التاريخ يُكتب بموضوعية وحيادية بعيداً عن الأهواء والعواطف

التاريخ يُكتب بموضوعية وحيادية بعيداً عن الأهواء والعواطف

محمد فاروق الإمام – مركز أمية للبحوث و الدراسات الاستراتيجية

 

في الذكرى المئوية لمعركة ميسلون كتب الأستاذ عادل داود اوغلو يقول:

في عام 1918م انهزمت الدولة العثمانية أو لنقل (دولة الاتحاد والترقي) في الحرب العالمية الأولى ووقعت على اتفاقية الاستسلام في 18 تشرين الأول 1918م، وبعد سنة أي عام 1919م بالتزامن تقريبا، قامت حركتا تحرير في كل من تركيا وسورية، ويتحدث عن تركيا، وما يهمنا حديثه عن سورية، وقد أورد الكثير من المغالطات والافتراءات البعيدة عن الحقائق أو الممهورة بالوثائق، ولما أشرت إلى ذلك ببضع كلمات تقاطر علي بعض التعليقات بين ناكر ومؤيد، ومقترح أن أرد على ما جاء في مقال الكاتب، ولما كانت كتابة التاريخ مسؤولية ترقى إلى القدسية وتخضع للموضوعية والحيادية كان لابد لي من أن أدلي بدلوي في هذا المجال، لأضع أمام القارئ الكريم ما لدي من معلومات موثقة بما اطلعت عليه من عشرات الكتب التي تحدثت عن القضية السورية والانتداب الفرنسي والأمير فيصل بن الحسين وعن ثورة الحسين على الاتحاديين، الذين أطاحوا بالدولة العثمانية والخلافة العثمانية، وأرجو أن أوفق إلى ذلك بعيداً عن العواطف وهوى النفس وبكثير من الموضوعية والحيادية.

الأخ الكاتب يقول:

“أما في سورية فقاد الحملة الأمير فيصل بن الحسين عام 1919م”، وهذه أول الأخطاء لأن الأمير فيصل قام في منتصف أيار من عام 1915 بزيارة دمشق ليلتقي مع رجالاتها، ويضيف الكاتب قائلاً: “وإن أول عمل قام به هو مطالبته فرنسا بالاستيلاء على سورية وحمايتها مدعيا أن الشعب السوري غير قادر على حكم نفسه بنفسه” (وهذا ظلم للتاريخ وتزوير للحقائق وإساءة للشعب السوري)، فقد كان أول عمل قام به فيصل بعد وصوله إلى دمشق اللقاء مع النخب السورية ورجالاتها المعروفين ممن تبوؤا المناصب العليا في الدولة العثمانية قبل أن يطيح بها مجموعة الاتحاد والترقي وهم: “ياسين الهاشمي، والفريق علي رضا باشا الركابي رئيس بلدية دمشق، والشيخ بدر الدين الحسني كبير محدثي دمشق والشام، ونسيب بك الأطرش من كبار شيوخ جبل الدروز، والشيخ نواف الشعلان رئيس عشيرة الرولة” ووقع هؤلاء النخبة، وثيقة سرية تسمى (بروتوكل دمشق) أو وثيقة دمشق الأولى تتضمن الشروط التي يطالب الزعماء العرب بتحقيقها كي يكونوا إلى جانب الشريف حسين إذا ما أعلن الثورة، وتكون هذه الوثيقة لائحة عمل يتبناها الحسين في مداولاته السياسية مع الحلفاء”.

ثم يتمادى الكاتب في كيل الاتهامات للأمير فيصل بن الحسين فيقول: “فلم يتصدى له أحد (يقصد الملك فيصل)، بل أُكرم وعين ملكاً على سورية عام 1920م” وهذا افتراء وتزوير للحقائق لا يليق بكاتب للتاريخ، فقد عاد فيصل إلى دمشق في أيار من عام 1916 ليلتقي مجدداً رجالات سورية ويتوثق من مواقفهم.

وأعلنت الثورة على الاتحاديين فجر العاشر من حزيران 1916، ودخل الأمير فيصل دمشق عصر الثلاثين من أيلول 1918، وفي الخامس من شهر تشرين الأول 1918 شكل فيصل حكومته الأولى وعلى الشكل التالي:

1-رضا باشا الركابي رئيسا للحكومة

2-الأمير عادل أرسلان

3-ياسين باشا الهاشمي

4-بديع المؤيد

5-فارس الخوري

6-عطا الايوبي

 

ويقول الكاتب في مقاله: “فرنسا لم تعجبها بعض إجراءات الملك فيصل فأنذرته في مثل هذه الأيام قبل 100 سنة فرضخ وألغى كافة إجراءاته وجلس ينتظر دخول غورو دمشق”. وهذا تزييف للتاريخ ومجريات أحداثه، فقد امتعضت بريطانيا وفرنسا مما يقوم به الأمير فيصل من تأسيس لدولة عربية، فقد تبادلت هذه الدول رسائل منددة بما يقوم به فيصل، جاء في إحداها: “أوقفوا السيل العربي، تذكروا اتفاقية سايكس بيكو”.

ويقفز الكاتب عن كل ما قام به الأمير فيصل من إنشاء مؤسسات دستورية خلال أقل من سنة ونصف؛ وسنّه دستوراً راقيا ومتقدما ليحكم به سورية، وتم تأسيس ما يزيد على خمسة عشر حزباً، يمثل كل الأطياف السياسية والفكرية السورية، وإجراء انتخابات برلمانية، إضافة إلى إصدار العشرات من الصحف والمجلات، ليكون للإعلام دور بارز في تطور البلاد وتقدمها ومراقبة مؤسسات الحكم والقائمين عليها.

ولكن بريطانيا تنكرت لوعودها التي قطعتها للشريف حسين، فعقدت مع فرنسا اتفاقية في 15 أيلول 1919 “تنازلت إنكلترا بموجبها لفرنسا عن كيليكيا وسورية ساحلاً وداخلاً مع إطلاق يدها في جميع مناطقها، ولقاء ذلك تعهدت فرنسا بعدم المطالبة بالموصل ضمن حدود سورية، وبإطلاق يد الانجليز في فلسطين وفي العراق، وبسلخ شرق الأردن عن سورية وإعطائه لإنكلترا، وتكون فلسطين تحت إدارة إنكلترا فقط”.

ولم يلتفت الأمير فيصل كثيرا الى مخططات الغرب وسار بسورية لتكون دولة مستقلة بنظام ملكي، ليظهر للعالم حضارة العرب ورقيهم وأنهم يستحقون الحرية والاستقلال، فقد تمت بيعة الأمير فيصل ليكون ملكاً على سورية من قبل المؤتمر السوري العام الذي انعقد في الثامن من آذار 1920 في دار البلدية في دمشق.

ويقفز الكاتب مجددا عن الأحداث الجسام التي وقعت قبل دخول غورو إلى دمشق والتي كان من أهمها انذار غورو الذي وجهه إلى فيصل وجاء فيه:

“لقد راع الفرنسيين تتويج الأمير فيصل في الثامن من آذار 1920 ملكا على سورية وانشاء مملكة عربية تناوئ الانتداب”، وينهي انذاره بعدد من الشروط المذلة، “ماهلاً الملك فيصل أربعة أيام لتنفيذها تبتدئ من منتصف ليل 15 تموز وتنتهي في 17 منه”.

وبعد مداولات مطولة بين الملك فيصل ورجالات حكمه تقرر قبول الإنذار الفرنسي بالإجماع، لأن أي مواجهة له تكون كارثة بالنسبة لسورية، وتحفّظ وزير الدفاع يوسف العظمة على قبول الإنذار، الذي واجه الفرنسيين في معركة غير متكافئة في ميسلون انتهت باستشهاده ودخول غورو دمشق، وخروج فيصل منها يوم الثامن والعشرين من تموز 1920.

وبهذا الخصوص يقول الكاتب:

“لكن الضابط العثماني السابق الشهم يوسف العظمة وزير الدفاع السوري لم يقبل بالذل والهوان وتصدى لفرنسا في 24 تموز 1920م، فقتل غدرا من قبل بعض عائلات دمشق العريقة ومن قبل بعض الغوغاء المارقين، فدخل غورو دمشق على عربة يجرها (رجال) من سفهاء دمشق، (وهذا ما لم يحدث ولم ترو كتب التاريخ مثل هذا الموقف للسوريين) منتصرا ليقول: ها قد عدنا يا صلاح الدين”، (وهذه المقولة قالها عند دخوله إلى ضريح صلاح الدين في مسجد بني أمية).

ويضيف الكاتب قائلاً:

“هذا وأحرار سورية لم يقبلوا بالاحتلال الفرنسي فقامت ثورات في دمشق وغوطتيها، وفي حلب وفي سائر المدن والمناطق السورية، وبنفس الوقت تشكلت ميليشيات شعبية محلية موالية لفرنسا حاربت الثوار نيابة عنها، (وهذا أيضاً محض افتراء وإساءة لمواقف الشعب السوري التي رفضت الاستعمار وبكل أشكاله)، حتى انتهت الثورة وسيطرت فرنسا على كامل سورية”.

ويتابع الكاتب في عبارات غير متوازنة وغير مسؤولة ولا موثقة قائلاً:

“ولم تخرج (يقصد فرنسا) إلا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وبعدما طردتهم منها بريطانيا في 17 نيسان 1946م، (هذا كلام يجتزئ التاريخ دون التلميح إلى الثورات السورية التي عمت الأراضي السورية في مقارعة شُجاعة لفرنسا وجيوشها حتى انتزاع تصريح للمندوب الفرنسي يقر بحق سورية بالاستقلال في عام 1943، وتشكيل أول حكومة سورية وانتخاب شكري القوتلي رئيساً للبلاد، ومقارعة المستعمر الفرنسي حتى الاعتراف باستقلال سورية عام 1945 وخروج المحتل من كافة الأراضي السورية في السابع عشر من نيسان عام 1946).

 

-المصادر-

*الحياة السياسية في سورية-العهد الفيصلي-محمد فاروق الإمام

*كفاح الشعب العربي السوري-إحسان الهندي

*الصحافة السورية-أديب خضور

*القضية الفلسطينية-أكرم زعيتر

*تاريخ الاستعمار الفرنسي والإيطالي في بلاد العرب-أمين السعيد

*الهاشميون والثورة العربية الكبرى-أنيس الصائغ

*الوثائق التاريخية المتعلقة بالقضية السورية-حسن الحكيم

*الأردن وقضية فلسطين-غازي إسماعيل ربابعة

*الإيضاحات السياسية وأسرار الانتداب الفرنسي على سورية-غالب العياشي

______________

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه و لا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

119 total views, 1 views today

الوسوم: , , ,

التنصيف : مقالات المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann
Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle