مخاطر استراتيجية الوجود العسكري الإماراتي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي على أمن المنطقة

                          د.ناجي خليفة الدهان                          

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية

      الجزء الثاني

الاستعانة بالمرتزقة

ساراسن إنترناشونال   

شركة ذات أصول جنوب أفريقية تدعى “ساراسن إنترناشونال”، تعمل في مجال تزويد الخدمات الأمنية، تأسست على يد لافراس لواتينغ الضابط السابق في مكتب التعاون المدني(16)، وهي وحدة سيئة السمعة يعود تاريخها إلى نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وكان يتم توظيفها من قبل حكومة الأقلية البيضاء لتعقب المعارضين، وعندما تم تسريح وكلائه بعد التخلص من النظام العنصري هناك، فإن أغلبهم سارعوا للعمل كمرتزقة أمنيين مدفوعي الأجر.

    

تتشارك “ساراسن” سمت الغموض المألوف لعالم المرتزقة، ويعتقد أن الشركة المجهولة نشأت على أنقاض شركة “إكسيكوتيف أوتكمس” (Executive outcomes)، وهي أول شركة مرتزقة في العالم أسسها إيبين بارلو(17)، جنرال بريطاني الأصل كان يعمل بدوره لدى مكتب التعاون المدني في جنوب أفريقيا. منذ مطلع التسعينيات، لعبت “إكسكوتيف أوتكمس” العديد من الأدوار المشبوهة في مساندة الأنظمة القمعية إبان الحروب الأهلية في أنغولا وسيراليون، كما تورطت في فضائح سياسية أشهرها فضيحة ساند لاين في غينيا بابوا والمتسببة في حل الشركة عام 1997، حل لم يمنع وكلاءها لاحقا المشاركة في العديد من العمليات، أبرزها عام 2004 حين قادوا محاولة فاشلة للإطاحة برئيس غينيا الاستوائية “تيودورو أومبيانع”، قبل أن تعاود الشركة هيكلة نفسها من جديد في ثوب “ساراسن إنترناشونال” أواخر العقد الماضي. وللمفارقة -غير العبثية على الأغلب-فإن أكثر فروع “ساراسن” نشاطا يقع اليوم في كامبالا، وهو الفرع المدار اليوم من قبل الجنرال المتقاعد سليم صالح، الأخ غير الشقيق لرئيس أوغندا يوري موسيفيني، والذي قام بصحبة غيره من الضباط الأوغنديين بتدريب المتمردين به عسكريا في الكونغو، واستغلال العلاقة معهم من أجل نهب كميات ضخمة من الماس والذهب والأخشاب…

    

تمتلك “ساراسن” اليوم فرعا اسميا في دولة الإمارات العربية المتحدة (18)، وفي حين لا يُعرف بالتحديد كيف بدأت العلاقة بين الطرفين فإن ما يعرفه الجميع اليوم هو هوية العراب الذي لعب دور الوسيط في هذه العلاقة، ففي الوقت نفسه الذي كانت “ساراسن” تخرج فيه من جديد إلى دائرة الضوء، كان “إريك برنس” -الاسم الأبرز في عالم المرتزقة- قد استقر به المقام في أبوظبي حيث أقام علاقات وثيقة مع الحكومة الإماراتية، بعد أن اضطر لتصفية أعماله القديمة في شركة “بلاك ووتر” في ظل الدعوات القضائية التي لاحقته بعد الكشف عن الأنشطة الإجرامية التي قامت بها الشركة إبان الغزو الأميركي للعراق.

      

كان برنس يبحث عن تجديد أنشطته بعد فترة من البطالة خلال حقبة ما بعد العراق، وكذا كان المرتزقة العائدون الذين باتوا يجوبون شوارع إفريقيا في ظل فترة من الكساد النسبي لسوق المرتزقة مدفوعي الأجر. في تلك الأجواء، برز العميل الجديد للساحة لتكتمل أضلاع المثلث الغامض، وبحلول نهاية عام 2010 كان برنس قد ظهر فجأة في الصومال، حيث أبرم عقدا غامضا مع “ساراسن إنترناشيونال” تقوم بموجبه بتدريب 2000 من القوات الصومالية الموالية للحكومة في البلاد، بينما يتم دفع الفاتورة كاملة من قبل العميل الثري الجديد في ابوظبي.

      

لا يعد العمل في الصومال أمرا سهلا، حتى بمعايير المرتزقة الذين اعتادوا العمل في أسوأ الأجواء في قندهار، والبصرة، وبغداد(19)، وهنا بالتحديد تقع المنطقة التي تهربت أعتى جيوش العالم من العمل فيها منذ الانسحاب الأميركي المهين من مقديشيو في أوائل التسعينيات، حيث حكومة تعمل بالكاد، وفصائل معادية للجيوش الأجنبية، ومجموعة على علاقة بتنظيم القاعدة تواصل فرض حصارها على الحكومة الضعيفة.

     

لكن العقد كان مغريا للعمل في تلك الأجواء القاسية: 50 مليون دولار كما تشير التقديرات، دفعتها ابوظبي كاملة تحت بند “تمويل جهود الحكومة الصومالية في مكافحة القرصنة قبالة سواحلها”، مع برنامج خاص مشابه لجمهورية بونتلاند شبه المستقلة شمال الصومال، لتدريب قوة بحرية قوامها 1000 مقاتل تتمركز في ميناء بوساسو للغرض ذاته. في ذلك التوقيت كان ميناء عدن اليمني المقابل يجري تشغيله من قبل شركة “موانئ دبي العالمية”، وهو عقد التشغيل المنهي بعد أشهر من الإطاحة بالرئيس اليمني الاسبق علي عبد الله صالح. ومع استخدام الإمارات لعدن كمحطة رئيسة في سلسة الشحن والتوريد الخاصة بها، كان نشاط القراصنة على سواحل الصومال يمثل تهديدا مباشرا لمصالحها التجارية، بيد أن قوة المرتزقة الإماراتية سرعان ما تحولت في غضون عامين إلى قوة كاملة المهام لمكافحة “تمرد الإسلاميين” بقيادة محمد سعيد أتوم في تلال غالغالا جنوب غرب بوساسو بتوجيه من الولايات المتحدة على الأرجح، ولم يكن أتوم على علاقة بحركة الشباب أو تنظيم القاعدة حتى ذلك الحين، ولكن الحملة ضد الشباب في مقديشيو اضطرت الحركة لتوسيع نشاطها نحو الشمال من أجل الحفاظ على خطوط إمدادات مفتوحه مع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب المتمركز على الضفة المقابلة في جنوب اليمن.

   

على غير المتوقع، جاءت تجربة الإمارات الأولى في عالم المرتزقة مدفوعي الأجر على بُعد أكثر من ثمانية آلاف كيلومتر من العاصمة أبوظبي، وفي وقت لم تكن “إسبرطة الصغيرة” كشّرت فيه عن أنيابها بعد، وهي محاولة بالغة الدلالة من أوجه عدّة: فمن ناحية تشير إلى أن “أبو ظبي” وضعت أقدامها في هذا الفضاء قبل زلزال الربيع العربي الذي ينظر إليه معظم المحللين كنقطة تحوّل في مسار الإمارات من دولة مسالمة إلى قوة عدوانية بميزانية هائلة ومفتوحة، ومن ناحية أخرى أنها جاءت في أكثر منطقة تشهد تواجدا عسكريا للإمارات اليوم، وهي منطقة القرن الأفريقي، ما يؤكد وجود طموحات قديمة، ولكن الأكثر جدارة بالذكر في هذا الموطن بالتحديد أن التجربة الصومالية كانت أشبه بعرض تجريبي للفلسفة الأمنية الجديدة، الفلسفة التي يعتنقها ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد والتي لا تثق إطلاقا بجيش بلده، ومن المؤكد أنها لم تكن تجربة طارئة أو وليدة الصدفة أو الأمر الواقع، وتلك حكاية أخرى تتطلب منا العودة بضع سنوات أخرى إلى الوراء.

      

كيف يمكنك أن تصنع جيشًا قويًا يبرز القوة العسكرية في الخارج، ويفرض سلطة الانضباط والقمع إذا لزم الأمر في الداخل، دون المخاطرة بتطوير هذا الجيش لإرادة سياسية مستقلة؟

     

ربما يكون هذا هو السبب الرئيس الذي يفسر إصرار الفيلد مارشال محمد بن زايد على أن يبدأ مسيرة صعوده السياسي من الجيش بعد أن أتم دراسته في أكاديمية “ساندهيرست” العسكرية الملكية البريطانية. فرغم أن بلاده ليس لها أي ماض مع محاولات الانقلاب من داخل الجيش -مقارنة بتاريخها الحافل بدسائس ومؤامرات القصر-فإن الجيوش لا يؤمن لها في كل الأحوال، وهو الدرس الذي تعلمه الجميع في دول الخليج من محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة على الملك سعود بن عبد العزيز وولي عهده الأمير فيصل بن عبد العزيز، التي قادها ضابط طيار يدعى عبد الرحمن الشمراني المنتمي لمجموعة عرفت آنذاك باسم “الضباط الأحرار السعوديين”.

    

ولكن جيشا محدود القوة، ومع كونه أقل خطرا على قبضة ولي عهد أبو ظبي السياسية إلا أنه لا يلبي طموحاته الأوسع في ممارسة النفوذ كجنرال عسكري. كانت المعضلة هنا تكمن في إيجاد طريقة للجمع بين نقيضين عمليين: كيف يمكنك أن تصنع جيشا قويا قادرا على إبراز القوة العسكرية في الخارج، وعلى فرض سلطة الانضباط والقمع إذا لزم الأمر في الداخل، دون المخاطرة بتطوير هذا الجيش لإرادة سياسية مستقلة، أو لنفوذ شعبي مدعوم بقوة عسكرية يشكل خطرا على نظام الحكم القائم في البلاد؟ من هنا لم تكن الاستضافة الإماراتية لبرنس -الأب الروحي لحروب دونالد رامسفيلد الرأسمالية مدفوعة الأجر-محض صدفة، وإنما كانت إيذانا بدخول العسكرية الإماراتية تحت إشراف محمد بن زايد إلى عصر “المرتزقة” من أوسع أبوابه.

    

لا شيء في الجيش الإماراتي اليوم يشبه الحرس الرئاسي، وحدة عسكرية تعمل خارج الإطار التقليدي للقوات المسلحة التقليدية: القوات البرية والبحرية والجوية، مع تفوّق جوهري لها عليهم في التنظيم والتسليح والتدريب، وتخضع بشكل فعلي لسلطة محمد بن زايد وحده. كان الحرس هو مشروع طموح تبناه ابن زايد بشكل شخصي، بهدف تشكيل وحدة خاصة تكون بمنزلة جيش داخل الجيش في الإمارات، وتجمع بين مهام الحرس الرئاسي وقوات النخبة، أي تقوم بدور حماية النظام ورموزه والقيام بالقمع الداخلي بلا أسئلة أو تردد، وكذا بعمليات التدخل والانتشار العسكري السريع خارجيًا إن لزم الأمر.

    

بدأت الفكرة تختمر في رأس ابن زايد منذ أن تولى منصب ولي العهد عام 2003، أو ربما حتى قبل ذلك، لكن ما نعرفه حقا أنه في عام 2007 -وللمفارقة فإنه نفس العام الذي أفصح فيه الفيلد مارشال عن شكوكه حول جيشه- كان محمد بن زايد يحاول إقناع برايان براون(20) -الذي كان يتولى آنذاك مسؤولية قيادة العمليات الخاصة الأميركية “سوكوم”- بالتوسط لمنحه حق الحصول على طراز خاص معدل من مروحيات “بلاك هوك” التي تنتجها شركة “سيكورسكي” لتحل محل طائرات “بوماس” الفرنسية القديمة، بعد أن تعثرت جهود الحصول عليها عبر وساطة صديق أبوظبي المفضل إريك برنس. كانت “بلاك هوك” مثالية تماما للمهام الجديدة للحرس الرئاسي المنتظر، كما أنها مثالية بنفس القدر لقراءة أفكار ابن زايد أيضا: قطعة عسكرية مرنة يمكن استخدامها لكل شيء تقريبا، بداية من النقل، وليس انتهاء بمطاردة سفن التهريب على السواحل ودوريات تأمين الحدود، وتأمين عمليات الانتشار السريع. غير أن “بلاك هوك” لم تكن أكثر من بداية طموحة، حيث كان المستقبل القريب يحمل ما هو أكثر إثارة بكثير.

    

بعد ذلك بعام واحد تقريبا، كان ابن زايد على موعد مع بطل جديد من أبطال حكايته الخاصة مدفوعة الأجر: جنرال أسترالي مرموق تم تعيينه لتولي مهمة قيادة القوات الأسترالية في الشرق الأوسط عام 2008، وللمفارقة فقد كانت إحدى أولى مهامه أن-هندس له الجنرال شخصيا-نقل القاعدة الإقليمية للقوات الأسترالية من بغداد إلى أبو ظبي، ما وضعه سريعا في دائرة اهتمام ولي العهد. وبحكم علاقة العمل تلك نشأت صداقة عابرة بين الرجلين سرعان ما تحولت إلى ما هو أكثر من ذلك، فبعد أقل من ستة أشهر على تولي مايك هندمارش مهمة قيادة تدريبات الجيش الأسترالي في (يناير/كانون الثاني) عام 2009 -وهي وظيفة شديدة المثالية لجنرال في مثل عمره-فإنه سرعان ما قدم استقالته مضحيا براتب يناهز ربع مليون دولار سنويا، وكان على الجميع أن ينتظروا ستة أشهر أخرى لمعرفة السبب الحقيقي وراء هذه الاستقالة الغريبة.

   

كانت نصف مليون دولار سنويا -خالصة الضرائب والاستقطاعات-بصحبة امتيازات أخرى عديدة كفيلة بوضع اللمسات الأخيرة على عام ونصف من المفاوضات الماراثونية، انتقل بموجبها هندمارش إلى أبو ظبي تحت مسمى وظيفي غامض هو “مستشار ولي العهد للشؤون الأمنية”(21) أما المهمة الحقيقية فهي استكمال عملية تشكيل الحرس الرئاسي الذي ارتبط بعقد تدريب ضخم مع الجيش الأميركي لصالح وحدة العمليات الخاصة التابعة للحرس الرئاسي “soc”، وبقيمة بلغت آنذاك 150 مليون دولار (22).

    

كان كل شيء مكتملا ومجهزا بشكل مثالي، حملات دعائية ضخمة لجلب المقاتلين من داخل البلاد إلى الحرس، تجمع بين الإغراء المادي والمداعبة الوطنية في ظل نظام إماراتي لم يكن فرض بعد حصة للتجنيد الإجباري، وعقد تدريبي مع البحرية الأميركية يضمن زيارات تدريبية متبادلة وتنفيذ تدريبات ومهام مشتركة، ومركز دعم لوجيستي تقوده “يوروكوبيتر” أو “إيرباص” حاليا لتقديم خدمات الدعم الفني والصيانة وقطع الغيار للمعدات، وأخيرا جنرال أجنبي يتمتع بعلاقات واسعة قادرة على سد الفراغ القيادي بمرتزقة مهنيين مأجورين، بما يضمن الاحترافية العالية للقوات الجديدة، ويعالج مخاوف ابن زايد بشأن خضوع الوحدة الجديدة لقيادات محلية لا يضمن ولاءها.

كان هندمارش عند حسن ظن صديقه الإماراتي الجديد تماما، وسرعان ما أغرق الصفوف القيادية في الحرس الرئاسي بعشرات الجنود والجنرالات الأجانب ذوي الخبرة من الأستراليين على وجه الخصوص. أحد هؤلاء هو “بيتر باتسون”، ضابط مخابرات أسترالي سابق يعمل كمستشار للحرس الرئاسي الإماراتي منذ مطلع عام 2014، وتشمل القائمة أيضا كيفن دولان، وهو ضابط سابق في الجيشين البريطاني والأسترالي ويعمل في تقييم الحرس الرئاسي، وستيف نيكولز، وهو قائد سابق في الجيش الأسترالي يعمل كمستشار للحرس، وهناك أيضا سكوت كوريجان، قائد العمليات الخاصة السابق في الجيش الأسترالي. ورغم هيمنة الأستراليين -بحكم علاقات هندمارش-فإن هناك حضورا لافتا أيضا لجنرالات سابقين مدفوعي الأجر من البريطانيين والفرنسيين، من أمثال بالدوار داوسون، وهو ضابط سابق في البحرية الملكية البريطانية يعمل كمستشار في الحرس الرئاسي، وروبرت كروس، وهو أميركي يشرف على معهد تدريب الحرس الرئاسي الإماراتي الذي يعد جزءا من برنامج التدريب التابع للبحرية الأميركية.

    

لم يكن ولع ولي عهد أبوظبي بالمرتزقة مقتصرا على نخبة العسكريين القياديين من أمثال هندمارش وجنرالاته، كان ذلك واضحا منذ اللحظة الأولى التي استقر فيها إريك برنس في أبوظبي ليؤسس أعماله الجديدة من هناك: شركة غامضة جديدة تسمى “ريفلكس ريسبونس”، يقودها برنس، ويمتلك الإماراتيون 51% من أسهمها، تم ترخيصها في (مارس/آذار) من عام 2010، قبل أن تقوم بتجنيد المئات من الأفارقة والكولومبيين والأوروبيين. ومع نهاية العام نفسه، كان المئات من هؤلاء يتدفقون في جنح الليل إلى قلب الصحراء(23)، يصحبهم ضباط الاستخبارات الإماراتيون بعد أن دخلوا البلاد بوصفهم عمال بناء، قبل أن يستقروا خلف الجدران الخرسانية والأسلاك الشائكة لمدينة الشيخ زايد العسكرية في أبو ظبي.

    

كان الاتفاق ينص على أن يقوم برنس بتدريب جيش سري من المرتزقة مدفوعي الأجر، يعمل لحساب الإمارات مقابل مبلغ من المال يتجاوز نصف مليار دولار، بهدف الدفاع عن منشآت النفط وناطحات السحاب، وإخماد الاضطرابات العمالية أو حتى الثورات الشعبية حال حدوثها إذا لزم الأمر. تكلفت الإمارات بكل متطلبات القوة الجديدة، بداية من الأسلحة ووصولا إلى توفير طهاة محليين من مختلف الجنسيات لضمان عمل أطعمة ملائمة للمقاتلين الذين يصل عددهم إلى ثلاثة آلاف مقاتل نخبة على أكثر التقديرات منطقية، وهو عدد كفيل بالسيطرة على دولة صغيرة كاملة. وبعد سنوات، كان من الواضح أن مهام هذه القوة وحجم الاعتماد عليها قد توسعا بشكل كبير بعد أن تدفق مئات من أفرادها إلى اليمن للمشاركة في المهام القتالية هناك ضمن صفوف القوات الإماراتية المشاركة في عملية عاصفة الحزم، وقيل إنهم مسؤولون عن جرائم حرب أثبتت منظمة العفو الدولية وجودها لكنها لم تثبت صلة قوات الإمارات المرتزقة بها.

    

لا تشعر أبوظبي بأي غضاضة تجاه فكرة الاستعانة بالأجانب في المهام الأمنية والقتالية، فخلال حقبة التسعينيات كان قرابة ثلث الجيش الإماراتي مكونا من الأجانب(24) لذا فإن أبوظبي لم تستشعر أدنى قدر من الحرج في الاعتراف بوجود هذا الجيش السري بعد الكشف عنه(25)، حيث أقرت بأنها أبرمت تعاقدات عسكرية مع شركات خاصة تقدم تدريبات عسكرية وأكاديمية هي “سبيكتر” و”هوريزون” و”ريفلكس ريسبونسز”، ووصفت الحكومة الإماراتية في بيان رسمي عام 2011 هذه القوة بأنها “ضرورية للتطوير الناجح للقدرة العسكرية القوية لأكثر من 40 ألف عنصر إماراتي”.

     

ولكن الأمر لم يكن يتعلق فقط بتطوير القدرات العسكرية كما ادعى البيان الإماراتي بقدر ما كان يتعلق بضمان ممارسة أكبر قدر من التحكم والسيطرة على هذه القوات من قبل جنرالات أجانب ليس لهم ولاء إلا للمال، كما أن وجود كتائب من المرتزقة كان يكفل توفير خيارات للقيام بعمليات أمنية حساسة دون إدخال الجنود المحليين في الصراعات الاجتماعية والسياسية والطائفية للدولة مع قليل من الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان(26)، وهو ما يفسر ولع أبوظبي بتجنيد المرتزقة من البنغال والنيباليين في صفوف قوات الأمن الداخلي لتولي مهام القمع داخل السجون الإماراتية.

     

لم يكن محمد بن زايد يحتاج إلى أكثر من تأمل قليل في التاريخ لبناء فلسفته الأمنية، فلدى دول الخليج بشكل عام تاريخ طويل من الاعتماد على المرتزقة الأمنيين لضمان الاستقرار ولو على حساب مواطنيهم، فرغم حصول مشيخات الخليج على استقلالها عن بريطانيا مطلع السبعينيات فإنها واصلت الاعتماد على ضباط الأمن البريطانيين والجنود السابقين لتشغيل العمليات، وربما يكون النموذج الأكثر شهرة في هذا الأمر هو إيان هندرسون المعروف باسم جزار البحرين، والذي ترأس المديرية العامة لأمن الدولة في البلاد من عام 1966 إلى عام 1998.

     

بيد أن لهؤلاء المرتزقة دورا آخر بعيد المدى في التلاعب ببنية الجيوش الوطنية لصالح النخبة الحاكمة، حيث غالبا ما يتم منح هؤلاء الجنسية بعد فترة من المشاركة في العمليات العسكرية مدفوعة الأجر، مقابل امتيازات أكبر حجما، وعرضت الإمارات الجنسية على المرتزقة الكولومبيين مقابل ثلاثة أشهر فقط من القتال في حرب اليمن(27)، وهو أحد أرخص أثمان الجنسيات المتعارف عليها عالميا.

   

استطاعت إمارة أبو ظبي توظيف آلاف المرتزقة الكولومبيين في النزاعات العسكرية، مقابل ملايين الدولارات تقدم إلى الحكومة الكولومبية، وهو ما كشف عنه رسميا الرئيس، خوان مانويل سانتوس، بقوله: إن دولة الإمارات ستقدّم لبلاده دعماً بقيمة 45 مليون دولار، بما يؤكد التقارير التي ظهرت مؤخرا عن استعانة أبو ظبي بمرتزقة كولومبيا مقابل الأموال. (28).

   

وجاءت تلك التصريحات على هامش زيارة رئيس كولومبيا إلى الإمارات، ولقائه بولي عهد أبو ظبي، خلال زيارته الرسمية إلى الإمارات. وأوضح سانتوس أنّ الدعم الإماراتي مخصص لتطبيق اتفاقية السلام المبرمة مع حركة القوات المسلحة الثورية “فارك”، مشيرا إلى أن أبو ظبي سترسل وفودا من 40 شخصا لإجراء المزيد من الدراسات والبحوث حول سبل توسيع العلاقات بحسب الوكالة فإن خبرة الجنود الكولومبيين السابقين في قتال المليشيات اليسارية وتجار المخدرات في بلدهم، شجعت الإمارات على الاستعانة بهم نظراً لأن “جيش الإمارات قليل الخبرة نسبياً”، مقابل 3300 دولار شهرياً لكل مرتزق. (29)

   

ولجأت أبو ظبي إلى الاستعانة بشركة بلاك ووتر الأمنية التي أسسها إريك برنس، وإعطائها صلاحيات أمنية واسعة في البلاد.

   

إن عدد العناصر المرتزقة في الإمارات يصل إلى نحو 20 ألف عنصر معظمهم من بلدان مختلفة في أمريكا اللاتينية، وأفريقيا، وأنهم يكلفون أبو ظبي حوالي 44 مليار دولار، بواقع 5 مليارات و472 مليون دولار سنويا. (30)

القواعد العسكرية الإماراتية تحكم الخناق على باب المندب:    

اليمن من الدول البحرية بالأساس، فبالرغم من مساحتها الصغيرة (555ألف كم2) إلا أنها تملك شريطاً ساحلياً يقدر 2200كم وعدد الجزر المأهولة وغير المأهولة 182 جزيرة ، (150 جزيرة في البحر الاحمر و32 جزيرة في بحر العرب ) (31)، وأنشأت المدن الساحلية الأكبر وعدد من الموانئ الرئيسية إلى جانب عشرات الموانئ الصغيرة؛ لكن وجودها على “باب المندب” والتحكم فيه كان رغبة دائمة لأي دولة تريد الاستعمار الوصول إلى هذا المضيق إلى جانب بقاء عدن وميناءها محل أطماع دائمة، وحتى قبل ثلاث سنوات كانت الإمارات مسيطرة عليه باتفاقيه تجارية نقضتها حكومة ما بعد ثورة فبراير/شباط 2011م، لكن أبوظبي الآن تعود بقواعد أكبر وأشمل.

     

دخلت أبو ظبي حليفة النظام السابق اليمن عبر البوابة الجنوبية للبلاد، ضمن التحالف العربي الذي تقوده السعودية، ونُشرت مقاطع فيديو تظهر أسراباً من الدبابات ومثلها من المدرعات الإماراتية وقواتها داخل مدينة عدن، كانت تلك خطة حاسمة في ظل محاولة مد نفوذها نحو أفريقيا وهذه هي الفرصة المناسبة، تأسيس قاعدة إقليمية للقوات الإماراتية يكون المرتزقة واليمنيين الموالين ل (أبو ظبي) وقودها في المستقبل في عدن. “جزيرة سقطرى” المحافظة وأرخبيلها كانت الهدف التالي فسيطرت أبو ظبي عليها وأصبحت محميتها الخاصة وهذه الجزيرة تتحكّم بشكل كامل بالخط الذي يمرّ من الهند إلى الغرب وتتوغل في أفريقيا إنه موقع استراتيجي بالفعل لـ “إسبرطة صغيرة” تملك المال للهيمنة وإقلاق العالم.

   

سنناقش في هذا الفقرة القواعد الإماراتية وأهدافها في اليمن وسواحله.

أهمية مضيق باب المندب   

يعتبر مضيق باب المندب، في الوقت الراهن، أحد أهم نقاط العبور البحرية التي تستخدمها حاملات النفط في العالم، حيث يمرّ به ما يقرب من 4.7 مليون برميل من النفط يوميا، ويبلغ عرضه 28.9 كيلومتر فقط عند أضيق نقطة منه، والتي تمتد من رأس سيان في جيبوتي إلى رأس منهالي في اليمن. وقد ازدادت أهميته بوصفه واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم، مع ازدياد أهمية نفط الخليج العربي وافتتاح قناة السويس.

   

ولليمن أفضلية استراتيجية في السيطرة على المضيق لامتلاكه جزيرة بريم (ميون) الخاضعة لسيطرة الإمارات، ومن يملك هذه الجزيرة يسيطر على الممرّ الدولي الهام. ولم يتمكن أحد قبلاً من السيطرة على الجزيرة، ولأجل ذلك قامت القوى الكبرى وحليفاتها بإنشاء قواعد عسكرية قربه وحوله وذلك لأهميته العالمية في التجارة والنقل، إذ تملك الولايات المتحدة قاعدة في جيبوتي على الضفة الغربية لمضيق باب المندب، وتملك فرنسا أيضاً حضوراً عسكريا قديما في جيبوتي. (32)

جزيرة سقطرى     

توجد للإمارات قاعدة كبيرة في جزيرة سقطرى اليمنية، وأصبحت منطقة خاصة بها، وتتحكم هذه الجزيرة بشكل كامل بالخط الذي يمرّ من الهند إلى الغرب وتتوغل في أفريقيا. ويثير الوجود الإماراتي في تلك الجزيرة توتراً مع سلطنة عُمان، التي تعتبر الجزيرة ضمن مجالها الحيوي، ونشبت معركة كلامية بين مسؤولين عُمانيين وإماراتيين حول تلك الجزيرة في وسائل الإعلام. وتتواجد قوات إماراتية غير معلومة العدد في هذه القاعدة العسكرية. (33)

جزيرة ميون “بريم”

ولعل هذه القاعدة العسكرية أخطر قواعد الإمارات في البحر الأحمر، فهجّرت القوات الإماراتية مواطني الجزيرة الأصليين، ومنحت الجنسية الإماراتية (86 عائلة) !!!تحوي أكبر قاعدة عسكرية للإمارات في فوهة مضيق باب المندب.

   

وفي فبراير/شباط الماضي كشفت مجلة “جاينز” الأسبوعية المتخصصة بالأبحاث العسكرية، أن دولة الإمارات العربية المتحدة شرعت في بناء قاعدة عسكرية في الجزيرة، ونشرت المؤسسة صورة فضائية ليوم 14 يناير/ كانون الثاني 2017م والتي تبين بناء جديدا لمدرج طائرات بطول 3200م على جزيرة ميون الواقعة في باب المندب. ولم تكن الحكومة اليمنية على عِلم بالقاعدة الإماراتية في الجزيرة التي تقع في فوهة باب المندب، وحسب مسؤول يمني تحدث لموقع عربي الذي يبث من لندن أن المخابرات الأمريكيَّة هي من أعطت صوراً للقاعدة المذكورة وهو ما زاد من حِدة التوتر بين أبو ظبي والرئيس اليمني الذي رفض في وقت سابق إعطاء ولي عهد أبو ظبي حقاً في تأجير جزيرة سقطرى وأقال نائبه ورئيس الوزراء خالد بحاح. (ابريل/نيسان2016) بعد معلومات أن الرجل سيوقع عقداً لتأجير الجزيرة للإماراتيين. (34) وكان نشر الصحفي البريطاني المتخصص في قضايا الشرق الأوسط جيريمي بيني صورا وخرائط على صفحته في تويتر في مايو/أيار توضح الإنشاءات التي تقوم بها القوات الإماراتية في جزيرة ميون، وما يعتقد أنه مدرج طائرات جديد يتم إنشاؤه، متوقعا أن تنتهي الإمارات من إكمال بناء المدرج وإنشاءات أخرى مع نهاية هذا العام.

ذوباب” و”المخا   

وحوّل الإماراتيون بلدة “ذو باب” القريبة من باب المندب إلى قاعدة عسكرية يتحكمون فيها بالكامل، وهجروا جميع سكان البلدة البالغين نحو عشرة آلاف مواطن، ونقلوهم إلى خيام في منطقة صحراوية وفي ظروف قاسية، وحوّلوا مساكنهم إلى ثكنات عسكرية. (35)

   

كما حوّلوا ميناء المخا إلى قاعدة عسكرية لهم، ووضعوا فيها نحو أربعمائة من قواتهم ومنعوا اليمنيين من الاقتراب منها، وأصبح الميناء حكرا عليهم تصل إليه سفنهم الحربية وإمداداتهم العسكرية.

قواعد عسكرية إماراتية في القرن الإفريقي

الإمارات واحدة من دول عدة فتحت قواعد لها على طول الساحل الأفريقي وتعهدت باستثمارات وتبرعات في إطار المنافسة على النفوذ في منطقة غير مستقرة لكنها ذات أهمية استراتيجية.

    

وبخلاف بقية الدول المتواجدة على طول الساحل يثير الوجود الإماراتي في القرن الإفريقي موجة من ردود الفعل الغاضبة من حكومتي الصومال وجيبوتي، وبالفعل تعرَّضت الدولة للطرد من الدولتين بسبب ما وصفت بأنها سياسية تستهدف مصالح الدولتين العليا.

الصومال    

ومع خروج الدولة الامارات من جيبوتي، صعدت الحكومة الفيدرالية في مقديشو من مواجهة نفوذ الدولة على أراضيها، وقالت الحكومة المركزية في الصومال هذا الشهر إنها ستتولى مسؤولية برنامج تدريب عسكري تديره الإمارات. وبعدها بأيام أعلنت الإمارات انسحابها واتهمت مقديشو بالاستيلاء على ملايين الدولارات من طائرة.

    

وتصاعدت الخلافات بين مقديشو وأبو ظبي عندما تجاهلت الأخيرة الحكومة الفيدرالية وقامت باستئجار قاعدة عسكرية والاستثمار في ميناء “بربرة” بإقليم أرض الصومال، الذي أعلن انفصاله مع الحرب الأهلية في التسعينات، دون أنّ يعترف به أحد.

     

في فبراير/شباط 2017م طفت إلى السطح اتفاقية عسكرية بين أبو ظبي وجمهورية (إقليم أرض الصومال) الانفصالية لإقامة قاعدة عسكرية على بعد 278 كم جنوب مضيق باب المندب، و“ميناء بربرة” ما يكشف نوايا إماراتية أكبر ببناء قواعد عسكرية أكثر وأكبر على الشواطئ البحر الأحمر قرب المضيق الاستراتيجي الهام. (36)

    

تتواجد إمارة أبو ظبي في الصومال عسكريا بشكل مكثف، حيث نشرت الدبابات والطائرات، بما في ذلك الطائرات المقاتلة والمروحيات والطائرات بدون طيار هناك. وفي مارس الماضي وافقت السلطات على السماح لدولة الإمارات بفتح قاعدة بحرية في مدينة بربرة الساحلية بالأراضي الصومالية الانفصالية، كما أعلنت أبو ظبي.

    

وأوضحت مجلة نيوزويك الأمريكية، أن تصويت برلمان جمهورية أرض الصومال يعطي الحق للإمارات بتطوير القاعدة العسكرية والبحرية على مساحة 40 كيلومتر مربع، وفقًا للخطة التي قدمها الجيش الإماراتي إلى حكومة جمهورية أرض الصومال في أثناء المفاوضات.

    

كما يوجد لدى الدولة قوة عسكرية في “بلاد بنط” حيث تقوم الدولة بتدريب قوات أمنية في تلك المنطقة؛ إلى جانب ذلك وقعت أبوظبي مع رئيس “أرض الصومال” اتفاقية تدريب قوات عسكرية للإقليم مع تصاعد النزاع مع الحكومة الفيدرالية.

القاعدة العسكرية في أرتيريا     

منذ بدء حرب اليمن، قامت أبو ظبي بإقامة قاعدة لها في ميناء عصب في إريتريا؛ ومنه تنطلق طائرات الاماراتية لشن غارات في البلاد، كما تستخدم هذه القاعدة الدائمة لتدريب قوات من اليمنيين في المناطق التي تسيطر عليها في اليمن. وكانت تقارير حقوقية قالت إنّ أبو ظبي تستخدم هذه القاعدة أيضاً كسجن للمعتقلين السياسيين اليمنيين المعارضين لتوجهاتها ضمن 18 سجناً في اليمن. وتتواجد قوة عسكرية إماراتية في هذه القاعدة العسكرية لا يعرف عددها.

قاعدة جيبوتي    

في 2005 اتفقت الإمارات مع جيبوتي على إدارة ميناء جيبوتي، واستخدام المطار الرئيسي في العمليات العسكرية بالتنسيق مع الجانب الجيبوتي. وتنفيذاً لذلك كان من المقرر انطلاق الطائرات لمواجهة الحوثيين في اليمن من هذه القاعدة إلا أن أمراً مثيراً حدث أدى إلى طرد القوات السعودية، والإماراتية!!

وحسب معهد واشنطن “ففي البداية، سعت المملكة العربية السعودية، ودولة «الإمارات» إلى استخدام جيبوتي، التي تقع مباشرة عبر خليج عدن، من أجل دعم عملية تحرير عدن، ولكن شاء القدر أن يتدخل في ذلك. ففي أواخر نيسان/أبريل 2015، أدّت مشادةٌ كلامية بين رئيس “سلاح الجو الجيبوتي” ودبلوماسيين إماراتيين إلى إفساد العلاقات بين البلدين.

    

ما تفاقمت حدّة الخلاف في ظلّ التوتر الذي كان مخيًّماً في السابق على العلاقة بين البلدين على خلفية نزاعٍ قانوني استمرّ فترةً طويلة حول عقدٍ لـ “محطة حاويات دوراليه”، وهي أكبر ميناء للحاويات في أفريقيا تديرها “شركة موانئ دبي العالمية” التي تشغّل “المحطات البحرية الإماراتية” التي مقرّها في دبي، وتُعتبر واحدة من أكبر أصول القوة الناعمة في الإمارات.

    

وفي 4 أيار/مايو 2015، قطعت الإمارات العربية المتحدة وجيبوتي رسمياً العلاقات الدبلوماسية بينهما وأقدمت جيبوتي على طرد القوات السعودية، والإماراتية من منشأةٍ كائنة في منطقة هراموس المجاورة لـ “معسكر ليمونييه”، وهي قاعدةُ (تستخدمها “القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا” و”قوة المهام المشتركة في القرن الأفريقي”) كان قد أنشأها في السابق “الفيلق الأجنبي الفرنسي” واستأجرها في مطلع شهر نيسان/أبريل تحالف دول الخليج لدعم عملياته في اليمن”. (37)

    

لكن يبدو أن العلاقات عادت مجدداً في النصف الثاني لعام 2016م وعادت القوات الإماراتية من جديد إلى الميناء الاستراتيجي، كما أن السعودية ستبني قاعدة عسكرية في نفس الدولة.

   

ويتضح من خلال ما ورده آنفا أن الأهداف المعلنة لهذا التواجد المشاركة جنباً إلى جنب مع القوات البحرية الأمريكية والمصرية، في تأمين ساحل اليمن حتى مضيق باب المندب، لكن الحقيقة عكس ذلك، حيث تستهدف سلطات أبو ظبي تعزيز تواجدها العسكري بشكل غير مسبوق في الصومال في إطار خطة لتوسيع الانتشار العسكري الإماراتي في مضيق هرمز وساحل اليمن وباب المندب وحتى سواحل القرن الأفريقي. وأوضح الموقع× أن هناك اتصالا دائما بين أبو ظبي ووزارة الدفاع الأمريكية وذلك لتوسعة وتعزيز دور البحرية الإماراتية في هذه المنطقة، مضيفًا أن النفوذ الإماراتي في القرن الافريقي يعتمد على إستراتيجية شراء واستئجار وإدارة موانئ ومطارات ذات أهمية عسكرية واقتصادية متنوعة، كما في حالتي عدن وجيبوتي، إضافة إلى بناء القواعد العسكرية كما في بربرة شمال غرب الصومال.

     

في الحقيقة إن الحضور الإماراتي في الصومال، جاء في سياق تنافس إقليمي ودولي بهذه المنطقة، ولم تكن الأهداف العسكرية فيما يتعلق بدعم القوات الإماراتية المشاركة في حرب اليمن، والحفاظ على تأمين المدن الجنوبية اليمنية التي سيطرت عليها القوات الإماراتية، هي الأهداف الوحيدة لمساعي الإمارات من أجل تعزيز نفوذها في هذه الدول، فعلى المستوى السياسي برزت الصومال كموقع جيوسياسي خاصة فيما يتعلق بقربها من الحدود اليمنية ومراقبة العمليات هناك، سياسية كانت، أو عسكرية، إضافة إلى تحجيم المد الإيراني في تلك الممرات الحدودية الخطيرة.. أما على المستوى الاقتصادي فإن هذه المنطقة تطلّ على أكبر الممرات المائية في العالم في حركة التجارة العالمية ونقل البضائع.  فعزّزت أبو ظبي تواجدها في الصومال من خلال نشاطات اقتصادية وتجارية في البداية، تحولت لاحقا إلى أنشطة عسكرية. وظلّت المصالح الإماراتية بالصومال مرتكزة على السيطرة والهيمنة، وكذا ضمان المرور الآمن لسفن النفط على سواحل القرن الإفريقي وفي مضيق باب المندب، ومواجهة عمليات القرصنة البحرية.      

ولكن مصلحة الإمارات في مواجهة موجات القرصنة بخليج عدن، خاصة في ظل ضعف سيطرة الحكومات الصومالية المتعاقبة، قد صبغ دبلوماسية التنمية الإماراتية بمسحة أمنية عسكرية في أوقات كثيرة. على سبيل المثال، أهدت أبو ظبي الصومال في الثمانينيات مجموعة من المعدات العسكرية، من بينها 12 مروحية حربية بريطانية الصنع، قبل أن تتوسع العلاقات الأمنية في الأعوام الأخيرة وصولًا لتوقيع البلدين مذكرة تفاهم للتعاون في المجال العسكري عام 2014، قامت الإمارات بموجبها بالمشاركة في تدريب قوات الحرس الرئاسي الصومالي في معسكرات بها قبيل إعادتهم.

   

ومع مرور الوقت أصبح من الواضح أن الإمارات حولت تواجدها الاقتصادي، والتجاري، الى التواجد العسكري فقط، خاصة بعد أن تولت إدارة الأمور في عدن بعد مشاركتها في حرب اليمن، قبل أن تتخذ خطوة أكبر نحو عسكرة وجودها في القرن الأفريقي، عبر تأسيس أول قاعدة عسكرية لها خارج حدودها في ميناء “عصب” على سواحل إريتريا أواخر عام 2016. ولم تكن الأمور تتطلب سوى المزيد من الوقت لتوسع الإمارات تواجدها العسكري في الصومال بشكل أكبر، بعد أن وقعت شركة موانئ دبي العالمية اتفاقًا مع مقاطعة صومالي لاند، تدير بموجبه الشركة الميناء لمدة 30 عامًا، قبل أن يتم توقيع اتفاق جديد يسمح بإقامة قاعدة عسكرية في الميناء.

     

وجاء في تحقيق نشره موقع (انترناشونال أفريكا) العالمي، أن مئات المرتزقة المسلحين من دول مثل النيبال، وكولومبيا يتمركزون في قاعدة ميناء بربرة الإماراتية لتقديم دعم عملياتي لأبو ظبي في هجماتها الجوية وغير الجوية التي تنفذها انطلاقا من أراضي صومالي لاند، إلى جانب التواجد الاستخباراتي المكثف للأجهزة الاستخباراتية الإماراتية. (38)

    

وذكر الموقع أن الغضب المتصاعد وسط السكان لا يعود فقط للأفعال المشينة التي تمارسها القوات التابعة للإمارات، بل كذلك لشعور السكان وقيادة الإقليم بخداع كبير من أبو ظبي التي كانت وعدت بتطوير الإقليم عبر بناء المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية والتجارية للسكان، الأمر الذي لم يحدث منه شيء. وينظر سكان الإقليم بحسب الموقع إلى وعود الإمارات بأنها غطاء بهدف حصولها على موطئ قدم في الإقليم.

المصادر

16 “المرتزقة هم خيار جذاب للغاية للدول الغنية لشن الحروب التي لا يرغب مواطنوها في شنها”

https://midan.aljazeera.net/reality/politics/

(شون ماكفيت، مؤلف كتاب “المرتزقة الجدد: الجيوش الخاصة والنظام الدولي”)

19-17 -18 – كيف عززت الإمارات جيشها بالمرتزقة؟    الجزيرة

http://www.aljazeera.net/news/presstour

/2018/7/11/

– 20-21-23 ابو ظبي وإمبراطورتيها من المرتزقة. بوابة الشرق الالكترونية    

http://midan.aljazeera.net/reality/politics/2017/7/9

22 – الأجانب يسيطرون على المناصب العسكرية الإماراتية والمرتزقة يقودون حروبها  

24موقع الدوحة./.الشرق                                                                             

 https://www.al-sharq.com/article/13/11/2017

-25-26الامارات تدافع عن اتفاقها مع متعاقدين عسكريين اجانب بينهم مؤسس “بلاك ووتر”/ 16-مايو/ أيار، 2011،/BBC

http://www.bbc.com/arabic/worldnews/2011/05/110516_uae_blackwater_reaction.shtml

 –27-28الإمارات وكولومبيا المرتزقة مقابل. الاستثمارات موقع الدوحة. /. الشرق                                                                               الدوحة https://www.al-sharq.com/article

/13/11/2017

-29 -4الإمارات جندت 3-آلاف من المرتزقة الكولومبيين للقتال نيابة عن جيشها في اليمن

-30-مرتزقة الإمارات يكلفون أبوظبي 44-مليار دولار

https://www.al-sharq.com/article/27/07/2018  

بوابة الشرق الكترونية

-31 عدد الجزر اليمنية، موقع موضوع اكبر موقع عربي في العالم،

32 -34-37-54 – موقع بوست نت، مقالات: القواعد العسكرية الإماراتية تحكم الخناق على باب المندب

https://www.noonpost.org/content/18911

33-35-36- تقرير: ست قواعد عسكرية إماراتية في الخارج… استخدام القوة للبحث عن المخاطر موقع الامارات

https://emiratesleaks.com/%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%B9%D8%AF/  

-38-القواعد الإماراتية تفجر موجة غضب في أرض الصومال / بوابة الشرق الإلكترونية  

https://www.al- sharq.com/article/10/10/2017

______________

د. ناجي خليفة الدهان: دكتوراة في العلوم السياسية / العلاقات الدولية، باحث في الشؤن السياسية والاستراتيجية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

395 total views, 3 views today

الوسوم: , , ,

التنصيف : مقالات المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann
Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle