التصعيد الأمريكي الإيراني، والتخادم المشترك؟

  

 د. ناجي خليفة الدهان                                      

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية

       يروى أن أحد شيوخ القبائل جمع وجوه القبلية وقال لهم: أريد أن أبلغكم بأمر هذا (حمل) الشيخ أريده يرعى في كل المزارع ولا يمنعه أحد، على ألّا يزيد وزنه، فقالوا كيف يأكل في كل المزارع ولا يزيد وزنه؟! فقال: هذا ما أريد، وهذه مشكلتكم، فاجتمع الوجهاء يبحثوا عن حلّ لهذا اللغز، وطلبوا إلى حكيم القبيلة ليفتيهم في أمرهم، فبعد أن استمع لمطلب الشيخ، قال الحكيم: اتركوا الحمل يتجول ويأكل في كل المزارع حسب أمر الشيخ ولا يمنعه أحد، وأتوا بذئب واربطوه في وسط المزارع ليكون فزاعة له، فكلما مرّ الخروف بجانّب الذئب عوا علية فيرتعد الحمل من صوت الذئب ويفقد كل الطعام الذي أكله، وبذلك لن يزيد وزنه.

      لن أبحث في عمق التاريخ عن مواقف إيران مع كل الغزوات التي حدثت ضدّ الأمة الإسلامية على مرّ العصور بل سأقتصر على العلاقات الأمريكية الإيرانية لأكثر من ستين عامًا؛ منذ أن تدخّلت الاستخبارات الأمريكية للإطاحة بحكومة مصدق عام 1953م الذي أمم نفط إيران، وأعلن الديمقراطية ولاتزال ذكراه شاخصة في الذاكرة السياسية للشعب الايراني، وان إسقاط مصدق هو الذي أتى في خميني لاحقا، وأما العلاقات مع خميني قديمة قبل سقوط الشاه، حيث بعث أول رساله إلى الأمريكان وهو في الإقامة الجبرية عام 1963م والتي كانت تحمل توضيح موقفه من أمريكا حيث قال: (إنه لم يعارض المصالح الأمريكية في طهران بل إن الوجود الأمريكي ضروري لإحداث توازن ضد روسيا)، والرسالة الثانية في عام 1979 التي طلب فيها من جمي كارتر (أن يتدخل لدى الجنرالات الإيرانية لإفساح الطريق له للسيطرة على السلطة وانه سوف يؤمن حماية المصالح الأمريكية ومواطنيهم في ايران)، وبعدها فضيحة إيران غيت (إيران / كونترا) وأخيرا التعاون في إحتلال وتدمير العراق، هذا جزء يسير، وهكذا العلاقة عبر التاريخ وما خوفي كان أعظم .

     عملت الولايات المتحدة على تضخيم قوة إيران وجعلها قوة إقليمية كبيرة وإطلاق يدها في التمدد والتوسع، لتامين مصالحها واستخدامها كعدو دائم (فزاعة) لترويع الدول العربية، والتغاضي عن التمدد الإيراني في المنطقة بشكل كامل وبصورة خاصة بعد احتلال العراق عام 2003م وتسليمه لها.

     وإن التراشق الإعلامي المستمر بين أمريكا وإيران في المرحلة الحالية وفق إيقاع محسوب ومضبوط ، هدفها إظهار إيران كدولة قوية قابلة لتحدّي أمريكا، وبنفس الوقت تطمين دول العربية على أنها هي الحماية لهم ضدّ هذا التهديد من أجل إعطاء مبرر للتواجد الأمريكي في المنطقة والابتزاز، فيما أن الواقع على الارض يؤكد بأن إيران تزحف وتتوسع  سياسيا وجغرافيا، فبعد بغداد وصلت دمشق، وبيروت، وصنعاء، وما يزال الحلم الإيراني لاستكمال تطبيق نظرية (أم القرى) التي صاغها محمد جواد لاريجاني،  للسيطرة على الجزيرة العربية ضمن المدّة المحددة في الخطة.

     وهذا لا يعني أن أمريكا لا تختلف مع إيران، اختلافات فرعية أو تقاطع مصالح مرحلية، وإن إيران دولة قوية في المنطقة شيء مفيد للولايات المتحدة الامريكية، وكذلك إن أمريكا كقوة لا يمكن تجاهلها في المنطقة مفيد أيضا لإيران، والحفاظ على هذا القدر المشترك بينهما هو الثابت ويحقق المصالح المشتركة.

    السلبية والخوف وشيطنة الآخر، كلها سمات مميزة في العلاقات الأمريكية والإيرانية طول العقود الستة الماضية، لكن وسط هذا العداء العلني والاختلاف والكراهية المتبادلة، دائما ما كانت هناك همزة وصل ثابتة، وقناة تواصل سرية، وهذا جزء أصيل من تفاصيل علاقة التخادم الأمريكية الإيرانية.

     ورباط المثل المذكور (مع اعتذاري لكل الدول العربية المثل للتوضيح وان الأمثال تضرب ولا تقاس) إن امريكا تريد أن تجعل إيران دولة قوية لتكون (الذئب) فزاعة ترهب بها دول المنطقة لإيجاد مبرر في تواجدها في المنطقة، والاستئثار في السيطرة على موارد هذه الدول، مثل قصة الذئب والحمل.

    إن الغرض من هذا الأسلوب في التخادم وخلق الذئب في المنطقة، وتصدير الطائفية هو لخلق عدم الاستقرار وزعزعت الأمن في المنطقة، وتصدير الخوف والإرهاب إليها بشكل دائم، لمنع هذه الدول وإشغالها عن التقدم والتطور والبناء… لأنها تمتلك كل مقومات التقدم في حال تحقيق الاستقرار السياسي لدول المنطقة ، وإبقاء دول المنطقة مشغولة في التفكير في إنفاق ثرواتها في كيفية تطوير الدفاع عن نفسها تجاه هذه الاخطار، فهل يمكن التخلي عمّن يقوم بهذا الدور، هذا هو التخادم المشترك بين أمريكا وإيران ، فإيران هي الذئب الذي يهدد ويطوّر الأسلحة الصاروخية و النووية، وامريكا تحشد قواتها في المنطقة والذي أصبح اشبه في الاحتلال وتبيع الأسلحة بمليارات، والخاسر هو شعوب دول المنطقة لهدر الثروات وعدم الاستقرار، هذه هي المسرحية متى نفهم فصولها.

     ليس لأمريكا مصلحة في إيران ضعيفة في المنطقة لأن كل ما يجري لم ليكون لولا فزاعة (بعبع) إيران، وليس لإسرائيل مصلحة في غير أنها ضعيفة لأنها ستبقى وحدها هي العدو في الساحة، ولو ارادوا إيران ضعيفة لتم تحجيم دورها في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، ودول الخليج العربي، فالمطلوب إيران دولة مشاكسة تخدم المشروع الأمريكي الغربي هذا هو التاريخ العلاقة والتخادم المشترك فهل نتعظ؟!

______________

د. ناجي خليفة الدهان: دكتوراة في العلوم السياسية، باحث عراقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

305 total views, 3 views today

الوسوم: , , , , ,

التنصيف : مقالات المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle