ثورات الربيع والأزمة الأخلاقية

| يوم: 13/09/2020 | لا يوجد تعليقات

ثورات الربيع والأزمة الأخلاقية

د.لؤي صافي – مركز أمية للبحوث و الدراسات الاستراتيجية

 

• ثورات الربيع العربي أخرجت للعيان أمرا كان محجوبا خلف الشعارات والدعايات الحزبية، وهو أن الفعل السياسي والاجتماعي في المجتمعات العربية لا يقوم على قاعدة أخلاقية، بل على ذرائعية تتصف بالمجاملة والتلطف حينا وبالخشونة والتنمر حينا آخر لتحقيق مصالح الأفراد والأحزاب.
• ويستوي في هذا التوصيف من أعلن أن مواقفه تنبع عن عقائد سياسية “علمانية” أو من ربط مواقفه بأساس “ديني” أو “إسلامي.” الجميع هتف للحرية والعدالة والمساواة، ولكن التجربة أظهرت عدم ارتباط هذه الشعارات بأساس أخلاقي. هذه الشعارات التي رفعها علمانيون حينا وإسلاميون حينا آخر، وآخرون محسوبون على هذا الطرف أو ذاك، لا يمكن أن تتحقق ما لم تتمحور حول معنى أساسيا يتعلق بتساوي الناس في الكرامة، معنى تساوي الكرامة الإنسانية.
• الأمثلة كثيرة .. الأنظمة العلمانية في العالم العربي حكمت لعقود باستخدام مبدأ التحيز لمن ينتمي إلى السلطة الحاكمة ويلوذ بها واضطهاد من يخالفها في العقيدة والموقف السياسي. الإسلاميون في مصر وصلوا إلى السلطة، وقرروا الانفراد بها وإبعاد القوى السياسية الأخرى التي شاركت في تحقيق انتصار الثورة. وبدلا من اعتماد الليبرالية المصرية مبدأ الكفاح من خلال الموقف المعارض اختاروا التحالف مع العسكر الذين أعادوا مصر مرة أخرى إلى الحكم التعسفي وهيمنة رجالات المؤسسة العسكرية.
• كذلك لم تنضبط المعارضة في سورية بضوابط قيم العدالة والحرية والمشاركة والمساواة، وهي التي أعلنت سعيها لإقامة مجتمع ديمقراطي حر، بل لجأ كل من وصل إلى موقع مدني أو عسكري إلى التحكم بالمشهد بعيدا عن قواعد العمل السياسي القائم على تعاون الشركاء في العمل السياسي والاحترام المتبادل بينهم، بل غلبت المزايدات الوطنية والتعالي العقدي والمناكفة غير الأخلاقية. حتى العملية الانتخابية ضمن مؤسسات المعارضة تم الالتفاف عليها بالشطارة والفهلوية وشراء الضمائر والذمم.
• التجربة الوحيدة التي صمدت حتى الآن من تجارب الربيع العربي هي التجربة التونسية لأنها تعاملت بقد كبير من الحساسية مع تنوع المذاهب السياسية والانقسام العلماني الإسلامي هناك. ولا زالت التجربة حتى الآن في دائرة الخطر بسبب النزعات الذرائعية غير الأخلاقية التي يعتمدها البعض لتحقيق المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة. الموقف الأخلاقي أساسي في بناء حياة سياسية تليق بالإنسان والمجتمع الإنساني والشعارات والدعاوي السياسية لا تكفي للوصول إلى ذلك. التساوي بالكرامة يعني أن الإنسان في المنظور الإنساني والديني ليس أداة تستخدم لتحقيق أهداف شخصية أو حزبية أو وطنية، ولكنه شريك في الوطن وفي المؤسسة الوطنية، ويجب لذلك أن يسمع رأيه ضمن خطاب منفتح على التعدد الإنساني، ويحترم موقفه حتى ولو كان موقفا لا مغايرا، ويمثل في دائر صنع القرار ولو اختلف مع الأغلبية من حيث التصور والأهداف وطرائق العمل. الاختلاف ليس أساسا للعداء بل للحوار، والاختلاف في الرأي وفي العقيدة لا يستوجب الصراع والتهميش، بل التعاون والتكامل طالما لم ينطوي الاختلاف على عدوان أو تجاوز للحق والكرامة.
• عندما نرفع شعار العدل والمساواة والحرية والمواطنة، ثم نستبيح المخالف لنا في الرأي والمنهج ونستعديه فنحن عمليا لا ندرك معنى الحرية والعدالة والمواطنة. التحيز الكامل لمن يشبها والعداء لمن يخالفنا يتناقض مع قيم العدالة والمساواة والحرية والكرامة.
• هذه المواقف تقوم على أساس إنساني وديني، والطروحات التي ترفضها اليوم تنبع من جهد نظري لتشويه القيم الأساسية التي يستشعرها الإنسان الحر في نفسه والإنسان المتدين في نصوص الوحي الذي يرجع إليها، والإنسان الحر المتدين وفق الأساسين المتكاملين في النفس والرسالة.
• تحصيل سلطة أو قدرة على اتخاذ قرار له تأثير اجتماعي لا يعني أن صاحب السلطة قادرة على التحكم بالقرار كما يشاء، حتى وإن وصل إلى موقع القرار من خلال انتخابات ديمقراطية. الوطن الذي يسعى إلى التطور والنمو لا يمكن أن يحكم بقهر نصف الشعب باسم الديمقراطية. والسعي لفرض قوانين تحظى برضى شريحة من أبناء المجتمع على حساب الشرائح لأخرى هو شكل من أشكال الاستبداد ولو وصل صاحب القرار إلى موقعه بانتخابات حرة. واعتماد مثل هذه الوسائل بحجة أن من كان يملك السلطة فعل ذلك ليس مؤشرا جيدا لإصلاح سياسي.
• المشكلة أن الجميع في عالمنا العربي، أو لنقل الأغلبية الفاعلة، يتصرف من هذه المنطق المغلوط.
• المشكلة طبعا ليس في الشعارات أو الديمقراطية أو الدين أو الإسلام.
• المشكلة في العقلية الاقصائية الاستبدادية التي لا تدرك أن المبادئ السياسية لا يمكن أن تولد واقعا متطورا يحترم كرامة الإنسان بعيدا عن الالتزام الأخلاقي لأصحابها بالقيم الأخلاقية.

______________

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

169 total views, 2 views today

الوسوم: , , ,

التنصيف : مقالات المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann
Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle