة بهذا الشكل الرهيب، بحيث أصبحت سورية على مدى عقود بعد الثورة الإيرانية (عدوة الإمبريالية والصهيونية)، وأصبحت مربط خيل إيران في المنطقة؟ يبدو أيضا أن الاستخبارات الأمريكية والصهيونية أثناء التغلغل الإيراني في سورية والهيمنة عليها كانت نائمة، ربما بسبب التعب، أو بعد تناول وجبة ثقيلة من الهمبرجر.

لو كانت الدولة العِبْرِيَّة تخشى من إيران وميليشياتها الطائفية في سورية لما سمحت هي وأمريكا لتلك الميليشيات بدخول سورية أصلا، ومن سلّم العراق لإيران على طبق من ذهب، لا يمكن أن يعرقل التغلغل الفارسي في سورية، ومن يخشى من حزب اللّات في لبنان، لا يمكن أن يسمح لإيران بإنشاء ألف حزب مثله في سورية.

المراجع

– الجزيرة – 16/2/2018م.

– النشرة – 26/10/2024م.

مركز_أمية_للبحوث_والدراسات_الاستراتيجية_تحليل_سياسي_محمد_فاروق_الإمام_الضربة_الصهيونية_لطهران_تمثيلية_سَمِجَة

مقالات ذات صلة