سورية واستبدال هوية الوطن بالهوية الطائفية

محمد فاروق الإمام                             

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية

الأستاذ ميشيل كيلو يعترف في مقال له بأن الحملة على سورية من قبل مجرم الحرب بوتين هي حملة صليبية، وأقتطف منه بعض ما أقر به في مقاله (الحرب على ثورة سورية هي حرب صليبية ضد الإسلام) الذي نشره موقع العربي الجديد يوم 11/8/2019، والذي جاء فيه:

“تردد في تصريحٍ لبطريرك روسيا الأرثوذكسي معلوماتٌ مفاجئةٌ، تلقي أضواء على أحد مسوّغات الحرب التي شنتها روسيا ضد شعب سورية، تحت شعارٍ لطالما اعتقدنا أنه من ابتداع المخابرات السورية، وها هو البطريرك يخبرنا أن جيش روسيا اعتمده مع شيءٍ من التصحيح، فلم يعد “الأسد أو نحرق البلد”، بل “الأسد ونحرق البلد”.

يقول البطريرك إن “علاقات الكنيسة الروسية مع آل الأسد قديمة، وإنهم كانوا حلفاء للبيزنطيين وقفوا إلى جانبهم في الصراع على المشرق وسورية. يضيف البطريرك إنه هو من أنقذ بشار الأسد وليس بوتين، وهو من أقنع الرئيس الروسي بالتدخل عسكريا في سورية، ولذلك أصدر عام 2015 بياناً أيّد شن غارات جوية في سورية، واعتبرها جزءا من “معركة مقدّسة”.

ويعلق كيلوا على ما قاله البطرك الروسي قائلاً: “بصراحة، كنت أستخفّ شخصيا بترّهات البطريرك، وأرى فيه شخصا يعيش في الحقبة السابقة للعصر الوسيط، وأن مواقفه تفسّر بغربته المرضية عن العالم، وتخلفه الذهني الذي تمليه في العادة معتقداته الدينية المتطرّفة، والتي تحدّد مواقفه السياسية بما تسبّبه من كوارث “مقدّسة” بين البشر، لكنني أميل اليوم إلى قراءة تصريحاته باعتبارها جزءاً تكوينياً من خيارات روسيا الرسمية التي يخالطها ضربٌ من هوس ديني، يجعل الأسد مركز “معركة مقدسة “في سورية، وقضية كنسية روسية تتجسّد فيه شخصيا، يضمن وحده، من دون بقية خلق الله، بقاء سورية “بؤرة جيوسياسية روسية”.

مقال السيد ميشيل كيلو جعلني أستذكر البيئة الصحية والنرجسية للمجتمع السوري الذي عشنا نحن بعض فصوله الزاهية، وكيف كانت العلاقات الراقية والمتوازنة التي كانت تقوم على الحب والود والاحترام وتبادل المنافع بين أطياف النسيج السوري، وتذكّرها أمر يثير مكامن لواعج الألم لما صارت عليه في ظل الحكم الطائفي السادي المستظل بحزب البعث الشمولي، هذا الحكم الطائفي الذي مزق النسيج المجتمعي القائم على أثنيات عرقية ودينية ومذهبية، وفجر مكامن الحقد والحسد والغيرة والتنابذ والصراع والاقتتال في كثير من الحالات، وكان هو دائماً القاضي والحكم، حتى غدت سورية التي كانت تضم مجتمعاً يحيا في تعايش سلمي فريد يقوم على الحب والتعاون والإيثار وتبادل المنافع، والوقوف صفاً واحداً في وجه كل معتد أثيم يريد الوطن أو استقراره، ولعل مثل هذا التعايش كان الجدار المنيع في وجه المخططات الفرنسية (يوم احتلالها لسورية) التي كانت تريد زرع الفتن الطائفية والصراعات العرقية والدينية، وتمزق الوطن الواحد إلى دويلات ذات نزعات دينية وعرقية وطائفية، ولكن دون جدوى فقد كان الجميع يصطفون في خندق واحد هو نيل الاستقلال وطرد المستعمر الغاصب.

وأنا هنا لا أقول هذا الكلام جزافاً إنما أقوله مستنداً إلى حقائق ووقائع رويت لي وعشت بعضها، فهذا الشيخ المجهول (لقب أطلقته فرنسا على الشيخ أحمد الإمام) يقود مع صديقه المسيحي الدكتور أدمون رباط مظاهرة عارمة طافت شوارع مدينة حلب، وكان الشيخ يرفع بيده الإنجيل في حين كان الدكتور رباط يرفع بيده القرآن، وكانت المظاهرة رداً على ادعاء الفرنسيين أن المسيحيين أقلية مضطهدة في سورية ويريدون حمايتها، ومعظم السوريين يفتخرون بفارس الخوري المسيحي الذي رأس الوفد السوري إلى الأمم المتحدة ليعلن من على منصتها استقلال سورية عن فرنسا، وجاء تشكيله الوزارة بعد الاستقلال إدانة لفرنسا المستعمرة بأنها كانت تريد زرع الفتنة الدينية في سورية، وقلة من السوريين يعرفون أن فارس الخوري تسلم في إحدى الوزارات حقيبة وزارة الأوقاف، وأن المسلمين بكل طوائفهم ومذاهبهم والأقليات العرقية والمسيحية يعيشون في سورية في حب ووئام وتعاون لا مثيل له منذ فتح الشام وحتى ما قبل تربع الطائفيين على سدة الحكم، ويؤكد على ذلك ما جاء في كتاب الروائي والصحفي الفرنسي بيير لامازيير (مسافر إلى سورية) الذي زار المنطقة عام 1926 ووضع كتاباً عنها يروي إخفاقات سياسة الانتداب الفرنسي والمشاكل التي زرعها في الجسم السوري، ومما يرويه في كتابه رداً على نوايا فرنسا في تمزيق الدولة السورية إلى دويلات تقوم على العرقية والدينية والمذهبية قوله بحسب مشاهداته: “خمسة عشر يوماً انقضت، جرت فيها الانتخابات في ولاية حلب بأسرها، واجتمع المجلس المشكّل… وخلال الساعة الأولى من اجتماعه قام باقتراع جماعي، يؤكد ارتباطه بدمشق، هذا الارتباط غير القابل للتبديل. وللاحتجاج على محاولة ما قد يحصل لتقسيم جديد للأراضي الموضوعة تحت الانتداب، وللإعلان عن وفائه لفكرة الوحدة السورية، ولكي يظهروا بأنهم من خلال الاقتراع، يعبّرون عن شعور الشعب، هكذا حملوا نصف قنطار من الاعتراضات المزينة بتواقيع جميلة بخط اليد الأسود، ممهورة بأختام بنفسجية اللون، فحواها أن كل من له قيمة في سورية الشمالية يعلن أن حلب ودمشق لا تشكلان سوى جسم واحد له الدماغ نفسه، والأحشاء نفسها، وأن لب الضلع من اللحم لا يريد أن ينفصل عن العظم”.

كذلك كان حال الإخوة الأكراد الذين كانوا طيفاً مهماً من النسيج السوري، والأمثلة على العلاقات الكردية العربية أكثر من أن تحصى بأمثلة فقد كانت العرى وثيقة لدرجة عقد الزيجات والمصاهرات بين الطرفين على مر التاريخ، ويشهد على ذلك التوزع الكردي في مختلف المحافظات السورية وخاصة في دمشق العاصمة ومدينة حلب ومدينة حماة التي تسلم عدد من أبنائها الأكراد رئاسة الدولة السورية وأيضاً رئاسة الوزراء، وكان منهم وزراء ونواب وموظفين كبار في كل دوائر الدولة وقادة عسكريين قادوا الجيش السوري في فترات طويلة.

ويكفي الإخوة الأكراد فخراً أن منهم القائد صلاح الدين الذي حرر بيت المقدس وبلاد الشام من الصليبيين الغزاة ولم يفكر للحظة واحدة أن يقرب أبناء عرقه أو قوميته ويبعد باقي أطياف المجتمع الشامي، ولو عدنا إلى تاريخ حقبة صلاح الدين لوجدنا العجب العجاب من هذا الرجل في العدل والإيثار والبطولة والفداء، وإكراماً لهذا الرجل العظيم كان علينا تقدير الأكراد واحترامهم والتودد إليهم ووضعهم في بؤبؤ العين وفي فؤاد القلب.

وكان استثمار التجار السوريين لأموالهم في المنطقة الكردية من أهم عوامل التعاون وتبادل المنافع بين الطرفين، الذي أدى إلى ازدهار المنطقة الكردية لتصبح من أغنى المناطق السورية، التي تردف الاقتصاد السوري بمئات الملايين من الدولارات، فقد كانت حلب سوق الزيت والزيتون للأكراد، ذلك الزيت الشهير الذي تمكن التجار الحلبيين من إيصاله إلى معظم دول العالم، وكان يعرف (بالزيت الكردي السوري).

لقد عاشت الأقليات العرقية والدينية والمذهبية في سورية في حب ووئام واحترام ومواطنة متساوية على مر العصور والتقلبات السياسية التي عصفت ببلاد الشام منذ الفتح الإسلامي الأول وحتى إمساك الطائفيين بعنق السلطة في سورية عام 1963 تحت مظلة حزب البعث، فلم نكن نسمع بتمييز بين إحدى هذه الأقليات، ولم نسمع يوماً عن أي تماد أو اعتداء من قبل المسلمين السنة وهم الأغلبية على أي من هذه الطوائف الأقلية، ونؤكد على ما نقول باستعراض جدول الأقليات ونسبة تواجدها على التراب السوري، والذي وضعته فرنسا لتعتمد عليه في تفتيت سورية إلى دويلات طائفية وعرقية وقومية ومناطقية: (المسيحيون 6%، والعلويون 8%، والدروز3%، والإسماعيليون 3%، والشيعة (1) في الألف، وأقليات أخرى (1) في الألف) وكان المسلمون السنة يمثلون الغالبية العظمى (78%). وكانت كل هذه الأقليات المتنوعة مع الأكثرية المسلمة تدين بالولاء للوطن وهويته، فلا مفاضلة بين أحد أو تمايز فالكل تجمعهم هوية الوطن الواحد بلا أي معايير عرقية أو دينية أو مذهبية.

وجاءت الفئة الطائفية الباغية تحمل في جينات فكرها فيروس التفرقة العرقية والدينية والمذهبية، لتمزق النسيج الوطني السوري وتزكيه بنيران المفاضلة والتمايز وتباين المعايير بين زيد وعمر، فهذا يرث وهذا لا يرث، وهذا يُنصب وذاك يُغيّب، وهذا عميل وهذا وطني، وهذا خائن وهذا ثوري، وهذا يميني عفن وهذا تقدمي، وهذا رجعي وهذا يساري متفهم.. و.. و..إلخ.. وكان أقسى أنواع التمايز والتباين في معاملة الحكومة لمواطنيها حرمان ما يزيد على 300 ألف مواطن سوري كردي من هوية الوطن وجنسيته، وتهجير الآلاف من الإخوة الأكراد من موطنهم الأصلي في الجزيرة السورية، وإقامة ما سموه بالحزام الأخضر (إحلال العرب مكانهم).. وقائمة التمايز والكيل بمكيالين وتنوع الألقاب والنعوت والصفات والمفردات أكثر من أن تحصى أو يتذكرها المرء التي طبّعت هذه الفئة الطائفية الباغية فيها عقول الجماهير السورية على مدى نصف قرن تقريباً.. وهذا جعل من المجتمع السوري مجتمعاً مفككاً ينخر في جسده الفساد ويفرغه من قيمه الأصيلة التي عُرف بها على مر القرون، وبالتالي تفشت الجريمة والبطالة وهجرة رؤوس الأموال والعقول المبدعة والعمالة الفنية الماهرة، لتصبح سورية بعد غنىً وترف إلى شح وفقر وتخلف وتراجع في الصناعة والزراعة والتجارة، وفي بعض الحالات إلى جوع (35% تحت خط الفقر) والقضاء على الطبقة الوسطى المبدعة والمنتجة وجعل المال بيد حفنة من حيتان السلطة الذين يسيطرون على (95%) من الاقتصاد السوري، في حين لا تدخل مبيعات الثروات النفطية والمعدنية في خزينة الدولة، وحين تجرأ النائب رياض سيف إلى التساؤل في مجلس الشعب أين تذهب هذه الأموال قبض عليه ونزعت عنه الحصانة النيابية والقي به في السجن، وكذلك كان مصير البروفيسور عارف دليلة عندما انتقد السياسة الاقتصادية للحكومة.

وعن السياسة السورية الخارجية تحدث ولا حرج فهي سياسة متخبطة ومتذبذبة فتارة تسمع من إعلامهم أنهم بلد الصمود والتصدي والممانعة والتحدي، لتراهم في نفس الوقت يلهثون وراء أمريكا لتجمعهم في مفاوضات مع إسرائيل، التي لم تر الأمن والأمان في حدودها الشمالية مع سورية منذ قيامها كما هي الحال في عهد هذه الفئة الطائفية العميلة، التي فرطت بالجولان وقدمته هدية على طبق من فضة عام 1967 دون دفع أو مدافعة للعدو الصهيوني، الذي وقعت معه عام 1974 اتفاقية فك الاشتباك عند الكيلو (54).

الحديث عن سورية في ظل حكم الطائفة الباغية التي استظلت تحت مظلة حزب البعث الشمولي ذو شجون وآهات وإحن تمزق نياط قلب كل سوري حر وغيور على بلده ووطنه، وهو الآن يدفع ضريبة مطالبته بالحرية والكرامة شلالات من الدم والخراب والدمار والنزوح والتهجير والاحتلال، ومحاولة انتزاع عقيدته على يد مجوس فارس، الذين جاؤوا بكل أحقادهم الفارسية ليوقدوا نار معابدهم في دمشق العروبة والإسلام، التي انطلقت منها جيوش الفتوح ووصلت إلى أعماق الهند والسند وحدود الصين شرقاً وشمال أفريقيا وقلب أوروبا حتى فينا وباريس.

_________________

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

 

393 total views, 2 views today

الوسوم: , , , , ,

التنصيف : مقالات المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle