التجربة السياسية للحركة الإسلامية في سورية : د. مصطفى حسني السباعي أنموذجاً

                 

       عمر  العبسو                                                

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية

 

الحلقةالثالثة

 

       الشيخ مصطفى السباعي – رحمه الله- كان أحد العلماء البارزين والدعاة المشهورين والمصلحين المعدودين، وكانت له مع ذلك جهود سياسية واجتماعية مؤثرة، وهو نموذج من النماذج التي تحتذى، وقدوة يقتدي بها أهل الإسلام في زماننا وفي كل زمان .

ولا يسع المؤرخ في تاريخ سوريا أن يغفل الحديث عن الدكتور الشيخ مصطفى حسني السباعي أو الوقوف عند محطات بارزة في مسيرة حياته ، وذلك لسببين :

أ-الدور الحاسم الذي اضطلع به في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في سورية وفي قيادتها وإنجازاتها على مدى ثلاثة عقود .

ب- تداخل حياة الشيخ بأعمال الجماعة وأنشطتها تداخلاً لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، ومن ثم فلا بد من إلمامة عاجلة عن حياة الرجل الكبير المليئة بالفكر والعبر والإنجازات العظيمة طيلة حياته المباركة .

        لقد رافقت نشأتَه منذ الصغر ظروفٌ قاسية مرت بها البلاد.. من استعمار، وفساد سياسي، وتخلف، وجهل، ومظالم اجتماعية، وسياسية، ولقد تحسس د. مصطفى السباعي هذه المآسي، وهبّ متمردًا على هذا الواقع السيئ، وكان أول عمل قام به تأليف جمعية سرية لمقاومة مدارس التبشير الأجنبية، ودعا إلى محاربة الاستعمار، ومدارسه ومظالمه من فوق المنابر بخطب مثيرة، وكان يقود المظاهرات الصاخبة.. فمن هو مصطفى السباعي ؟، وما هي سيرته وسريرته، وما هي التجربة السياسية عنده ؟…

       وفي هذه الصفحات سوف نجيب على بعض هذه التساؤلات، وقديماً قالوا : مالا يدرك كلّه، لا يترك جلّه …

المولد والنشأة :

       ولد مصطفى حسني السباعي في عام 1915م في مدينة حمص السورية في أسرة علمية عريقة. حيث كان أجداده وأبوه يتولون الخطابة في الجامع الكبير بحمص جيلاً بعد جيل، وكان أبوه الشيخ حسني السباعي في طليعة العاملين والمؤيدين للحركات الوطنية، ومن محبي الخير مساهماً في تأسيس الجمعيات الخيرية والمشاريع الاجتماعية، يحرص على عقد مجالس العلم مع لفيف من فقهاء حمص وعلمائها الأخيار حيث كانوا يتدارسون الفقه، ويتناقشون في أدلة مسائله.

          بدأ مصطفى السباعي بحفظ القرآن الكريم، وتلقى مبادئ العلوم الشرعية على أبيه حتى بلغ السن التي تخوله دخول المدرسة الابتدائية، حيث التحق بالمدرسة المسعودية، وبعد أن أتم فيها دراسته بتفوق ظاهر، التحق بالثانوية الشرعية، وأتم دراسته فيها عام 1930 بنجاح باهر لفت أنظار كبار أساتذته الذين كانوا يتوقعون له مستقبلاً علمياً باهراً.

            ولم يقتصر في دراسته الشرعية على المناهج المدرسية، وإنما كان يحضر مجالس العلم التي كان يعقدها والده مع كبار الفقهاء والعلماء، وكان يتردد على غيرهم من علماء حمص يتلقى عنهم العلوم الإسلامية المختلفة.

          كما كان السباعي مولعاً بالمطالعة والبحث في كتب الأدب والثقافة المختلفة، وفي ذلك قام بتأليف جمعية سرية لمقاومة مدارس التبشير الأجنبية التي أنشئت بمساعدة السلطات الاستعمارية الفرنسية، وكانت هذه المدارس تحبب إلى طلابها الثقافة الغربية، وتعمل على إبعادهم عن عقيدتهم.. فعمل السباعي على محاربتها، كما ساهم في تأسيس وقيادة عدد من الجمعيات الإسلامية في حمص، وفي غيرها، ومنها (الرابطة الدينية بحمص)، و(شباب محمد صلى الله عليه وسلم)، و(الشبان المسلمين في دمشق) .

           وكان يلقي خطبة الجمعة في كثير من الأحيان في الجامع الكبير نيابة عن أبيه، مما جعله يحتل مكانة مرموقة في بلده، وحاز إعجاب الجماهير التي كانت تتوق لسماع خطبه القوية الحماسية ضد الاستعمار الفرنسي، وكان يكتب المنشورات ويوزعها سراً، وأنكر بعض البدع والعادات في المجتمع، فلم تلبث سلطات الانتداب الفرنسية أن ألقت القبض عليه وأودعته السجن عام 1931م، وهو في السادسة عشرة من عمره، ولم تكد تفرج عنه حتى اعتقلته مرة أخرى إثر خطبة عصماء أهاج بها المصلين على الفرنسيين عام 1932م، فمكث في السجن ستة أشهر .

          وعندما أفرج عنه رأى أن يتابع دراسته وتحصيله العالي في مصر.

سافر مصطفى السباعي إلى مصر عام 1933، والتحق بالجامعة الأزهرية، وانتسب إلى قسم الفقه، وأدهش أساتذته لما أبداه من تفوق باهر، ثم انتسب إلى كلية أصول الدين، ونال إجازتها بتفوق التحق بعدها بقسم الدكتوراه لنيل شهادتها في التشريع الإسلامي وتاريخه، وقد قدم أطروحته العلمية وموضوعها (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) التي نالت درجة الامتياز، وكان ذلك عام 1949م، وقد أدهش اللجنة بدقته العلمية، وأصبح هذا الكتاب القيم من أهم المراجع العلمية في موضوعه.

 وما إن استقرّ السباعي في القاهرة، حتى بادر بالاتصال بالشيخ الكبير محب الدين الخطيب صاحب مجلة الفتح والزهراء التي سبق له مراسلتها والكتابة فيها ، وهو في الثانية عشرة من عمره، فتابع الكتابة بالمجلة وهو قريب من صاحبها ومؤسسها، كما اتصل بجمعية الشبان المسلمين التي سبقت بالظهور جماعة الإخوان المسلمين، ثم اتصل بداعية الإسلام الشهيد حسن البنا، وكان قد سمع به من قبل، وعرف جهاده في سبيل الإسلام، وكان الإمام البنا قد فرغ من بناء جماعته التي استطاعت بقيادته الفذة أن توجد في مصر التيار الإسلامي الذي أثبت وجوده وقد أفزع الإمام البنا الاستعمار وعملاءه، فأقدموا على اغتياله عام 1949م، بعد أن أثبت أنه وجماعته قوة ترهب المستعمرين وتهدد وجودهم ومصالحهم.

          وقد أعجب السباعي بعمل البنا، ورأى أن ما كان ينشده، ويفكر به من تنظيم جماعة تنهض بعبء رسالة الإسلام، قد تحقق على يدي الإمام البنا، فساهم خلال وجوده في مصر بدفع هذه الحركة، وتوسيع نشاطها، وتدعيم أساسها، فاستفاد من تجربتها، وأفادها من خبرته ونشاطه.

جهاده السياسي في مصر :

        وكان الشيخ مصطفى خطيباً مفوهاً، زلق اللسان، فصيح البيان، فكانت خطبه ذات أثر بالغ في نفوس السامعين ، وكان رحمه الله يحرض السامعين على التظاهر ضد المستعمر البريطاني ، ويشارك في المظاهرات ، ويلقي الخطب الحماسية ، ويستنفر أبناء الكنانة لمقاومة المستعمر، وبلغ نشاطه حداً أقلق الاستعمار البريطاني وأتباعه في مصر آنذاك، فألقي القبض عليه من قبل القيادة البريطانية بتهمة تحريض الشعب المصري على الثورة ضد الإنكليز، وزج به في السجن عام 1934م، وبعد شهرين أفرجت عنه، فاستأنف جهاده، فاعتقلته السلطات المصرية بأمرٍ من الاحتلال مع مجموعةٍ من زملائه الطلبة، وهم: مشهور الضامن، وإبراهيم القطان، وهاشم الخازندار، وفارس حمداني، وعلي الدويك، ويوسف المشاري، وبقَوا في المعتقل قرابة ثلاثة أشهر، ثم نُقلوا إلى السلطات الإنجليزية في فلسطين فأودع في معتقل (صرفند) بفلسطين، بتهمة تشكيل جمعية سرية لتأييد ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق، وبعد مضي أربعة أشهر أفرج عنه لتعيد السلطات الفرنسية اعتقاله من جديد فور وصوله إلى سورية، وزجته في سجون(المية ومية) وفي قلعة ( راشيا ) في لبنان أكثر من ثلاثين شهراً (سنتين ونصف) تحت التعذيب وفي الأشغال الشاقة دون أن ينال العدو من عزيمة الشيخ شيئاً كما ذكر الذين كانوا معه في السجن ، بل كان يشحذ العزائم ويستنهض الهمم ، وعندما تمّ الإفراج عنه، وعاد إلى مصر باشر مهنة التدريس في التربية الإسلامية واللغة العربية دون أن يفتر أو يهادن الفرنسيين، بل كان دائب التحريض على الثورة المسلحة ضد المحتلين، وتخليص الوطن من الفرنسيين، وإنقاذ فلسطين من اليهود والبريطانيين .

جهاده ضد الفرنسيين في سورية :

        وبعد أن أفرج عنه الفرنسيون عاد إلى حمص، ثم انتقل إلى دمشق ليتابع نشاطه في الدعوة إلى الإسلام، وقيادة الجماهير في طريق (الحق والقوة والحرية) ورأى أن الوقت قد حان لإخراج الحركة من نطاق العمل الشعبي العام إلى نطاق الحركة المنظمة، وبدأ باصطفاء الأكفاء من الرجال، وانتهى إلى تأسيس الجماعة المنشودة مختاراً لها اسم الحركة الإسلامية في مصر، لإخراج الحركة من النطاق المحلي إلى نطاق الوطن العربي الكبير، فأعلن عام 1945 قيام (جماعة الإخوان المسلمين)، وقد انتخبته الهيئة التأسيسية للجماعة فيما بعد مراقباً عاماً مدى الحياة، فقاد الجماعة قيادة الحكيم حتى استطاع أن يوجد في سورية التيار الإسلامي الواعي الذي استقطب خيرة الشباب المثقف المؤمن، واستمر السباعي القائد يمنح دعوته وجماعته من شبابه المتوقد وحيويته النادرة وعقله الجبار وروحه القوية وكل ذرة من جهده ووقته حتى سقط من الإرهاق، لكنه لم يستسلم للمرض، وكان يقول: (خير لي أن أموت وأنا أقوم بواجبي نحو الله، من أن أموت على فراشي، فالآجال بيد الله، وإن ألمي من حرمان الطلاب من دروس التوجيه أشد وأقسى من آلامي الجسدية، وحسبي الله وعليه الاتكال) .

جهاده في فلسطين :

          لم تكن قضية فلسطين، قضية عادية عند السباعي، فهو الزعيم القائد الذي قرن القول بالعمل فطاف أنحاء البلاد من أدناها إلى أقصاها يلقي الخطب الحماسية يثير بها الجماهير المؤمنة في كل مكان، ويأخذ عليها العهود والمواثيق بأن تبذل لفلسطين الإسلامية كل غال، وقد كان ذلك عقب الإفراج عنه سنة 1943 م، وقد نشرت صحف دمشق وغيرها من الصحف العربية يومئذ أنباء هذه الجولات والمظاهرات التي كان يقودها عقب كل خطاب في كل مدينة وقرية في أنحاء سورية.

         كما نشرت هذه الصحف محاضراته وخطبه وأحاديثه.

         وفي عام 1948 ولدى اعتراف الأمم المتحدة بشرعية دولة إسرائيل في فلسطين، انطلق السباعي يجوب المدن السورية، ويدعو إلى التطوع لإنقاذ فلسطين، واندفع في مقدمة الركب يقود كتائب الشباب المؤمن من جماعة (الإخوان المسلمين) الذين رباهم على مبدأ (والموت في سبيل الله أسمى أمانينا) .

          تقدَّم إخوان سوريا تحت قيادة المجاهد الشيخ مصطفى السباعي المراقب العام لإخوان سوريا، وأعدوا كتيبةً لمساعدة إخوانهم القادمين من مصر، واستقبلوهم في معسكر قطنا، حتى إن الإمام البنا حرص على زيارتهم في المعسكر، وفي أرض المعركة تم لقاء كتائب إخوان سورية بكتائب إخوان مصر، والتقى السباعي بالبنا، وتعاون القائدان، ووضعا خطة مشتركة للمعركة، وتوزعا أماكن القتال .

        وطالب الإمام البنا الحكومات العربية بعدم التدخُّل في هذه الحرب؛ حتى لا يكتسب اليهود عطف العالم، وذكَّرهم بأنها حرب عصابات بين المجاهدين الفلسطينيين والعصابات اليهودية، وأنه لا تنفع معهم الجيوش المنظَّمة، لكن الملوك والحكام رفضوا ودخلت جيوش سبع دول عربية، لكنها لم تكن معدَّة إعدادًا جيدًا، فلحقتها الهزيمة في كل معاركها، وكانوا يستعينون بالمجاهدين الإخوان في كثيرٍ من العمليات، وظهرت خيانة الحكام بقبول الهدنة، ثم اعتقال المجاهدين، ثم اكتملت المؤامرة باغتيال الإمام البنا في 12/2/1949م.

         أصبح السباعي مسؤولاً عن معسكر المجاهدين في قطنا، وبعد الإعداد الجيد لمدة شهر ونصف سافر الفوج الأول بقيادة الملازم عبد الرحمن الملوحي في صحبة الشهيد عبد القادر الحسيني، ثم لحق بهم الفوج الثاني، والذي كان فيه الشيخ السباعي، ووصلت هذه الكتيبة إلى القدس وعملوا على حماية أهلها، واشترك في معركة القطمون، ومعركة الحي اليهودي بالقدس القديمة، ثم معركة القدس الكبرى، غير أنه شعر بأن شيئًا يحدث على الساحة السياسية، وتحقّق ظنُّه بإعلان الهدنة، وعاد إلى سوريا في 8/12/1948م غاضبًا يصبُّ جام غضبه على المأجورين والعملاء، ويفضح خطط المتآمرين، ويكشف عمالة الأنظمة، ويشرح ما جرى من مهازل القادة العسكريين الذين كانوا تحت إمرة الجنرال (كلوب) الإنجليزي، ويكشف قضية الأسلحة الفاسدة التي زُوِّد بها الجيش المصري، ويفضح تصريحات القادة العراقيين عن عدم وجود أوامر لضرب اليهود، ولولا جهاد المتطوِّعين من الفلسطينيين والمصريين والسوريين والأردنيين من الإخوان المسلمين لما وُجد ثمة قتال حقيقي ضد اليهود، بل هدنة ثم هدنة لتمكين اليهود من العرب، وإمدادهم بالأسلحة الأوروبية والأمريكية والمقاتلين الأجانب لترجيح كفة اليهود على الفلسطينيين، ثم تسليم البلاد وتهجير أهلها واعتقال المجاهدين المتطوِّعين في سبيل الله للذود عن ديار المسلمين المقدَّسة.

        يقول السباعي: “كنا نشعر ونحن في قلب معارك القدس أن هناك مناورات تجري في الصعيد الدولي، وفي أوساط السياسات العربية الرسمية، فتشاورنا في كتيبة الإخوان المسلمين فيما يجب علينا فعله بعد صدور الأوامر إلينا بالانسحاب من القدس، فقرَّ رأينا على أننا لا نستطيع مخالفة الأوامر الصادرة إلينا بمغادرة القدس لاعتباراتٍ متعدِّدة، وأننا بعد وصولنا إلى دمشق سنرسل بعض الإخوان المسلمين خفيةً إلى القدس مرةً ثانيةً لدراسة ما إذا كان بالإمكان عودتنا بصورة فردية، لنتابع نضالنا في الدفاع عن فلسطين، وعدنا إلى دمشق مع سائر أفراد الحامية وقيادتها التابعة لجيش الإنقاذ؛ حيث تسلَّمت قيادة جيش الإنقاذ أسلحتنا ووعدت باستدعائنا مرةً ثانيةً عند الحاجة.

       وقمت بجولةٍ في سوريا تحدَّثت فيها عن معارك فلسطين، وألقيت في ذلك محاضرات في كل مكان من دمشق وحمص وحماه وحلب واللاذقية ودير الزور وغيرها من المدن السورية، وذهل الجمهور لما أبديته من حقائق لم تكن معروفة لديهم تمامًا، حتى شكَّ بعضهم فيها، ثم انكشف الأمر وتبيَّن صدق ما أدَّعي من العوامل الخفية والظاهرة التي كانت تُسيِّر معركة فلسطين، هذا بينما كان فريق من إخواننا المجاهدين قد عادوا إلى فلسطين خفيةً لتنفيذ ما اتفقنا عليه”.

 وبعد عودته سجَّل ملاحظاته على الحرب فقال:

1- إن جيش الإنقاذ الذي ألَّفته الجامعة العربية تحت قيادة فوزي القاوقجي لم يكن إلا تسكينًا لشعور العرب، ولم يستطع الذود عن مدينة واحدة.

 2- إن قيادة جيش الإنقاذ لم تخض معركةً واحدةً جديةً في فلسطين.

 3- إن جيش الإنقاذ كانت مهمته تحطيم منظَّمة الجهاد المقدَّس، والتي كان قائدها عبد القادر الحسيني.

 وانتهت الحرب بهزيمة الجيوش العربية واعتقال المجاهدين من إخوان مصر والزجِّ بهم في السجون في عهد إبراهيم عبد الهادي.

      وعندما اندلعت معارك القنال بمصر طلب من الحكومة السورية سنة 1952م السماح بمشاركة الإخوان في سوريا أن ينضموا إلى إخوانهم في مصر في كفاحهم ضد الإنجليز، فصدر الأمر باعتقاله وحلِّ الإخوان في سوريا.

          وعلى مر الأيام والسنين لم ينس السباعي القضية الفلسطينية، فدعا إلى تخصيص أسبوع من كل عام باسم (أسبوع الخطر الصهيوني) تقام فيه المهرجانات الشعبية في سائر أنحاء البلاد، وبدأ هذا المشروع عام 1955، ودعا فيه قادة الحركة الإسلامية في الوطن العربي للاشتراك في هذا الأسبوع، وطاف معهم في شتى أنحاء البلاد يتحدثون عن الخطر الصهيوني، ويقودون المظاهرات الشعبية لمطالبة الحكومات والمسؤولين بإعداد الشعب للمعركة واتخاذ كافة الاستعدادات لمعركة التحرير.

         كما طالب وإخوانه في المجلس النيابي بتدريس القضية الفلسطينية كمادة أساسية في منهج التعليم، وقد أقر هذا الاقتراح، ونفذ بالفعل، حتى تم تجاوزه في المناهج الدراسية في سورية بعد عام 1963 تمهيداً لما سيأتي بعد!! .

جهاده السياسي تحت قبة البرلمان :

          انتخب الشيخ مصطفى السباعي نائباً عن دمشق في الجمعية التأسيسية التي تحوّلت بعد وضع الدستور إلى برلمان (1949 ـ 1954)، وكان أهلاً لهذه الثقة وسرعان ما لمع نجمه كبرلماني شعبي متفوق يقارع الباطل والفساد، ولا يهادن، فاتجهت إليه الأنظار، والتفتت حوله القلوب داخل البرلمان وخارجه انتخب نائباً لرئيس المجلس، وأصبح عضواً بارزاً في لجنة الدستور العامة، وأحد الأعضاء التسعة الذين وضعوا مسودة الدستور، وقدموها إلى اللجنة العامة لإقراره بعد أن ضمَّنه مواد إسلامية رائعة.

          وتمكَّن السباعي وإخوانه من استبعاد الطابع العلماني عن الدستور، وفرض الطابع الإسلامي على معظم أحكامه الأساسية سنة 1950م.

       قال الأستاذ السباعي في كتابه القيِّم “دروس في دعوة الإخوان المسلمين”: “نحن نعتقد أن كل نظام صالح في العالم لا يمكن أن ينتفع به ما لم تؤيِّده حكومةٌ حرةٌ قويةٌ صالحةٌ، ومن أجل ذلك آمن الإخوان المسلمون بوجوب تحرير العالم العربي والعالم الإسلامي من الاستعمار مهما كان شكله أو لونه، كما آمنوا بتوحيد البلاد العربية في الوطن العربي الكبير والتعاون مع البلاد الإسلامية والصديقة بأي شكل من أشكال التعاون الذي يحقِّق قوة العالم الإسلامي ونجاته من الاستعمار ونهوض شعوبه من الفقر والجهل والتأخر، وفي سبيل هذه الغاية عمل الإخوان المسلمون في حقل القضايا العربية والإسلامية بنشاطٍ لم يُعهَد في غيرهم من الهيئات والجماعات”.

         وقد تبنى مصطفى السباعي في البرلمان السوري حركة العمال، ودافع عن حقوقهم وطالب برفع مستواهم المادي والاجتماعي والأخلاقي، وتبنى مطالبهم في مجلس النواب، وطاف القرى، وعاش مع الفلاحين، وعرف مشاكلهم، وطالب برفع مستواهم وإنصافهم.

مبدأ (المواطنة) عند الدكتور مصطفى السباعي :

     كتب الباحث الإسلامي السوري د. منير محمد الغضبان – رحمه الله- مقالة قيمة تحت عنوان مبدأ المواطنة عند الدكتور مصطفى السباعي يقول فيها :

(  رغم كل ما كتب في المواطنة. فلا يزال الحديث عنها بحاجة إلى تأصيل وتعميق شرعي . والدكتور السباعي رحمه الله رائد كبير من رواد هذا المبدأ، ولرأيه أهمية كبرى إذ يمثل أكبر تنظيم  إسلامي في سورية؛ الإخوان المسلمون .

وسنعرض لهذا الموضوع ضمن الفقرات التالية :

       بعد نزول آية الجزية في السنة التاسعة للهجرة وابتداء الفتوحات الإسلامية في عهد الصديق رضي الله عنه صار كل من  هادن الإسلام ذميا  بحماية المسلمين . ولم يكن الأمر كذلك في الدول التي دخلت الإسلام عن طريق التجارة، والدعوة إلى الله .

أولاً : الجذور الأولى لفكرة المواطنة عند السباعي :

      وبقي هذا الأمر سائداً خلال التاريخ الإسلامي، وفي الدولة العثمانية التي تمثل المسلمين في العالم حتى عام 1839، حيث صدر مرسومان سلطانيان نصّا على اعتبار المساواة بين المواطنين ؛خلال عهد السلطان عبد المجيد.

أولهما : في عام 1839 صدر  خط شريف همايوني المشهور بمنشور كولخاتة الذي وضعه الصدر الأعظم مصطفى رشيد باشا، والذي عرف بخطه المعتدل الإصلاحي في الدولة العثمانية . وقد كفلت هذه التنظيمات مساواة المسلمين والذميين من الرعايا العثمانيين أمام القانون مقابل الحفاظ على الدولة العثمانية بعد أن هددها محمد علي باشا في الفترة  1839-1842 بموجب معاهدة لندن .

         وقد راح العلماء يشرحون للأمة أن هذا المنشور لا يتعارض مع الإسلام، ثم كان المنشور الثاني في عام 1856 والمعروف بخط شريف همايوني، ثم عرف بمنشور التنظيمات الخيرية، وقد صدر عقب حرب القرم ( 1854-1856 ) والذي أكد كسابقه المساواة في ذلك  بالضرائب ( إلغاء الجزية ) وتمثيل الطوائف غير الإسلامية بمجالس محلية ومجلس القضاء، وقد أخذ شرعيته لكونه صادراً عن الخليفة العثماني الإسلامي أكثر من شرعيته بتبني العلماء له ..)[1] .

ثانياً : قانون الدولة العثمانية، وأخذ مبدأ المواطنة الشرعية الكاملة يوم تجاوز أن يكون بياناً ليكون مواداً في الدستور، وتكمن أهمية الدستور العثماني  في أنه هو المرجع الوحيد الذي يعطي الشرعية لهذا المبدأ،  ولم يصدر هذا الدستور إلا بموافقة مفتي الخلافة .

       لقد ألغي الرق في العالم الإسلامي، وانتهى وجوده في الدول والشعوب الإسلامية لأن الخليفة العثماني وقّع على وثيقة إلغاء الرق في العالم .

      في الدستور العثماني نعرض مبادئ تغيير العقد مع غير المسلمين من عقد (الجزية) إلى عقد ( المواطنة ) من خلال المواد التالية :

المادة 8-  يطلق لقب عثماني على كل فرد من أفراد التبعية العثمانية بلا استثناء من أي دين ومذهب كان، ويسوغ الحصول على الصفة العثمانية وفقدانها بحسب الأحوال المعينة في القانون

المادة 9-  إن جميع العثمانيين متمتعون بحريتهم الشخصية، كل منهم مكلف بعدم تجاوزه حقوق غيره .

المادة 10-  إن الحرية الشخصية هي مصونة من جميع أنواع التعدي . ولا يجوز إجراء مجازاة أحد بأي وسيلة كانت إلا بالأسباب التي يبينها القانون .

– 1 –

المادة 11-  إن دين الدولة العثمانية هو الدين الإسلامي، ومع مراعاة هذا الأساس وعدم الإخلال براحة الخلق، والآداب العمومية، تجري  جميع الأديان المعروفة في الممالك العثمانية بحرية حماية الدولة مع دوام الامتيازات المعطاة للجماعات المختلفة كما كانت عليه ( 1 ) المشروطية العثمانية عام 1976 .

ثالثاً : تثبيت معنى المواطنة في مؤتمر العلماء الأول :

         وفي الشأن السوري عاد، فتثبت في مؤتمر رابطة العلماء، والذي عقد بعد مائة عام من خط كولخانة عام 1839، وكان عددهم ينوف عن مائة عالم حيث كان للسباعي الدور الأكبر في صياغة بيانه،  ففي القرارات التي بلغت ستة وعشرين قراراً كان منها القرار ( 24 ) الذي يقول: إذاعة بيان من أعمال المؤتمر، وفي مقدمته إعلان المبادئ الإسلامية في المسلمين وبقية المواطنين،  وشجب الدعايات الاستعمارية المشوهة لسمعة الإسلام عن طريق إثارة فكرة الأقليات، ووصم المسلمين بالتعصب الذميم .

        ولم تكتف جمعية العلماء بالنص في هذه المادة على ذلك، بل تعرّضت للموضوع ثانية في الفقرة: (وكلمة إلى رجال السياسة المحترمين )، وقدمت التخريج الشرعي لهذه المادة وذلك بقولها: فليكن أقوى سلاح لمحاربة الاستعمار في المراكز الإسلامية هي مجابهة الاستعمار بفضح دسائسه على الدين الإسلامي، وبكشف حقائق الإسلام الاجتماعية التي هي خير ضامن للوحدة الوطنية من ابناء البلاد ، فإن الإسلام  كما رأينا لا يأتلف مع هذا الاستعمار الهدام في زمان ولا مكان، ويأتلف مع الحياة المستقلة مع جميع العناصر ويحترم حرية الأديان وحقوق أصحابها أكثر مما يدعيه المستعمرون لأنفسهم من حماية حقوق الأقليات المستعمرة فإن الإسلام يقول  لمن يعيش إلى  جانب أبنائه من المواطنين لهم ما لنا، وعليهم ما علينا كما قررته القواعد الإسلامية . بينما لم نر إلى اليوم دولة من دول الاستعمار جعلت لمن تدعي حمايتهم لهم مالها وعليهم ما عليها ! ..)[2] .

      وبهذه المواد المذكورة أصبح عقد غير المسلمين مع المسلمين على أساس المواطنة والتساوي في الحقوق والواجبات، وإنهاء عقد الذمة الذي قام  في الأصل على المقاتلة بين المسلمين وغيرهم .

رابعاً: عبقرية السباعي في التخريج الشرعي لفكرة المواطنة، وتغيير عقد الذمة يقول -رحمه الله – :

” وكانت الجزية قبل الإسلام تفرض على من لم يكن من الفاتحين عرقاً أو بلداً أو ديناً، سواء حارب  أم لم يحارب . أما في الإسلام فلا تفرض إلا على المحاربين من أعداء الأمة، أما المواطنون من غير المسلمين ممن لم يحاربوا الدولة فلا تفرض عليهم الجزية كما فعل عمر بن الخطاب مع نصارى تغلب “

       وقال: لو رجعنا الى آية الجزية في القرآن لوجدناها تقول : ” قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. . . “، فهي كما ترون تجعل الجزية غاية لقتال أهل الكتاب حين نتغلب عليهم . وليس كل أهل الكتاب يجب علينا أن نقاتلهم، إنما نقاتل من يقاتلنا ويشهر علينا السلاح، ويعرّض كيان الدولة للخطر. وهذا هو صريح الآية الكريمة :

” وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين “

. . . فلاشك في أن  الذين يعيشون في الدولة مع المسلمين من أهل الكتاب، ويشاركونهم في الإخلاص والولاء لها، ليسوا ممن يجوز قتالهم . فلا تفرض عليهم الجزية التي هي ثمرة القتال بعد النصر، وهذا ما يفهم من آيات الجزية من غير تأول ولا تعسف . . . )[3] .

خامساً : موقفه ضد قانون الطوائف :

        كان في الثالثة والعشرين من عمره، واصدرت حكومة الكتلة الوطنية أثناء الاستعمار الفرنسي قانون الطوائف، فكتب في افتتاحية مجلة الفتح وهو في مصر كلمة هاجم فيها قانون الطوائف قال فيها :

      ماذا نقول في بلد دخله أوصياؤه وهو شعب واحد وأمة واحدة . فما لبثوا أن جعلوه موزعاً بين  عرب مسلمين، ومسيحيين، ويهود، ونصيرية، ودروز، وإسماعيليين، وشيعة وأكراد، وتركمان، وشركس ، وداغستان، وغجر ، ثم زادوا عليها الأرمن والآشوريين . . )

       فانطلاقه من فكرة الشعب السوري الواحد يجعله يرفض التوزيع الطائفي لأبناء الأمة الواحدة وكان هذا عام 1938 .

سادساً : الوحدة الوطنية :

       وقد تحدث السباعي عن هذا الموضوع بمناسبة انتخابات 1949

( وكانت مخططات الوحدة هي الموضوع الأساسي في الانتخابات، يضاف إلى ذلك مساندة الإخوان المسلمين لمرشحين نصارى . . ، وقد ساهمت في إحدى اللقاءات الانتخابية الكبيرة للجبهة الإسلامية الاشتراكية لجنة تمثل أحياء النصارى في دمشق يقودها جورج شلهوب، وامتدحت الإخوان المسلمين لأجل جهادهم في المجالات الوطنية والدينية والاجتماعية، وطالب مصطفى السباعي في كلمته بالتضامن بين أبناء الشعب والتعاون بين المسلمين والنصارى، ويعرض في كلمة انتخابية كبرى للمطالب الأساسية للجبهة الإسلامية الاشتراكية، وهي الإصلاحات وذلك من خلال برنامجهم، وتطرق بإسهاب إلى مسألة التعايش بين المسلمين والمسيحيين . . . فإن الدين ليس عصبية أو طائفية ) .

سابعاً : دفاع السباعي عن النظام الجمهوري :

       ففي جلسة صياغة القسم للنواب في برلمان 1949 تحدث عن النظام الجمهوري قائلاً بتاريخ 27 كانون أول سنة 1949م :

( إننا دعاة وحدة عربية منذ الصغر . . . ولكن هذه الوحدة تحول دونها مطامع وأهواء . . . إن هذه البلاد أحبت النظام الجمهوري، واعتنقته، واعتقدت بصلاحه، وإننا نعلن بكل إيمان وصراحة ووضوح بأننا لا نريد عن النظام الجمهوري بديلاً: إننا نريد لوطننا نظاماً شعبياً ديموقراطياً ، يقوم على ارادة الشعب ، وتتمثل فيه إرادة الشعب ) . . .  ثم أضاف متحدثاً بلسان المجلس كله :  ( وليس هنا  من أحد يكره الوحدة العربية ، ولكننا نريدها وحدة شعوب لا وحدة ملوك ، ولا وحدة عروش ، ولا وحدة تيجان . . )[4]

 ثامناً :  الصيغة التي قدمها السباعي للجنة الدستور ال 23 ، ووافقت عليها :

( كانت المواد المقترحة كما جاءت في بيان السباعي المشار إليه، وكما أقرتها لجنة الدستور :

1-       الإسلام دين الدولة .

2-       الأديان السماوية محترمة ومقدسة .

3-       الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية .

4-   المواطنون متساوون في الحقوق لا يحال بين المواطن وبين الوصول إلى أعلى مناصب الدولة بسبب الدين، أو الجنس، أو اللغة )[5]  .

 – 2 –

       وهذا نص في موضع النزاع حول القبول بنتائج صناديق الاقتراع، ولا يفرض أن يكون دين رئيس الجمهورية الإسلام وقد علق (وايسنر) على هذه المبادئ بقوله :

في 6 نيسان / إبريل أقرت اللجنة الدستورية (المكلفة  بوضع الدستور) بأغلبية 13 مقابل 10 أصوات الموافقة على أن تشمل المادة رقم 3 فقرة  1 من مشروع الدستور أن يكون دين الدولة الإسلام . ربما أن الإخوان المسلمين كانت المنظمة الوحيدة في سورية التي طالبت بأن يكون دين الدولة الإسلام، ولم يمثلها في اللجنة الدستورية سوى شخص واحد هو مصطفى السباعي. فإن نتيجة التصويت تدل بوضوح على أنهم كانوا يعبرون في ذلك الصراع عما تكنه فئة كبيرة من الشعب. ويبدو أن المناقشات التي تلت تلك النتيجة كانت من الحدّة مما دفع بالحكومة إلى منع أي تعرض لتلك المسألة بشكل عام )[6]

 تاسعا ً : السباعي يرد على الياس دمر الذي هاجم دين الدولة الإسلام :

( أما الزعم بأن النص على دين الدولة تفرقة بين أبناء الشعب ، وإثارة للنعرة الطائفية فهو زعم باطل لأننا لا نريد بهذا النص تمييز المسلمين عن غيرهم ولا افنئاتاً على حقوق المواطنين المسيحيين ، وحسبكم أن ترجعوا الى نص المادة كما جاءت  في المشروع ، لتعلموا أنها كتبت بروح نبيلة تشعر بالإخاء بين المواطنين . وليس القصد منها إلا تحقيق أهداف سياسية وقومية واجتماعية هي في مصلحة هذا الشعب مسلمه ومسيحيه على السواء ، ولو كان النص على دين الدولة يؤدي إلى التفرقة بين أبناء الوطن الواحد لما جاز لكثير من دول أوروبة وأمريكة أن تنص عليها في دساتيرها ) السباعي ل : د. زرزور / ص 271- عن مذكرات الجمعية التأسيسية ، الجلسة الثامنة والثلاثون بتاريخ 24/7/1950 ص/637.

عاشراً : البيان الذي أصدره السباعي عن ( دين الدولة ) :

      وقد ركز هذا البيان على عدد من الأفكار التي تجلي ( عقد المواطنة ) الذي تبناه

أ‌-     ( القواعد الديموقراطية) :

إن القواعد المتبعة في دساتير العالم وأنظمة الأحزاب ومداولات المجالس النيابية بل في عرف الدنيا جميعاً أن رأي الأكثرية هو المتبع والمعمول به ، فإذا قلنا إن دين الدولة الإسلام وهو دين تسعة أعشار المسلمين، ودين 98%  من العرب، أنكون قد تجاوزنا الحق ؟ وأهدرنا المنطق ؟ وخالفنا الديمقراطية ؟ وهذه هي الدول التي نصت دساتيرها على دين معين إنما اتخذت دين الأكثرية دينها الرسمي في كثير من الأحيان . . وليس في الدنيا دولة لا يدين شعبها إلا بدين واحد، بل في كل دولة أكثرية وأقلية، فهل نكون قد أتينا ببدع من الأمر إذا مشينا على القاعدة التي تمشي عليها دولة واحدة )[7]

 والسباعي هنا يعتبر كل الطوائف التي تنتمي إلى الإسلام من المسلمين ولذلك قال :

” وهو دين تسعة أعشار المسلمين “

وهذا بالضبط ما قاله المشروع السياسي للإخوان المسلمين .

 وهناك الترتيب الديني والمذهبي حيث ينتمي 90% من سكان الإقليم إلى الإسلام الذي يُعتبر الدين السائد في القطر . . . )[8] .

ب‌- وتحت عنوان : اعتراض المسيحيين على دين الدولة الإسلام كان مما قاله :

وأما توهم الانتقاص من المسيحيين وامتياز المسلمين ، فأين الامتياز ؟

أفي حرية العقيدة والاسلام يحترم العقائد جميعاً ، والدستور سيكفل حرية العقائد للمواطنين جميعاً ؟ أم في الأحوال الشخصية ، والاسلام يحترمهاوالدستور يكفلها ؟ أم في الحقوق المدنية

والتساوي في الواجبات ، والاسلام لا يفرق بين مسلم ومسيحي فيها ، ولايعطي للمسلم في الدولة حقاًأكثر من المسيحي ، والدستور سينص على تساوي المواطنين جميعاً في الحقوق والواجبات ؟  إني سأضع أمام القراء ، وأمام أبناء الشعب جميعاً نص المادة المقترحة في هذا الشأن ليروا بعد ذلك أي خوف منها ، وأي غبن يلحق بالمسيحية فيها ؟
1- الإسلام دين الدولة .

2- الأديان السماوية محترمة ومقدسة .

3- الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية .

4- المواطنون متساوون في الحقوق ، لا يحال بين مواطن وبين الوصول إلى أعلى مناصب الدولة بسبب الدين أو الجنس أو اللغة .

إني أسأل المنصفين جميعاً وخاصة أبناء الطوائف الشقيقة إذا كانت المادة التي تنص على أن دين الدولة الإسلام هي التي تتضمن هذه الضمانات كلها فأين الخوف ؟  وأين الغبن وأين الامتياز للمسلمين، وأين الانتقاص لغيرهم ؟)[9]

ج- اعتراض القوميين :

( ويعترض بعض القوميين بأن النص على دين معين للدولة ينفي الوحدة بين أبنائها ، وان سورية ذات أديان مختلفة فلا يصح أن ينصّ على دين معين .

والواقع أنه ليس في سورية إلا مسلمون ومسيحيون، وقليل جداً من اليهود، أما الطوائف فهي كلها ترجع الى هذين الدينين . وفي النص الذي ذكرناه سابقاً ضمان لحقوق المواطنين جميعاً، وتساويهم، وضمان عقائدهم وأحوالهم الشخصية، فأي تفرقة في هذا النص ؟ وهل في الدنيا دولة ليس فيها إلا دين واحد ومذهب واحد ؟ فهل منع تعدد الأديان أو المذاهب كثيراً من الدول على أن تنص على دين معين ومذهب معين ؟ )[10] .

د – اعتراض العلمانيين :

( وفي هذه الفقرة يعود ليؤكد على فكرة المواطنة ) عند الأمة فكان مما قاله :

وأعود فأقول لهؤلاء : إن الذي تخوفون به بعض المثقفين من أن النص على الاسلام ديناً للدولة يجعل لرجال الدين الكلمة الأولى في البلاد ، هو( بعبع ) لايخيف إلا من خيم الوهم والباطل على عقولهم فليس في الاسلام رجال دين تكون لهم الكلمة  ، ونحن لانريد بهذا النص أن نلغي البرلمان ، ونطرد ممثلي الأمة ، ونمحو القوانين ، كلا ، كونوا مطمئنين ، فسيظل كل شيء على حاله ، سيبقى لنا مجلسنا ونوابنا وقوانيننا وأنظمتنا ولكن . . مع سمو الروح ونظافة اليد، واستقامة الأخلاق، وعيش الإنسان الكريم )[11].

 هـ – اعتراض الحقوقيين :

حيث يؤكد أن لا تعارض بين الديمقراطية والمواطنة وبين الإسلام، فكان مما قاله :

ويعترض بعض الحقوقيين بأن جعل دين الدولة الاسلام يلغي القوانين الحالية ، ويضطرنا إلى تنفيذ الحدود الإسلامية من قطع يد السارق وجلد الزاني ، فهذا قول خاطيء، فنحن لا نفكر قطعاً بالدعوة إلى تنفيذ الحدود، لأن الاسلام نظام كامل لا يظهر صلاحه إلا في مجتمع كامل، ومن كمال المجتمع أن يشبع كل بطن، ويكتسي كل جسم، ويتعلم كل إنسان، ويكتفي كل مواطن، فإذا وقعت السرقة بعد ذلك وقعت شراً محضاً لا يقدم عليه إلا العريقون في الإجرام، والإسلام يريد أن يرهب هؤلاء الذين لم يردعهم العلم ولا الشبع ولا العيش الكريم عن الوقوع في الجريمة . .

– 3 –

. . . وخلاصة القول إننا لا نريد انقلاباً في قوانيننا الحالية، وإنما نريد التقريب بينها في التشريعات المدنية وبين نظريات الإسلام الموافقة لروح العصر، ولأصدق النظريات الحقوقية السائدة فيه، فإذا  اتفق التشريع الإسلامي مع النظريات الحديثة، فهل تجدون حرجاً في الأخذ به تراثاً قومياً تعتزون به، وتفاخرون )[12] .

حادي عشر : المجلس النيابي يرفض مادة دين الدولة الإسلام ، يقول يوهان وايسنر حول هذا الموضوع :

( الحل السياسي : . . . وجاء في جريدة المنار أن الجرائد الأخرى أوردت أن الكتل البرلمانية قررت إلغاء المادة المتعلقة بدين الدولة، وفي 6 تموز / يوليو تم فعلاً تغيير المادة رقم 3 المتعلقة بدين الدولة لتصبح كما يلي :

  • دين رئيس الجمهورية الإسلام .
  • الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع .
  • حرية الاعتقاد مصونة والدولة تحترم جميع الأديان السماوية، وتكفل حرية القيام بجميع شرائعها على أن لا يخل ذلك بالنظام العام .

4- الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية . . وتعهدت الدولة بالإضافة لذلك في مقدمة الدستور الجديد بالتمسك بالإسلام إذا كانت أغلبية الشعب من المسلمين، وبالصداقة والتعاون مع شعوب العالم الإسلامي والعربي، واقامة دولة حديثة على الأسس الأخلاقية للإسلام والأديان التوحيدية الأخرى، ومكافحة الإلحاد وتحلل الأخلاق ..)[13]

( وكان ردّ الإخوان المسلمين بأنهم توصلوا من خلال تلك المقدمة، والمادة رقم 3 إلى أكثر مما كانوا يرجون، وصوتوا أخيراً في جلسة الهيئة التشريعية بتاريخ 5 أيلول/ سبتمبر 1950 بالموافقة على الدستور الجديد . إن هذا الموقف من الإخوان المسلمين مثير للاستغراب، إذ أن هيئة العلماء أكدت في تصريح لها بتاريخ 28تموز/ يوليو 1950 قناعتها بضرورة إعلان الإسلام كدين للدولة وربط الدستور بالشريعة الإسلامية، ولاشك بأن ما جاء في تلك المقدمة إضافة للمادة الثالثة من الدستور ذهباً إلى أبعد مما كانوا يرنو له الإخوان بمطلبهم الرمزي ..)[14] .

ثاني عشر : حرص السباعي على الإسلام وحربه للطائفية :

والفضل ما شهدت به الأعداء . إذ ندع الكلام في هذه الفقرة للسيد أكرم الحوراني (الخصم الألد للسباعي، ويمثل التيار القومي في المجلس النيابي )  في وصف هذا الموقف :

(وبعد أن انتهت المناقشة العامة لمشروع الدستور أقرت لجنة الأحزاب المشتركة ولجنة الدستور المادة الثالثة . . . وتقرر أن يضاف غلى مقدمة الدستور النص التالي :

           ولما كانت غالبية الشعب تدين بالإسلام، فإن الدولة تعلن استمساكها بالإسلام ومثله العليا، ويعلن الشعب عزمه على توطيد أواصر التعاون بينه وبين شعوب العالم العربي والإسلامي وبناء دولته الحديثة على اساس من الأخلاق القويمة التي جاء بها الاسلام والأديان السماوية الأخرى وعلى مكافحة الإلحاد والتحلل الخلقي ، فقام الخلاف بين جبهة المشايخ ( رابطة العلماء ) بدمشق أذاعت بياناً بتاريخ 28 تموز جاء فيه :

إن رابطة العلماء، ويؤيدها الشعب السوري الكريم رأت أن المادة الثالثة من مشروع الدستور، دين الدولة الإسلام، التي فازت بتأييد الأكثرية . . جاءت وفقاً لدساتير الدول المجاورة، ومماثلة لدساتير الدول الأجنبية الكثيرة في النص على ارتباط الدولة بدين الأكثرية .    وكانت مؤيدة بألوف العرائض التي قدمتها الأمة ووفودها الكثيرة من جميع هيئاتها الكثيرة وطبقاتها أصبحت التزاما لا يصح انتزاعه ولا تعديله، فأذاع الشيخ مصطفى السباعي عميد الجبهة الاشتراكية الإسلامية بياناً معاكساً جاء فيه :

حينما أعرب جمهور الشعب بمختلف طبقاته عن رغبته في النص على أن يكون دين الدولة الإسلام ، انما كان يقصد الاستفادة من التشريع الإسلامي وتوجيه الشعب توجهاً أخلاقياً، والحفاظ بعلائق الأخوة والتعاون مع شعوب العالم العربي والإسلامي وإن النصوص الجديدة التي أقرتها لجنة الأحزاب المشتركة للمادة الثالثة تضمنت هذه المبادئ.

       وطلب الشيخ مصطفى في بيان إلى الرأي العام الواعي أن يدرس هذه النصوص الجديدة بهدوء وتجرد وعلى المتدينين خاصة أن يحكموا عليها بعد دراستها النزيهة المتجردة إلى أن يقول :

“إ ن هذه النصوص حققت ودفعت عن الوطن كارثة انقسام طائفي لا يرضى به كل متدين عاقل وكل وطني مخلص “

أما رجال الدين المسيحي فقد وافقوا على النص الذي أقرته لجنة الأحزاب المشتركة، وهكذا تمكنت الجمعية التأسيسية باجتماع 29/7/1950 أن تقر بما يشبه الإجماع النص الذي اتفقت عليه لجنة الأحزاب المشتركة لصيغة المادة الثالثة كما أوردتها بالنص ، وعلى ما ورد في مقدمة الدستور بالحوار والمناقشة مع الأساتذة النواب أعضاء اللجنة، د.معروف الدواليبي، والأستاذ محمد المبارك، والشيخ مصطفى السباعي المرشد العام للإخوان المسلمين في سورية، وهم من المتضلعين بالفقه الإسلامي، وحاملي أرقى الشهادات، وكانوا أساتذة في معهد الشريعة الإسلامي في دمشق، هذا المعهد الذي تحول فيما بعد إلى كلية الشريعة في الجامعة السورية، وأصبح الشيخ مصطفى السباعي عميداً لها . .)[15] .

ثالث عشر : والفضل ما شهدت به الأعداء .

وكان السباعي رحمه الله يرفض أن يسمي من يحاربه من الشعب بفكره عدواً، إنما يسميه خصماً:

 ولعلنا نقدم فقرة من تأبين الدكتور محمد الفاضل : ( الذي ينتمي إلى الطائفة العلوية )، وعميد كلية الحقوق للدكتور مصطفى السباعي توضح هذه المعاني بعد وفاته

( السيد وزير التربية والتعليم، السادة الوزراء والسفراء، أيها الحفل الكريم:

إن الشعور بمرارة الفجيعة وفداحة الخطب يزداد على الزمن عمقه واتساعه وامتداده كلما كانت شخصية الفقيد عميقة الاتصال بجذور المجتمع، واسعة الاتصال بآفاق الحياة، ممتدة الجنبات في رحاب المعرفة . والفقيد الراحل من هذا الطراز الإنساني الرفيع: كلي النظرة، قوي الإحاطة والشمول، متعدد الجوانب، متشعب المواهب، رائد من في الطليعة من رواد الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي في العالمين العربي والإسلامي، حمل زنده راية الدعوة الإسلامية زهاء ربع قرن دون أن يميل الزند أو يلتوي، رفع ساعده راية محمد صلى الله عليه وسلم فلم يضعف الساعد، وبقيت راية محمد خفاقة تزحم النجوم، ودعا لسانه الجريء المتدفق إلى الوحدة تحت علم القرآن، فنديت العربية بالحق على لسانه، واعشوشبت المنابر بالمعين الثرّ من بيانه . . .

       وثمة عقيدة ثانية ما حاد عنها السباعي في كل ما عرفته من حياته، وهي : أن الإنسان ما خلق إلا ليكون حراً. فمن أقدس واجباته أن يجاهد في سبيل حريته بغير هوادة ولا ملل، ولاسيّما حرية التفكير والضمير . بيد أن هذه الحرية في رأي السباعي يجب ان تمارس في إطار من القيم الخلقية والفضائل الروحية، فشرف الكلمة يجب أن يقدم على حريتها . . .

        ثم اذكروا أيها السيدات والسادة فوق كل هذا وبعد كل هذا، اذكروا رجلاً سار في مقدمة الرعيل الأول من فرسان اليقظة الحديثة في دنيا العرب، حيث المسالك وعرة، والعقبات في وجه المصلحين أكثر من أن تحصى . فما لوى عنان جواده يمنة ولا يسرة، ولا ارتدّ منهوكاً من المقدمة إلى المؤخرة بل ظل فضيلة الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي طيلة حياته ضميراً حراً لا يسخر وجبيناً عالياً لا يعفر  )[16] .

       وأخيراً، فتبني السباعي -رحمه الله- لمبدأ المواطنة، وتخريجه الشرعي له، وموقفه العملي معه رفعه من مصاف المصلح المحلي إلى مصاف القائد العربي والإسلامي . فوحدة الأمة العربية كلها هي التي تشغل باله، وتؤرق وجدانه، وكما قال أستاذنا الدكتور الفاضل :

( لقد اعتنق السباعي في رأيي، وهذا ما يجعله عظيماً في عيني عقيدة، وظل أميناً لها بلسانه وبقلمه حتى آخر نسمة من نسمات حياته، عقيدته: أن دعوة القومية العربية التي بعثت من جديد لتلم شتات العرب في كل قطر، وتجعل منهم أمة موحدة الرغائب والقوة، يجب أن تقوم على أساس من قيم الإسلام الروحية، وتعاليمه الأصيلة، وتراثه الحضاري الخالد .

إن الإسلام كان، وسيبقى . . . ويجب أن يبقى ظئراً للعروبة، حماها حماه، وقيمها مشتقة من قيمه، مستلهمة منها، متساوقة منسجمة معها . . . )[17] .

الإصلاحات الشاملة :

       كما قام بإنشاء المعاهد والمدارس، وساهم في تأسيس عدد من الأندية الرياضية في جميع المحافظات السورية، وتأسيس عدد من اللجان لجمع التبرعات وتوزيعها على المحتاجين والأسر الفقيرة.

          وقد بذلت له العروض المغرية للدخول في الوزارات المتعاقبة، فأبى مؤثراً العمل الشعبي والبقاء بين الجماهير يعيش مشكلاتها وقضاياها عن الانشغال عنها بالمناصب والمغانم.

         وفي عام 1951م رأس د. مصطفى السباعي وفد سورية إلى المؤتمر الإسلامي العالمي في الباكستان، فكان من أبرز شخصيات المؤتمر وأكثرها نشاطاً وإنتاجاً.

        وفي عام 1954 رأس وفد سورية إلى المؤتمر الإسلامي المسيحي المنعقد في بحمدون، وألقى هناك خطابه المشهور عن (الإسلام والشيوعية)، فذعرت له الدوائر الاستعمارية الغربية التي كانت تستتر وراء المؤتمر.

          وفي عام 1956 أوفدته الجامعة السورية إلى ديار الغرب لزيارة الجامعات الغربية والاطلاع على مناهج الدراسات الإسلامية فيها، فزار تركيا ، وإيطاليا ، وبريطانيا، وايرلندا وبلجيكا وهولندا والدنمارك والنرويج والسويد وفنلندا وألمانيا والنمسا وسويسرا وفرنسا، واجتمع في هذه البلاد كلها بالمستشرقين من أساتذة الدراسات الإسلامية والشرقية، وناقشهم في مؤلفاتهم عن الإسلام، وكشف لهم الأخطاء العلمية والتاريخية التي وقعوا فيها، وبين لهم حقائق الإسلام بأسلوب علمي، فأدهشهم بقوة حجته وغزارة علمه، وحضور بديهته وسعة آفاقه، ومرونة أسلوبه.    

        وقد عاهده فريق منهم على أن لا يكتبوا عن موضوع إسلامي إلا بعد أن يراجعوه في صحة المعلومات التي وصلت إليهم. كما أنه استفاد من وجوده هناك، فألقى المحاضرات في المساجد وفي الجامعات وفي الندوات مدافعاً عن حقوق العرب في فلسطين والجزائر، وعن قضايا الشرق والإسلام.

        وفي عام 1957 سافر إلى موسكو مع إخوانه عمداء كلية الجامعة بدعوة من جامعة موسكو زار خلالها معظم الجامعات الروسية في مختلف الأقاليم، والتقى بأساتذة الدراسات الشرقية والتاريخية والاجتماعية، وناقشهم في أقوالهم وآرائهم في الإسلام، كما ناقش غيرهم من الشخصيات السوفييتية، فكشف لهم أخطاءهم ووضح لهم رأيه صريحاً في موقفه من الشيوعية في البلاد العربية، كما شرح لهم مواقف الشيوعيين في البلاد العربية من القضايا الوطنية والاجتماعية وفضح أخلاقهم وأساليبهم.

جهاده ضد الاستبداد السياسي :

          وفي عهد الشيشكلي في أواخر عام 1952، تعرض الدكتور السباعي لمضايقة السلطة الحاكمة التي فرضت عليه رقابة مزعجة تحصي عليه حركاته وسكناته. ولم يكتف الشيشكلي بهذه المضايقة بل طلب من أساتذة الجامعة ومن كبار الموظفين أداء قسم الولاء لعهده والدخول في الحركة التي أسسها باسم (حركة التحرير)، ولكن السباعي رفض الانصياع للأوامر، فغضب الشيشكلي، وأصدر مرسوماً بتسريحه من الجامعة، وأبعده عن البلاد، فاختار لبنان، وبقي فيه حتى أواخر عهد الشيشكلي، وهناك في لبنان التفّ حوله مئات الشباب الجامعي المثقف، وأظهروا له استعدادهم لإنشاء حركة إسلامية في لبنان بقيادته، وفعلاً أسس معهم الحركة التي استمرت تسير على النهج الذي رسمه لها.

          وفي مطلع عام 1956م حاول أحد المجرمين المأجورين الإقدام على اغتيال السباعي، ولكن الله سلمه، وتمكنت سلطات الأمن من إلقاء القبض على المجرم الذي تبين أنه أحد أفراد عصابة مأجورة لمصلحة دولة أجنبية، وأن سبب الاغتيال وقوف السباعي في وجه الأحلاف الغربية.

          كان السباعي -رحمه الله- عالماً وداعية وسياسياً استطاع أن يقود حركة الإخوان المسلمين في سورية في ظروف كثيرة التقلب بالغة التعقيد، ولكنه كان دائماً يبرز هذه الحركة متشابكة في نسيج المجتمع السوري بأبعاده كافة الإسلامية والاجتماعية والسياسة. كما أنه قاد على الصعيد الإسلامي حركة إصلاح ديني فقاوم البدع والتقاليد البالية، وارتقى بالخطاب الإسلامي إلى مستوى العصر الذي يعيشه المسلمون، وأعطى الدعوة من روحه وعقله وعصبه مما أهلها أن تكون من الحركات الإسلامية المؤثرة في العالم العربي والإسلامي.

وإيمان فوق الخوف :

ومن مآثره البطولية -رحمه الله- ذلك الموقف العجيب الذي واجه به حكم الإعدام، الذي أصدر على شقيق له أيام رئاسة الأتاسي على سورية .

لقد وزعت في المدن السورية منشورات تدعو إلى الإضراب إعلاناً لمعارضة التسلط، وخرج الناس يومئذ في حمص إلى الأسواق ليروا مدى استجابة الناس لهذه الدعوة . ووقف ذلك الفتى السباعي أمام حانوته بجوار الجامع الكبير منتظراً ماذا يجب أن يعمل، أيفتح الناس فيفتح، أم يضربون فيضرب معهم !

وصدرت الأوامر العسكرية بسحق المحاولة دون رحمة، وحمل الفتى في من حمل إلى السجن، ومن ثم حكم عليه مع آخرين بالموت.

 ولكن الله لم يقدر تنفيذ الحكم، فحال بين المحكومين وإعدامهم .

   وكان المحكومون يتوقعون حبل المشنقة يومئذ، فقال : هذا الطاغية ـ الأتاسي ـ يريد مني أن أزوره لأشفع لأخي .. وهيهات له ذلك !

   أجل .. لقد كان إعدام أخيه يومئذ أقرب إلى قبوله من التفريط بعزة الإسلام أمام الطغيان .

  ولن يستغرب ذلك من رجل كمصطفى السباعي مطمئن القلب بالإيمان أن الخلق كلهم لو اجتمعوا على أمر لم يستطيعوه إذا لم يسبق به قدر الله .

القناة والعدوان الثلاثي :

       والسباعي الذي بايع الله على الإسلام لا يستطيع تجاهل قضاياه حيثما كانت، ومهما كانت الظروف التي تحيط بها، وليس بوسعه التفريق بين قطر وآخر من بلاد الإسلام في هذا المضمار، لذلك كان في مقدمة المناضلين لمصلحة مصر يوم دعا الواجب إلى ذلك .

         ففي عام 1952 ألقي في السجن لمدة أربعة أشهر بسبب تحركه الشعبي لمؤازرة المقاتلين للإنجليز في معركة القناة .

       وفي سنة 1956 كان البرلمان المتدفق بالحمم أيام العدوان الثلاثي على مصر، وبمساعيه وتحريضه استحالة الجامعة بدمشق معسكراً للتدريب، ضم بين جناحيه الأساتذة والطلاب على سواء.

      وقد أعلن وإخوانه تأييدهم المطلق لرجال الثورة في موقفهم من أعداء مصر، ناسياً كل ما أنزله النظام الديكتاتوري الإجرامي من نكال في قادة الدعوة وشبابها .

مصطفى السباعي : رائد الصحافة الإسلامية في سورية :

        أدرك الشيخ مصطفى السباعي في وقت مبكر أهمية الصحافة ودورها في مجال الإصلاح السياسي والثقافي والاجتماعي، فأسس جريدة المنار في دمشق عام 1946م، وكان صاحب امتيازها، والمشرف عليها، وكان مديرها بشير العوف، وكان الأميري محرراً فيها ..

       وفي عام 1955 أسَّس مع إخوانه مجلة (الشهاب) الأسبوعية، والتي استمرَّت في الصدور إلى قيام الوحدة مع مصر عام 1958م .

        وفي العام نفسه 1955م حصل على ترخيص إصدار مجلة (المسلمون) الشهرية بعد توقُّفها في مصر، وظلَّت تصدر في دمشق إلى عام 1958م؛ حيث انتقلت إلى صاحبها د. (سعيد رمضان) في جنيف بسويسرا، فأصدر السباعي بدلها مجلة (حضارة الإسلام) الشهرية، وأفرد فيها باباً للقضية الفلسطينية باسم (الدرة المغتصبة)، كما ناصر فيها قضايا التحرر العربي والإسلامي في سلطنة عمان وثورة اليمن وقضية كشمير المسلمة . وظلَّ السباعي قائمًا على هذه المجلة حتى توفَّاه الله؛ حيث تولَّى إصدارها د. محمد أديب الصالح بدمشق.

جهوده العلمية :

         بعد أن أنهى السباعي دراسته، وعاد إلى بلده انخرط في سلك التعليم، رغبة منه في نشر العلم، وتربية النشء على أخلاق الرجولة، فكان يدرّس اللغة العربية، والتربية الدينية في مدارس حمص الثانوية، وعندما انتقل إلى دمشق عمل مع فئة من إخوانه على إنشاء مدرسة تحقق ما يصبو إليه من أهداف في التربية والتعليم، فأسس (المعهد العربي) في دمشق الذي انضمت إلى إدارته فيما بعد جمعية التمدن الإسلامي، فأصبح الاسم (المعهد العربي الإسلامي) ، ولم يقتصروا على إنشاء هذا المعهد في دمشق بل فتحوا له فروعاً في أكثر المحافظات، وكان د. مصطفى السباعي أول مدير لهذا المعهد الذي خرّج في زمانه طلاباً كانوا خيرة ما أنتجته المدارس في سورية.

         وفي عام 1950 عيّن السباعي أستاذاً في كلية الحقوق في دمشق، فكان من ألمع الأساتذة في فن التدريس وخصب الإنتاج العلمي.

         وقد فكر في إنشاء كلية خاصة مستقلة للشريعة الإسلامية، على أرفع المستويات العلمية والفكرية، فنجحت مساعيه رغم العراقيل والصعوبات، وتم تأسيسها عام 1955، وكان أول عميد لها إلى جانب قيامه بالتدريس في كلية الحقوق واضطلاعه بكافة المسؤوليات العامة الملقاة على عاتقه كداعية وكصاحب فكرة.

        كما عمل السباعي بالتعاون مع إخوانه الذين شاركوه في تأسيس كلية الشريعة على إنشاء موسوعة الفقه الإسلامي تهدف إلى إحيائه، وصياغته صياغة جديدة وتبويبه وتصنيفه على أحدث الأساليب المتبعة في أرقى الموسوعات العلمية والقانونية في العالم لتكون مرجعاً لكل فقيه وعالم، ولتلبي حاجة التشريع، وقد تحدى السباعي كل صعب حتى أخرج المشروع إلى حيز الوجود، وكان أول رئيس لهذه الموسوعة التي جمعت خيرة العناصر العلمية والفقهية والقانونية في الجامعة.

           وكان السباعي أيضاً رئيساً لقسم الفقه الإسلامي ومذاهبه في جامعة دمشق. وكان يرى أن مناهج كلية الشريعة لا يجوز أن تقتصر على تلقين العلوم الجافة، وأن غاية الكلية ليست تخريج العلماء والفقهاء فحسب، وإنما كان يريد أن يكون خريجو الشريعة علماء ودعاة، لذلك عني بمناهج التربية والتعليم والتوجيه في الكلية، فأحدث درساً أسبوعياً سماه (قاعة البحث) وقد تولى بنفسه إدارة هذه القاعة، وإلقاء محاضراته التوجيهية.

مؤلفاته :

       وترك الشيخ مصطفى السباعي عدة مؤلفات مفيدة، أبرزها :

1ـ أحكام الزواج والخلالة.

2ـ أحكام الوصاية والوصية.

3ـ أحكام المواريث.

4ـ الوصايا والفرائض.

5ـ أخلاقنا الاجتماعية.

6ـ اشتراكية الإسلام : الذي أثارة موجة من الانتقاد حيث رد عليه الشيخ علي الطنطاوي والشيخ محمد الحامد والشيخ عبد العزيز البدري .

7ـ السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي : وهو رسالة الدكتوراه التي حصل عليها في مصر وقد قدّم لها د. محمد أديب الصالح وطبع في المكتب الإسلامي ، ودار الوراق …

8ـ أحكام الصيام وفلسفته.

9ـ نظام السلم والحرب في الإسلام.

10ـ الدين والدولة في الإسلام.

11ـ مشروعية الإرث وأحكامه في الإسلام.

12ـ المرونة والتطور في التشريع الإسلامي.

13ـ القلائد من فرائد الفوائد.

14ـ هكذا علمتني الحياة.

15ـ المرأة بين الفقه والقانون.

16ـ من روائع حضارتنا.

17ـ الأحوال الشخصية.

18ـ السيرة النبوية.

19-مقدمات حضارة الإسلام .

20-آمال وآلام – وقد احتوى مقالاته في مجلة الفتح التي كان يرأسها محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى .

وانطفأ المصباح :

          توفي مصطفى السباعي إثر مرض عضال ألم به في يوم السبت الثالث من تشرين الأول عام 1964م، وكانت جنازته يوماً مشهوداً في تاريخ دمشق الفيحاء، وقد رثاه الشعراء محمد الحسناوي، وضياء الدين الصابوني، وعبد الرزاق حسين رمضان الخالدي، وعمر بهاء الدين الأميري .. وفيما بعد شريف حاج قاسم ..كما أثنى عليه العلماء والدعاة إلى الله : الدواليبي وعصام العطار، ود. صبحي الصالح ، ومحمد المبارك ، ود. محمد أديب الصالح، ومحمد بسام الأسطواني ، والحاج أمين الحسيني،… وغيرهم  .

      لقد كان السباعي رجلاً من الطراز الفريد؛ فقد كان سياسيًّا، ومربيًا، وصحفيًّا، وخطيبًا مفوَّهًا، ومجاهدًا.

-المراجع-

1-ـ(معجم الأدباء الإسلاميين المعاصرين)، أحمد الجدع، دار الضياء، عمان، الطبعة الأولى 1999، ص (1247ـ1253) .

2ـ (الموسوعة التاريخية الجفرافية)، مسعود الخوند، الطبعة الأولى، بيروت، 1997، ص (173،174) .

3-(مصطفى السباعي رجل فكر وقائد دعوة)، عبد العزيز الحاج مصطفى، دار عمار، عمان، الطبعة الأولى 1984.

4- مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والإستراتيجية

http://www.asharqalarabi.org.uk

5- المستشار عبد الله العقيل: من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2002م.

6- حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، دار التوزيع والنشر الإسلامية.

7- محمد المجذوب: علماء ومفكرون عرفتهم، الجزء الأول، الطبعة الثالثة، دار الاعتصام.

8- د. إسحاق موسى الحسيني: الإخوان المسلمون.. كبرى الحركات الإسلامية الحديثة، دار بيروت، الطبعة الأولى، 1952، ص (123).

9- جمعة أمين عبد العزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، دار التوزيع والنشر الإسلامية، الكتاب الثالث.

10-مصطفى السباعي: جهادنا في فلسطين، دار الوراق للنشر والتوزيع (بيروت)، 2000م.

11- الإخوان المسلمون في حرب فلسطين – كامل الشريف .

12-الإخوان المسلمون في سورية – ج1 – عدنان سعد الدين – دار عمار في الأردن .

13- مجلة حضارة الإسلام – العدد الخاص (4، 5، 6 ) السنة الخامسة، تشرين الأول والثاني ، وكانون الأول عام 1964م .

14- شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث – أحمد الجدع ، وحسني جرار – مؤسسة الرسالة في بيروت : ج 2 / 29 – 48 .

15- مصطفى السباعي – د. عدنان زرزور .

16- مصطفى السباعي – د. محمد عادل الهاشمي .

17- الحركات الإسلامية في سورية – يوهانس واسنر .

18- مبدأ المواطنة عند مصطفى السباعي – مقالة د. منير الغضبان – رابطة أدباء الشام.

19- ذكرياتي مع السباعي – محمد الحسناوي .

20- مصطفى السباعي – عبد الله محمود الطنطاوي – دار القلم بدمشق …

21- مصطفى السباعي بأقلام محبيه – محمد مصطفى السباعي – دار الوراق …وغيرها كثير.

[1] – (انظر الرجل المريض ، أو السلطان عبد الحميد الثاني-. د. موفق بني المرجة – ط 1مؤسسة الريان للنشر :  ص 71-72 ).

[2] -( من بيان رابطة العلماء في سورية عام 1938) .

[3] – مصطفى السباعي : الداعية المجاهد، والفقيه المجدد – د. عدنان زرزور – مجلد – ص/320-321 .

[4] – مصطفى السباعي : الداعية المجاهد ، والفقيه المجدد –  د. عدنان زرزور : ص 267 .

[5] –  السباعي : د. زرزور :  ص270 .

[6] -( الحركات الإسلامية في سورية – وايسنر : ص/390 ) .

[7] – السباعي  : د. زرزور :  ص 277.

[8] – المشروع السياسي للإخوان المسلمين – ص/55 .

[9] — السباعي : د. زرزور : ص 280.

[10] – السباعي : د. زرزور : ص280-281 .

[11] – السباعي : د. زرزور  : ص 283 .

[12] – السباعي : د. زرزور  : ص 281- 283 .

[13] -الحركات الإسلامية في سورية : ص/ 390 .

[14] – كتاب الحركات الإسلامية في سورية من الأربعينيات حتى نهاية عهد الشيشكلي: بوهانس واسيز ص/390.

[15] – مذكرات أكرم الحوراني في المجلد الثاني ص/ 1211-1212 .

[16] – مصطفى السباعي بأقلام محبيه وعارفيه. إعداد محمد مصطفى السباعي/ ص64-69- مقتطفات . دار الوراق ط. الأولى 1421-2000 م .

[17] – السباعي بأقلام محبيه وعارفيه. / ص-69 .

________________

أ.عمر العبسو ، كاتب و باحث سوري، عضو رابطة أدباء الشام.

المعلومات الواردة تعبر  عن رأي كاتبها و لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع

487 total views, 3 views today

الوسوم: , , , ,

التنصيف : دراسات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle