قليلا من الحلم مع من نختلف معهم بالرأي

قليلا من الحلم مع من نختلف معهم بالرأي

محمد فاروق الإمام – مركز أمية للبحوث و الدراسات الاستراتيجية

 

ليتنا نعود لسيرة أهل النُهى والحلم من أجدادنا الأوائل، لنتعلم منهم كيف يكون الحوار وكيف يكون تقبل الآخر الذي نختلف معه بالرأي، وكيف يكون التعامل بين الإخوة، فقد جاء في الأثر قوله صلى الله عليه وسلم: “أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم”. وقال بعضم: إن الاختلاف لا يفسد للود قضية، وقال فولتير: ” قد أختلف معك في الراي ولكني مستعد ان ادفع حياتي ثمنا لحقك في التعبير عن رأيك”.

وكلنا قرأنا أو سمعنا عن قصص معاوية بن أبي سفيان في الحلم، ومنها أنه كان لعبد الله بن الزبير مزرعة في المدينة مجاورة لمزرعة يملكها معاوية بن أبي سفيان، وفي ذات يوم دخل عمّال مزرعة معاوية إلى مزرعة ابن الزبير.

فغضب ابن الزبير وكتب لمعاوية في دمشق

“من عبد الله ابن الزبير إلى معاوية (ابن هند آكلة الأكباد) أما بعد:

(فإن عمالك دخلوا إلى مزرعتي فمرهم بالخروج منها، أو فو الذي لا إله إلا هو ليكوننّ لي معك شأن)”.

فوصلت الرسالة لمعاوية وكان من أحلم الناس فقرأها، ثم قال لابنه يزيد:

“ما رأيك في ابن الزبير أرسل لي يهددني؟”.

فقال له ابنه يزيد: “أرسل له جيشاً أوله عنده وآخره عندك يأتيك برأسه”.

فقال معاوية: “بل خيرٌ من ذلك زكاة وأقرب رحما”.

فكتب رسالة إلى عبد الله بن الزبير يقول فيها:

“من معاوية بن أبي سفيان إلى عبد الله بن الزبير (ابن أسماء ذات النطاقين)

أما بعد …

فو الله لو كانت الدنيا بيني وبينك لسلمتها إليك ..

ولو كانت مزرعتي من المدينة إلى دمشق لدفعتها إليك ..

فإذا وصلك كتابي هذا فخذ مزرعتي إلى مزرعتك وعمالي إلى عمالك ……..

فإن جنّة الله عرضها السماوات والأرض.

فلما قرأ ابن الزبير الرسالة بكى حتى بلها بالدموع، وسافر إلى معاوية في دمشق وقبّل رأسه وقال له: “لا أعدمك الله حلماً أحلك في قريش هذا المحل”.

ما دفعني إلى كتابة هذه المقدمة ما لاحظته من مناكفات وتبادل اتهامات بين الإخوة تصدرت وسائل التواصل الاجتماعي وصلت إلى حد المهاترات والرد القاسي الذي خرج في بعض الأحيان عن أدب الحوار واحترام الرأي الآخر، وهذا دفع البعض إلى الخروج من هذه المجموعات التي تشكل في مجملها النخب المتميزة من الساسة والمفكرين وأصحاب المراكز الاجتماعية المرموقة والفكر النيّر.

وفي الحقيقة لا أصل للخلاف بينهم، اللهم إلا التعصب للرأي والاعتزاز بالمواقف المتباينة، والتي قد تكون جزئيات يمكن القفز عنها وتخطيها، لأن ما يجمع بين هؤلاء النخب أكثر بكثير مما يفرق بينها.

وقد كان سبب اختلاف الإخوة حول وصف مجرم الحرب قاسم سليماني بشهيد القدس ورفع صوره في غزة هاشم، وما تفوه به بعض قادة حماس من اطناب في مديح قاتل أطفال سورية والعراق واليمن، ووصفه بالشهيد كما أسلفنا.

وكان الحوار والنقاش حول هذه التصريحات غير المسؤولة لبعض قادة حماس، وصمتهم على الدماء التي ملأت شوارع وأحياء المدن في سورية والعراق واليمن على يد هذا المجرم الأفاك، عليه من الله ما يستحق.

وكان بإمكان قادة حماس والمخولين بالتصريح عنهم أن لا يكونوا ملوكاً أكثر من الملك، ولم يكن مطلوباً منهم هذا الإسفاف في مديح قتلة إخوتهم وأبناء عمومتهم الذين رووا ثرى فلسطين ووهادها وبياراتها من دمائهم على مدار قرن من الزمان، وقدموا الغالي والرخيص فداء لفلسطين كل تلك السنين الماضية، واستقبلوا من هُجّر منهم بمآقي عيونهم الدامعة وفتحوا لهم صدورهم الحانية.

وفي المقابل لم يجد الفلسطينيون من معممي طهران إلا التصريحات الجوفاء والشعارات الخرقاء الواهية، وأن كل ما قدموه لحماس والجهاد من مال وسلاح يصب في مصلحتهم التي يتعيش إعلامها عليها، ولو أنهم كانوا حقيقة يريدون تحرير فلسطين والقدس لما انحرفت بوصلتهم نحو بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت، ولما ردد قادتهم مقولة الطريق إلى فلسطين يمر عبر بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، لينحروا في ساحاتها وميادينها مئات الألوف من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، ويدمروا معالم حضارتنا ومدننا وبلداتنا وقرانا، وحتى جوامعنا ودور علمنا ومقامات الصحابة وقبورهم لم تسلم من تنكيلهم، ولم تكن جريمة من ذبحتهم إلا أنهم عرب سنة يؤمنون بالواحد الأحد، ولا يشركون معه أحد كما يفعل هؤلاء المعممون، ولو أنهم سخّروا آلتهم العسكرية وترسانتهم الحربية التي أدارت ظهرها للعدو الصهيوني لتنكل بنا، في التوجه إلى فلسطين دون سورية والعراق واليمن ولبنان لقدمنا لهم المهج والأنفس والأرواح تحية لهم وإكباراً لفعالهم، ولكن هيهات هيهات، فقد كانت غايتهم نحن وليس الصهاينة أو أمريكا كما يدعون.

أخيراً أقول للإخوة الذين تأثروا بكل ما جرى من حماقات لا ناقة لهم بها ولا جمل، أن يتحلوا بالحلم والأناة في الحوار والنقاش، وأن لا يفسد بينهم للود قضية، فلا خلاف بينهم حول جوهر الموضوع المختلف عليه، فقضية فلسطين ستبقى في مآقي عيوننا، ففلسطين وقف لكل المسلمين في العالم، ولا يمكن أن تجيّر لفصيل أو تنظيم أو دولة أو حكومة، فكلنا شركاء في المسؤولية تجاه تحريرها من العدو الغاصب المحتل.

____________

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

86 total views, 1 views today

الوسوم: , , ,

التنصيف : مقالات المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann
Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle