في العراق كما في سورية (المؤامرة كونية)

محمد فاروق الإمام                             

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية

لقد دأبت الأنظمة العربية الفاسدة والمستبدة وسم كل تحرك شعبي سلمي؛ يطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية وملاحقة الفاسدين وتأمين فرص عمل للشباب، وتأمين التعليم والصحة والماء والغذاء والبنى التحتية، بأن هناك وراء هذا التحرك مؤامرة كونية أو جماعات إرهابية متطرفة يجب التصدي لها حتى تسلم الأوطان.

منطق غريب اعتمد في مواجهة الثورة في سورية ومصر وليبيا، وكانت النتيجة ضحايا بالملايين، وتخريب وتدمير عشرات المدن والبلدات والقرى، وتهجير الملايين إلى خارج الوطن، وفرض النزوح على الملايين من مناطقهم بحثاً عن مناطق أخرى آمنة، واستقدام ميليشيات مأجورة ودول طامعة لتقديم الحماية لتلك الأنظمة الفاسدة والمستبدة، ولتحول دون سقوطها.

وهذا العراق اليوم تواجه انتفاضته نفس الاتهامات من النخب الحاكمة، التي جرّت على العراق الويلات والإحن منذ احتلاله من قبل جيوش واشنطن عام 2003، وقد تماهت كل الحكومات التي تعاقبت على حكمه مع مسلسل الفساد ونهب الأموال وتبديد الثروات، وإذلال الشعب العراقي وذبح أبنائه وتجويعهم وإفقارهم، بحجج طائفية تارة؛ وبحجج تواجد الإرهابيين والمتطرفين؛ وبحجج التواصل مع دول أجنبية تتأمر على العراق، وكل هذا أوصل العراق إلى حافة الهاوية والأوبئة والمجاعة والنزوح والتهجير، وقد بات المواطن العراقي يدرك أن دخل بلاده من العوائد النفطية يزيد عن ستة مليارات دولار شهرياً، ورغم ذلك لا يجد لقمة العيش، ويشاهد الانهيار شاملًا في جميع مؤسسات الدولة، والخدمات العامة من تعليم وطب ومواصلات وماء وكهرباء في أسوأ أحوالها، بل أسوَأ من أكثر بلدان العالم فقرًا، فلماذا لا يثور هذا المواطن.

وفي مواجهة كل تلك العذابات والآلام انتفض الشعب العراقي انتفاضة عارمة شلت الحياة في معظم المدن العراقية، وخاصة مدن الجنوب ذات الغالبية الشيعية المحسوبة على حزب الدعوة الحاكم، والمرجعيات الدينية التي انحرفت وتماهت مع سياسة الولي الفقيه الإيراني الذي يتبجح سياسيوه وقادته العسكريون، بأن العراق عاد إلى أحضان إيران، وأن بغداد باتت محافظة إيرانية، ليجيء الرد من أفواه الشباب الغاضب المنتفض (إيران بره بره والعراق حره حره).

احتجاجات العراقيين التي لا يبدو أن لها قيادة واضحة، هي الأكبر التي يشهدها العراق منذ تولي رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، منصبه منذ عام.

وحتى الآن تزايدت أعداد الضحايا لتصل إلى عشرات الضحايا، ومئات الجرحى جراء الاشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن في العاصمة ومدن أخرى.

المشككون بأصالة هذه الانتفاضة وعفويتها؛ دعموا مواقفهم “بعدم وجود محرك معروف للاحتجاجات التي خرجت، وكأن المطلوب أن يظهر هؤلاء علانية، لتتم تصفيتهم على غرار ما حدث في البصرة والنجف، ويتناسى هؤلاء أن إرهاصات انفجار الغضب ظهرت مبكراً، عندما بدأ العراقيون الخروج على مدى السنوات الماضية إلى الشوارع، للمناداة بأبسط حقوقهم، التوظيف العادل في مؤسسات الدولة، تحسين ساعات التغذية بالكهرباء، ضمان وصول مياه الشرب، وقف الهدر والفساد وثراء المسؤولين على حساب شعبٍ يئن من وطأة الفقر.

من هنا فإننا نرفض نظرية المؤامرة الكونية سواء في مواجهة الثورة السورية أو الثورة المصرية أو الثورة الليبية، وكذلك نرفضها في وسم انتفاضة العراق بأن وراءها مؤامرة كونية أو بعض القوى العظمى أو المعادية، فليست هناك أية مؤامرة من أي شكل من الأشكال، فالمؤامرة الحقيقية هي فساد أهل الحكم، ورجال الدين وقادة الأحزاب، وكل أعضاء النخبة الحاكمة في البِلاد، وخاصة أولئك الذين جاءوا على ظهر الدبابات الأمريكيّة وسهلوا للأمريكيين مهمة تدمير العراق واغتيال علمائه، ونهب ثرَواته، ومن ثم تسلط عمائم قم وحرسهم الثوري على مفاصل الدولة وأجهزتها.

إن الشعب العراقي من حقه الانتفاض بوجه فساد حكامه، وسرقة ثروات بلاده، وتسليم مقدرات البلاد لعدو غاشم يريد العراق وأهله، عبيداً وخدماً لأصحاب العمائم في قم، والمرجعيات الدينية التي اعتمدوها في العراق، لتسهيل هذه الأمور والقبول بها؛ عبر فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، وبالتالي فإن العراق ليس استثناء من تلك القاعدة الديمقراطية فهو لم يشارك في التظاهر من أجل أن يمارس رياضة المشي، والهرولة أمام الأجهزة الأمنية عندما تستخدم القوة المفرطة مع المتظاهرين، وإنما من أجل أن ينتزع حقه في الحياة، بعد أن عجزت السلطات المختلفة، بما فيها السلطة الرابعة (الإعلام) من مساعدته في الحصول على هذا الحق، فلجأ الى الاحتجاج وأعلى درجاته التظاهر والاعتصام.

العراق العظيم لابد من أن يطور انتفاضته السلمية ويعمل على ديمومتها حتى تحقيق المطالب التي انتفض لأجلها، وقد يدفع الثمن اليوم بمقدار، ولكن هذا الثمن سيكون كبيراً جداً في قابل الأيام إن تقاعس أو فترت همته.

__________________

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

281 total views, 3 views today

الوسوم: , , , ,

التنصيف : مقالات المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann
Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle