التقرير الإستراتيجي للحالة الإيرانية لعام 2017م

د. نبيل العتوم                                            

                                                                                                                          رئيس وحدة الدراسات الإيرانية                   

مركز أميه للبحوث والدراسات الإستراتيجية

 

المقدمة :

         نسعى في هذا التقرير المقتضب عرضَ ومناقشة عددٍ من القضايا الإيرانية المهمة لعام 2017م وفق  محدداتها  الداخلية  والعربية والإقليمية والدولية، وعلى النحو التالي :

         ـ القسم الأول : التطورات السياسية  في إيران وعودة الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة / 5 / زائد واحد إلى المربع الأول مع وصول الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة (ترامب): نعرض في  هذا القسم  بشكل مختصر أبرز تطورات  الساحة السياسية الإيرانية، فهي تطورات بالغة الأهمية، يأتي في مقدمتها الانتخابات الرئاسية بفوز حسن روحاني، الذي أيقظ  في نفوس الإيرانيين آمالاً كبيرة بخروج البلاد من وطأة الحصار والعزلة السياسية، ووضع حدّ للتدهور الاقتصادي ومعالجة  تدني المستوى المعيشي في البلاد، فكان على الرئيس  الجديد   استكمال مسؤولية إيجاد  تسوية مع الغرب الأورو أمريكي، خاصة مع وصول الرئيس (ترامب) بما يمثله من استدارة مهمة لجهة تعزيز العقوبات الاقتصادية  على إيران بعد نقض  طهران لروح الاتفاق النووي، ومحاولة واشنطن إيجاد جبهة موسعة من خلال التنسيق مع الدول الضامنة لهذا الاتفاق، بعد  أن أثار اتفاق جنيف الذي وقعته إيران ودول ( 5+1 ) في الثالث والعشرين من نوفمبر 2013م حفيظة  (ترامب)  بعد مضي أقل من أربع سنوات على توقيعه، والذي تعهد بتمزيق هذا الاتفاق نظراً لكونه بات يتعارضُ مع المصالح القومية والإستراتيجية الأميركية، وربما تستمر أصداء البيئة الصراعية التي تولدت  لفترة طويلة تصبح خلالها العلاقات الأمريكية ـ  الإيرانية هي محور اهتمام العديد من الفاعلين الدوليين والإقليميين . والذي كان  يُعدُّ  هذا الاتفاق أحد أهم نجاحات الدبلوماسية الدولية منذ بداية القرن. وقد وُصف الاتفاق في واشنطن بأنه أبرز إنجاز لإدارة الرئيس  السابق (باراك أوباما) في حقل السياسية الخارجية، بينما وُصف من قبل أنصار الرئيس الإيراني حسن روحاني بأنه أبلغ أثراً من القنبلة النووية ذاتها، على عكس ما باتت تعتقد به إدارة أميركا الحالية بقيادة ترامب .

             كانت الشكوك تحوم حول إمكانية تعديل الاتفاق من خلال ملحق إضافي جديد، وهو ما ترفضه طهران ومن خلفها موسكو وبكين، وتنبع تلك الشكوك من رفض عدد من الفاعلين الدوليين له ممثلة بواشنطن، إلى جانب لندن وباريس التي باتت تؤمن بأهمية وجود اتفاق مع إيران حول جوانب حساسة مهمة مثل برنامج الصواريخ الإيراني إلى جانب تدخلات طهران المدمرة في أزمات الشرق الأوسط، إلى جانب قضايا محورية مهمة كدعم إيران للإرهاب وغسيل الأموال …. ، من هنا وفي حال تمّ عدم الاتفاق  حول هذا الموضوع، فمن المتوقع أن يؤثر بشكل كبير في مسار العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية، وكذلك في خريطة التحالفات والاصطفاف  في المنطقة، بالإضافة إلى أنه سيخلّف  بيئة صراعية داخلية إيرانية، بدأت وتيرتها بالتصاعد مع بروز الاحتجاجات والتظاهرات على امتداد الجغرافيا الإيرانية، نتيجة سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .

           ـ القسم الثاني: التفاعلات الصراعية  للعلاقات الإيرانية العربية : يركز على طبيعة الإستراتيجية الإيرانية وآليات عملها تجاه الأزمات الإقليمية؛ وطبقاً للوقائع والحقائق على الأرض، فإن إيران ماضية في مشروعها الإيديولوجي، ولن تتوقف عن محاولة التأثير من خلال إدارة أكبر فوضى ” غير خلاقة ” في تاريخ العالم العربي الحديث، بعد أن ثبتت أقدامها من خلال الأزمات ” ولا سيما الأزمة السورية، منتهجة إستراتيجية ملء الفراغ مستغلة الحرب على الإرهاب، وحالة الميوعة في الاتفاق النووي الذي وظفته طهران لبسط نفوذها وبشكل محموم في المنطقة .

         –القسم الثالث: اندلاع الحركات الاحتجاجية في إيران: انطلاقاً من أهمية الحراك السياسي في إيران  وتأثيره على مجمل المنطقة العربية، فقد حرص مركز أمية أن يقدم في تحليلاً تفصيلياً للانتفاضة الإيرانية  من حيث الدواعي والأسباب، ومستقبل الحركة المطلبية، ومساراتها المختلفة .

         إنَّ نظرة سريعة في مطالب المحتجين تعطي صورة عن بعض وليس كلّها، معاناة الشعوب القاطنة في إيران، واستمرار هذه المعاناة بشكل أكثر بشاعة على يد الحكومات الإيرانية المتعاقبة. طرح المحتجون شعارات مثل الموت للمرشد، وللرئيس روحاني، وطالبوا بإطلاق المعتقلين، وانسحاب إيران من مداخل الأزمات الإقليمية التي استنزفت قدرات إيران وإمكاناتها الاقتصادية، وطالبوا بوقف الإجراءات التميزية ، والعدوانية ضدّ الأقليات المذهبية والعرقية، ولاسيما العرب، والكرد، والسنة …

أولاً : التطورات السياسية  في إيران

            تكتسب الانتخابات الرئاسية الإيرانية، ولاسيما في دورتها (الثامنة) أهمية بالغة ، حيث عكست الانتخابات التي أجريت قي 19مايو / أيار 2017، اصطفاف المجتمع الإيراني  مكرهين مع مرشح طرح شعار الإصلاح والتغيير، وتحقيق العدالة للجميع،على الرغم من عدم صدق هذه الوعود والفشل الذريع في تحقيقها،  فنظروا إليه على قاعدة “أخف الأضرين “، وعلى أمل إخراجهم  من الوضع المزري الذي باتت تعيشه إيران . نظمت هذه الانتخابات في ظروف داخلية وخارجية بالغة الخطورة، وإدراك الشعب الإيراني لمدى الارتباط بين تدهور الوضع الداخلي والمتغيرات المتعلقة بظروف السياسة الخارجية .

          في ظروف “داخلية وخارجية” بالغة الصعوبة والتعقيد تسلم الرئيس الإيراني روحاني مهامه كرئيس لإيران .

          ففي الخارج تبدو إيران مهددة بمزيد من العقوبات والعزلة الدولية نتيجة لملفها النووي بعد وصول إدارة (ترامب ) التي تعهدت بمراجعة  الاتفاق النووي جملة وتفصيلاً، وهذا معناه أن الرئيس روحاني سيكون عليه خوض معركة خطيرة وصعبة مع (ترامب) وجنرالاته الجدد في ظل تعاظم مستقبل  الدور الوظيفي لإيران الذي تمدّد ، وتعاظم بعد سقوط العراق، وتوقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة خمسة زائد واحد، ودخل إلى عمق الأزمات الإقليمية .

          تولى روحاني  دفة الرئاسة في ظل أزمات طاحنة متلاحقة أبرزها احتمالية   شغور منصب القيادة  في أية لحظة  نتيجة مرض خامنئي، والذي يمثل أعلى سلطة سياسية وروحية في البلاد،  وفي ظل تصاعد  التطاحن حول بورصة الأسماء المرشحة لخلافته، وإشاعة أزمة إيجاد البديل،  إلى جانب  تصاعد وتيرة  استنزاف  معركة مكاسرة الإرادات السياسية بين المتنافسين اللذين لم يشيروا لا من قريب، ولا بعيد إلى هذا موضوع خلافة المرشد.

          بالمقابل فإن الأرضية لوصول المرشد باتت مُهيئة بعد وفاة رفسنجائي المفاجئ والمريب لشخصية اعتبارية تشير كل الدلائل أنها لنفس المرشح إبراهيم رئيسي الذي هزم في الانتخابات الرئاسية، مما جعل حظوظه تقل كثيراً للجلوس على كرسي القيادة، واكبه تشويه ممنهج لصورة المرشحين المحتملين لخلافة المرشد مثل شهرودي ، ويزدي … وغيرهم ممن لا تتطابق موصفاتهم مع مقاس المرشد الحالي، والحرس الثوري الإيراني .

             ومن أبرز التحديات التي باتت تواجه روحاني في دورته الثانية  عودة الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5 زائد واحد إلى المربع الأول مع وصول الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة ترامب ، وما واكب ذلك من تدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الإيرانية، حيث لم تحظ أية قضية من قضايا السياسة الخارجية الإيرانية بنفس القدر من الاهتمام الداخلي مثلما حظي الملف النووي الإيراني  سابقاً ومستقبلاً، وذلك نتيجة عدة اعتبارات؛  لأنه أولاً لم يعد فقط يمس مصالح طبقة مهمة داخل المجتمع الإيراني، وهي طبقة البازار المتحالفة مع التيار المحافظ، والتي مارست خلال فترات متعددة من عمر إيران، جهودًا حثيثة من أجل إضفاء نوع من المرونة على السياسة الخارجية، على اعتبار أن ذلك يمثل آلية مهمة للانفتاح على الخارج، وإقامة شبكة من العلاقات الاقتصادية الدولية، إلا أن السياسة المتشددة التي انتهجتها حكومة الرئيس محمود أحمدي نجاد  سابقاً ، ومن ثم مجيء حسن روحاني  في الدورة الأولى والثانية الذي تعهد بممارسة سياستين :

          الأولى : الاستمرار في تبني سياسة ” نرمش قهرمانه ” ” المرونة البطولية ” التي أطلقها المرشد خامنئي، إلى جانب سياسة ” تشنج زدايى ” إزالة التوتر مع العالم الخارجي،  فيما يتعلق بملف الأزمات والعلاقات الإقليمية والدولية، وهو ما فشلت إيران بتحقيقه تماماً، إذ أسهم السلوك العدواني والصراعي الإيراني في زيادة وتيرة النزاعات مع الدول العربية على وجه التحديد، وزاد من وتيرة التشابك مع الغرب ومع الولايات المتحدة، مما  أفرز تداعيات سلبية عرضت إيران لعقوبات اقتصادية، أثرت على جميع مكونات الشعب الإيراني، وعصفت بأمن إيران واستقرارها.

           هناك أکثر من عامل و سبب يدعو النظام  الإيراني للتوجس والقلق من الاحتمالات السلبية التي ستتمخض عن سياسات إيران النووية؛ فقد زادت وطأة العقوبات الدولية على مختلف الجوانب السياسة والاقتصادية والاجتماعية والأمنية للنظام وظهور الآثار السلبية لها في بروز ظاهرة السخط والغضب والتبرم الشعبي بمختلف الصور، على الرغم من توقيع النظام على الاتفاق النووي، وهذا ما ولد حالة من اليأس والتشاٶم داخل مختلف الأوساط الشعبية الإيرانية، وأدى إلى انفجار الوضع الداخلي في نهاية المطاف، إلى جانب ازدياد وتيرة  الصراع المحتدم بشكل غير مسبوق  بين أجنحة النظام وبلوغها مراحل استثنائية غير مسبوقة،  ولاسيما حرب شعواء بين الرئيس السابق  نجاد وباقي أجنحة الحكم ومؤسساته  ، حيث انتقل الصراع الذي كان  خلف الکواليس  بين الأجنحة ، ومختلف المؤسسات أخذت بالتصعيد غير المسبوق، وزادت وتيرتها أثناء وبعد الاحتجاجات التي جرت مؤخراً .

           انصب جل اهتمام الإيرانيين  حول الآمال الواسعة والمكاسب الاقتصادية والسياسية التي يمكن أن يجنيها المواطن الإيراني العادي جَرّاء التوقيع علي اتفاقية نووية مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، وخرج الإيرانيون للشارع ابتهاجاً بتلك النتيجة.

           إلا أن أشهراً قليلة بعد توقيع الاتفاق النووي في يوليو 2015 كشفت عن صدمة الإيرانيين بشأن نتائج الاتفاقية من الناحية الاقتصادية، فالاقتصاد الإيراني لا يزال يعاني من العقوبات المفروضة عليه من جانب الغرب، ولا تزال إيران تعاني من قلق الشركات الأجنبية من الاستثمار فيها، فارتفعت نسبة  التضخم الإيراني بنسبة 8% ، ووصلت قيمة العملة الإيرانية مقابل الدولار الواحد إلي ما يقارب 4.780 تومان هذا الأسبوع، ولا يزال معدل البطالة مرتفعاً، حيث وصلت نسبتها في إيران إلي 22%، ونسبتها بين الشباب (15-24 عاماً) تصل إلى ما يقارب الـثلث.

          هناك العديد من المتغيرات  الداخلية والخارجية ”  الإقليمية والدولية ” التي ستتكاتف للتأثير على الوضع الإيراني برمته؛ فمع تولي الرئيس ترامب   كرسي الرئاسة الأميركية، بدت الأزمات  الصراعية  بين إيران والإدارة الجديدة  على أعتاب مرحلة جديدة من التصعيد، ولكن هذا الأمر ربما يكون مختلفاً كثيراً عن جولات التصعيد السابقة، إذ لم يتبق أمام صانع القرار السياسي والعسكري  الإيراني مساحة كبيرة للحركة والمناورة السياسية، فالتجارب الصاروخية الإيرانية  لم تتوقف متحدية  رد الفعل الأميركي .

          أطلق ( ترامب) إستراتيجيه  14  تشرين الأول /أكتوبر 2017) تعهد  فيها ترامب  بإعادة النظر في الاتفاق النووي برمته،  وطالب المجتمع الدولي بتحجيم الأدوار   المدمرة والسلبية  لإيران، وجمع موارد دفاعية جديدة من الحلفاء لتغطية نفقات أميركا بعد أن بشّر بأن المنطقة مقبلة على حروب كبرى، ورفع وتيرة التصريحات ضد أدوار إيران المزعزعة للأمن والاستقرار العالمي، والذي تحاول الماكينة الإعلامية لدولة الولي الفقيه تدويرها والترويج لها، بما يخدم حظوظ المحافظين ورصيدهم، وتوجيه انتقادات لاذعة لروحاني، على أساس أنه المسؤول عن سياسة التقارب مع الغرب، وتحذيره من فكرته التي روج لها مؤخراً، والتي أعلن فيها أن سياستها المعتدلة هي التي جنبت إيران أهوال المواجهة العسكرية؛ مما جعل المرشد خامنئي يدخل على خط السجال، ويوبخ روحاني على هذا التصريح .   

           من هنا ولاعتبارات عدّة ربما يمكن للجناح المحافظ توظيف  قضية التهديدات الأميركية والإسرائيلية  بنفس القدر من الاهتمام الداخلي أكثر مما  حظي تحميل  روحاني تبعات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها إيران، وذلك نتيجة عدة اعتبارات؛  لأن  هذا الخطاب يمكنه توجيه اهتمام الطبقات المسحوقة المحسوبة على المرشد وجناحه المحافظ  التي تقوم بتقديم المساعدات والمعونات المالية، الأمر الثاني تعزيز التحالف مع  طبقة البازار المتحالفة مع التيار المحافظ والترويج لمخاطر سياسات روحاني التي كانت ترغب في التسويق لفكرة انفتاح إيران الخارجي في المجال الاقتصادي، وفتح الأسواق الإيرانية أمام الاستثمارات، وتنويع مصادر الاستيراد، مما يهدد الامتيازات التي حققها الحرس الثوري، الذي طالبه روحاني بترك السياسة والاقتصاد والتفرغ للدفاع عن إيران، واصفاً الحرس بالحكومة التي تحمل مدفع .

            ولذا، فإن مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة لا يبدو مبشراً، مما يدفع الأمور لتكون مرشحة إلى مزيد من التوتر خاصة أن هناك إرادة دولية باتت تستشعر أهمية  تنظيم  ملحق إضافي للاتفاق النووي مما يحدّ من النفوذ، والخطر الإيراني .

          التحدي الأول : استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية مع زيادة وتيرة تصدع بنية النظام بسبب الخلافات السياسية المستفحلة، وانتشار الفساد الذي بات ينخر عظم النظام الإيراني، ويهدد استقراره .

         التحدي الثاني : فشل الرئيس روحاني في الحوار مع الغرب ومع الولايات المتحدة المصممة  على تعديل الاتفاق النووي،  وهذا يمثل اختباراً حقيقياً حول مدى قدرة روحاني على تحدي القوى الصلبة، وبالتالي تحمل ثمن رغبته في  الانحناء أمام المطالب الأميركية، إلا أن مرشد الثورة  والمؤسسات الثورية  وحتى النخب الإصلاحية بما فيها الرئيس نفسه ترفض إجراء أي تعديل على الاتفاق النووي،  لكن ما مدى جدية الموقف الإيراني التي عودتنا على خطاب راديكالي وسلوك براغماتي.

        هنا  يمكن تحديد عدة عوامل، ترجح توجه طهران  ليس فقط لمجرد الانفتاح على مطالب الغرب بل التوصل لصفقة جديدة بمعناها الشامل مدفوعة بعدة عوامل، يتمثل العامل الأول في تأثير العقوبات الاقتصادية بشكل خطير  على الداخل الإيراني، وتزامن ذلك مع ضرورة  الاهتمام  بتحول إستراتيجية التعامل مع  الولايات المتحدة من مجرد رفع العقوبات إلى عقد صفقة بين الولايات المتحدة وإيران بتوافق مجتمعي، وهذا التحول  في السياسة الخارجية الإيرانية، مهد له  فوز “روحاني” بمنصب الرئيس في الدورة الأولى، والذي فتح الباب على مصراعيه أمام عقد صفقة بين البلدين . وقد بادرت  إيران نحو تطوير العلاقات الثنائية الإيجابية مع الولايات المتحدة، وفي هذا المضمار  نستذكر كلام  ظريف في بداية توليه  عن برنامج وزارة خارجيته إلى جانب تحديد مشاريعه “لتحسين العلاقات والنهوض بها” مع دول الجوار و”إعادة بناء العلاقات مع الشركاء القدامى في أوروبا وأسيا” عن “الخفض التدريجي للعداء الكامن مع أميركا وتبديله إلى قدرات ايجابية”. كما يضيف أنه و”بدلاً من أميركا” يجب أن تكون إيران “البادئة في تسوية العلاقات الثنائية مع واشنطن.

     ويتعلق التحدي الثالث بتحول الانفتاح على الغرب، وعلى واشنطن تحديدًا، إلى قضية لها انعكاسات داخلية في إيران، خاصة بعد الآثار السلبية للعقوبات على الاقتصاد الإيراني، وما نتج عنه مؤخراً من اندلاع حركة احتجاج واسعة النطاق، وبعد تصاعد رفض التيارات المتشددة في داخل طهران، لمنهج روحاني في التعامل مع واشنطن، وهو ما يجعل نجاح روحاني في الانفتاح على واشنطن داعمًا لشرعية الدولة والثورة وتعزيز قدرتها على البقاء والتكيف مع المتغيرات .

           التحدي الرابع : تُدرك إيران أن استمرار لعبها دور القوة الإقليمية، يتطلب شرعية دولية بالأساس، ويتوافر تصور لدى دوائر صنع القرار في إيران هو أن توفير الشرعية الأمريكية لهذا الدور هو المفتاح للحصول على هذه الشرعية الإقليمية، خاصة أن بعض الدوائر في واشنطن لا ترى في دول الخليج موازنًا لإيران، ولا يتم التعامل معها على أنها طرف في أي صفقة  جديدة يُمكن التوصل إليها مع إيران.

         وفي المقابل تهدف طهران من الصفقة إلى  تجديد اعتراف الولايات المتحدة بأنها قوة إقليمية مؤثرة في المنطقة، تمتلك نفوذًا بالمنطقة لا يقل عن النفوذ الأمريكي فيها.

        التحدي الخامس : فهو مرتبط بإحباط الضغوط الأميركية والإسرائيلية ضد إيران؛  وإحباط المحاولات الرامية إلى بلورة إجماع دولي  جديد ضد إيران، خاصة أن “الظروف الدولية” تقتضي اعتماد إستراتيجية للتقليل من “ضغوط أميركا والدول والمنظمات الدولية على إيران”.
التحدي السادس: 
إستراتيجية  استغلال وتوظيف  الفجوات والتناقضات بين أميركا والدول الضامنة للاتفاق النووي، لتعزيز موقفها التفاوضي مع واشنطن، مع إدراك طهران عدم احتمالية واشنطن توجيه ضربة عسكرية ضد إيران، وذلك بسبب التغيير الذي  طرأ على إستراتيجية بعدم الانخراط العسكري في الخارج التي تتبعها واشنطن مؤخرًا، نتيجة القيود الواردة  على الإنفاق العسكري، وتوجهها لعدم التورط عسكريًا في أزمات الشرق الأوسط  على نطاق واسع .

         تُشير تجربة إيران الثورة   إلى ميل إيران للوصول إلى تسويات الصفقة بين إيران والولايات المتحدة، ولم تصل إلى مرحلة المواجهة المباشرة رغم تبني طهران دوماً لدبلوماسية حافة الهاوية، وبالتالي هي ليست مستبعدة، بحيث لن تقتصر الصفقة على تسوية أزمة  تعديل الاتفاق النووي، وإنما ستمتد أيضًا لتشمل القضايا غير النووية، التي ستؤثر على وضع إيران في الإقليم، خلال الفترة المقبلة، خاصة وأنه من الواضح أن إيران تتعامل مع الملف النووي باعتباره ورقة مهمة تفاوض بها على كل ما يرتبط بنفوذها الإقليمي في المنطقة” سياسة تخادم الملفات ” ، وهو توجه لا يبدو أن الولايات المتحدة، وغيرها من دول المجموعة، تعترض عليه، بل إن مؤشرات عديدة تكشف أن واشنطن تسعي، في الغالب، إلي إبرام مثل تلك الصفقة بقدر ما تسعي إيران ، وأن ممارسة إدارة ترامب الضغط عليها ليس إلا لإجبار طهران الجلوس على طاولة المفاوضات .

ثالثاً : اندلاع الحركات الاحتجاجية في إيران

           مرت ثمانية أعوام على  اندلاع الحركة الإصلاحية الخضراء التي كانت أضخم تحدي للثورة الإيرانية منذ قيامها عام 1979، وجاءت عقب تزوير الانتخابات لصالح  الرئيس الإيراني  (محمود احمدي نجاد) لفترة رئاسة ثانية في 12 يونيو 2009 ., تلك الاحتجاجات  السياسية ركزت على شعار “أين  ذهب صوتي?” تعبيراً عن التزوير الواسع لنتائج الانتخابات  لجهة إبقاء  الرئيس نجاد رئيسا للجمهورية لفترة ثانية .  النسخة  الثانية من الربيع الإيراني   انطلقت  منذ أقل من  خمسة أيام ، جاء ت بشعارات  سياسية مختلفة هذه المرة مثل «الموت للدكتاتور»… «الموت لروحاني»… «لا سوريا لا لبنان روحي فداء إيران » …    شعارات رنانة قديمة جديدة  طورها الشعب القابع في الفقر والذل  منذ أكثر من  ثمانية وثلاثين عاماً، وهو عمر الثورة، بعد أن كان يهتف بشعار “الموت لطالبان إيران” في إشارة ضمنية إلى المرشد وزبانيته، بدأت التظاهرات عبر ثلاثة  مدن رئيسية ثم اتسعت تباعاً  لتصل إلى  أكثر من 34 مدينة  إيرانية، في خطوة  “عفوية شعبية  شجاعة ” هي الأخطر منذ ربيع إيران في العام 2009.  التبؤ باندلاع التظاهرات بحد ذاته  لم تكن مفاجئة بالمطلق، لكن المفاجأة  الحقيقية  “عفوية المشهد” واندفاع المتظاهرين بعزيمة، دون  قيادة   أو كاريزما توجهم، في الوقت الذي لا زالت  فيه هذه الاحتجاجات  في أطراف المدن وهوامشها،  بشكل متشرذم مفتقدة إلى  أبسط قواعد التنظيم، دون أن تنتقل بقوة إلى جغرافية  المركز  الذي تمثله العاصمة طهران  بثقلها السياسي والاقتصادي والمعنوي ومركز الولايات الأخرى مثل أصفهان  وفارس …. على غرار الثورة الخضراء في العام 2009، هذا عدا عن جلوس الأقليات في إيران على مقعد المشاهد  لمراقبة ما يجري دون أن تحرك ساكناً، اللهم الأقلية العربية التي تعيش حالة حراك دائم منذ أكثر من عشرة أشهر دون عون أو مساندة من أحد حتى هذه اللحظة .

           الواقع أن الاحتجاجات الجديدة، والتي  يتم قمعها تباعاً، قد أخذت في زرع بذور الشك في  ركائز  الدولة   الإيرانية،  ولاية الفقيه والمرشد وسياسات النظام، إلى جانب التشكيك بالدور  الذي جسدته الثورة الإسلامية في إيران ، والأدوار التي اضطلعت بها، والسياسات  التي تبنتها .

         بموازاة تمثل هذه الاحتجاجات نقطة فارقة، حيث تتزامن ، وتتقاطع مع أزمات معقدة  داخلياً وإقليمياً ودولياً لإيران، فنظام ولاية الفقيه لا يملك ترف الوقت ولا الحلول السحرية  لتحسين أو لنقل تغيير أي شيء في  الأمر الواقع،  وبالتالي سيبقى يرقب موجة أو سلسلة جديدة من  توالي الاحتجاجات خاصة مع قرب إقرار الموازنة الإيرانية التي باتت تحتاج إلى مداخيل إضافية لتغطية العجز الحاصل، والتي سوف تعتمد على رفع الضرائب، وإزالة الدعم عن معظم السلع الأساسية، الأمر الذي ينذر بانفجار الأوضاع  بقوة من جديد  .

          كذلك   فإن إرهاصات هذا الربيع   بالرغم من تواضعه  لا شك بأنها تُضعف النظام الإيراني   بفعل  السياسات المتتالية الحمقاء  للنظام الإيراني الذي انخرط حتى النخاع بمشاكل المنطقة، وسعى لبناء المصدات وشبكات الأمان التي تضمن بقاء الحريق الإقليمي بعيداً عن ثوبه  المتسخ بدماء  الشعوب المقهورة في سوريا والعراق ولبنان واليمن ….منذرة بأن السحر سينقلب على الساحر، وأن الجزاء من جنس العمل،  فدشن هذا الربيع الإيراني على الرغم من تواضعه  صحوة شعبية طال انتظارها  لتدك معقل  الولي الفقيه   القابع في حي  باستور في العاصمة طهران، والذي  تحقق وزارة الخزانة الأميركية  بأرصدة مالية  شخصية تجاوزت عشرات المليارات .

           ما كشفته الاحتجاجات أيضاً هو فعلياً فشل الرهان على الجناح الإصلاحي  الذي يقوده الرئيس الإيراني (حسن روحاني) مدعوماً بتياري الإصلاحيين والمعتدلين والزعماء البارزين في هذين التيارين أو الطيفين  خاصة  محمد خاتمي رئيس إيران الأسبق ومهدي كروبي ومير حسين موسوي  قائد الاحتجاجات الخضراء اللذين تخلوا جميعاً عن المتظاهرين، وتركوهم مكشوفي الظهر أمام أكبر حركة قمعية للنظام الإيراني، وفعلياً هم ابتعدوا عن  مواجهة داخلية محتدمة مع المرشد والجناح المحافظ  والحرس الثوري، معتبرين   مقاربات النظام لمواجهة المحتجين هي  الطريقة الأفضل، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل شاطروا النظام أنها  أسهمت في وأد الفتنة والمؤامرة الكبرى التي قادتها أميركا وإسرائيل والسعودية، وهو نفس التعبير الذي أجمع على استخدامه المرشد وروحاني  وجواد ظريف ومحسن رضائي ، و قائد “الحرس” الثوري   اللواء محمد علي جعفري .

 ونحن هنا نتساءل عن الصورة التي بات يقدمها الجناح الإصلاحي ومن والاه عن نفسه داخلياً وخارجياً، حتى يتم التعاطي والرهان عليه لإحداث التغيير المأمول  في إيران، خاصة بعد دخولهم في سجال  ليس معاكس مع الثورة والنظام وأدوات الدولة القمعية، بل مكمل  لبعضهما لمواجهة الاحتجاجات .

          لا شك بأننا أمام مؤكدين، وثابت :

-المؤكد الأول :  يتضمن  إقراراً بفشل كل منهما في قيادة البلاد على ضوء ما جرى من تأمر على طموحات الشعب الإيراني .

 – المؤكد الثاني : أن ما يحدث حالياً يؤكد  تعثر لحكومة حسن روحاني، وهو دليل آخر على وجود قناعة تتزايد يوماً بعد يوم بحاجة إيران  ليس إلى تيار أو جناح  ثالث قادر على أن يقود البلاد، ويخرجها مما هي فيه من صراعات داخلية واشتباكات خارجية، بل أن القدرة على التغيير باتت شبه مستحيلة  على ضوء هذه المعطيات ، وهذا ما تأكد من خلال نتائج هذه الاحتجاجات  وتداعياتها .

 لكن  الثابت : وما هو أهم أن  كل  نظام ولاية الفقيه قد بات عاجزاً وغير قادر تماماً على تقديم إجابات مقنعة بل وملهمة لمئات آلاف المحتجين ليس من  الشباب الإيراني فقط، بل ومن الشيوخ والنساء، الذين  بدوا مقتنعين   أنه لا  مستقبل  لإيران مع نظام ولاية الفقيه الذي تأكلت شرعيته  في ظل تعثر السياسات الداخلية، والتداعيات الخارجية المدمرة، و بفعل السياسات العبثية لمؤسسات الدولة والثورة الإيرانية  التي أوصلت إيران إلى الحضيض في مختلف المجالات، و ما يقلق الإيرانيين أكثر هو ضبابية رؤية مستقبل إيران على ضوء هذه المتغيرات، وضرورة  وجود البديل، وهو ما بدا جلياً من خلال الشعارات التي نادت بعودة الملكية لحكم إيران من جديد .

          المثير  أيضاً في  موضوع الاحتجاجات أنها لم تعد تؤمن بالبحث عن  البديل “الشخص لتنصيبه، بل في أهمية “كنس” النظام  وأدواته  برمتها، والمطالبة برحيلها،  وهذا له مغزاه ودلالاته الخطيرة والمهمة .

 

          رغم التأييد الشعبي في إيران لحركة الاحتجاجات  إلا أنها كشفت عن ضعف واضح،  مما قد يؤدي إلى التشكيك  بجذب  المزيد من التأييد الشعبي خشية من تداعيات رفع سقف الشعارات .  بموازاة ذلك لن  تستطيع مواجهة حملات القمع التي سيشنها مؤسسات الثورة الصلبة كالحرس الثوري، والبسيج، وحركة أنصار الله، استناداً للتجربة التاريخية .

 

           لا شك بأننا لا نقلل بأي حال من الأحوال من موضوع  الاحتجاجات  التي انفجرت في إيران، ولا  نتفق مع  هذا النظام  القمعي الذي يحاول توصيفها باعتبارها مؤامرة خارجية من عملاء ومندسين، ونُحيي صمود الشعوب والأقليات التي عانت  من ويلات نظام ولاية الفقيه وسياساته العبثية في المنطقة .

            الأمر المؤسف  أن ترد حكومة طهران بذات الطريقة البائسة، وتلجأ إلى أساليب  دموية  لمواجهة المتظاهرين والاستعانة بأدوات الدولة القمعية، لوقف هذه المظاهرات، إلى جانب نعتهم بأبشع  وأقذر الصفات وأقلها تهمة العمالة والتأمر  .

استمرت الاحتجاجات  أو توقفت، لا فرق فالأمر سيان . لأن البيئة الداخلية الإيرانية بمتغيراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية منهارة تماماً، ومسارات الأزمة   باتت على صفيح ساخن، وهذا ما يتوجب أن يفهمه صانع القرار السياسي والأمني الإيراني، فما يجري  لا  يلغي عمق  المشكلة والمأساة التي باتت تعيشها  إيران، ولا يعني أن الحريق لن يتجدد وبقوة نتيجة لجملة التحديات التي باتت تواجه إيران على مُختلف الصعد .

________________

المعلومات الواردة تعبر  عن رأي كاتبها و لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

191 total views, 2 views today

الوسوم: , , , ,

التنصيف : دراسات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle