التخادم المبين بين الإرعابين

 

 محمدصالح البـــــــــــــــــــــــــــدراني         

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية 

الإرعاب، أم الإرهاب:

     الإرهاب: كلمة أسيئ فهمتها وترجمتها فتحولّت من المعنى الإيجابي إلى الوصف السلبي حتى طغت على قواميس اللغة (Terrorism) لا تعني الإرهاب، بل تعني الإرعاب، والمعنى مختلف عن مدلول الكلمة، وحيث أننا نستقي المعنى من حافظ اللغة وهو القرآن الكريم، فإن  كلمة الإرهاب: تعني إظهار القوّة بما يمنع العدو من مباشرة حرب، فهو بالتالي سلوك وإعداد لمنع العنف، وإنذار لمن يتهيأ للقيام به، فالمعني القرآني يترجم إلى اللغة الأخرى (الإرهاب = Alarm, frighten)، ولا استطيع الجزم بأن هنالك تعمدًا وليس خطأ في الترجمة الذي ولّد انطباعا شوه المعنى القرآني الداعي للأمن وإيقاف هدر الدماء وترك المجال للتفاهم فالمعنى هو التخويف بمثابة الإنذار ولكي يلجئوا للمفاوضة، وربما هو ليس خطأ في الترجمة، وإنما لجعل نوعا من القدسية والقبول عند المتدينين الناشطين لدعوة الشواذ بتطابق الكلمة، بأن الكلمة واردة في القرآن بغض النظر عن المعنى الدقيق.

      أما الإرعاب: Terrorism فهو أن تمارس القوة في فرض رأيك، وهو ما يقوم به الشواذ في السلوك والتفكير والعقائد، وجنوح هؤلاء إلى خلق حالة من الفزع لعدة أسباب

     فهذا الارعاب لا يأتي من فراغ، بل هو انفجار أو تنفيس لحالات غير سوية نتيجة هيمنة السلبية على البشرية، وهي ظاهر قيحية لالتهاب في المجتمع، وعندما يعالج بطريقة سيئة أو يهمل أو يخضع لعلاج غير خبير، سيتطور المرض إلى مرض قاتل للمجتمع يتطلب الاستئصال، وليس الإرعاب نتيجة نصوص كتلك الموجودة في الكتب الدارجة اليوم من الديانات الابراهيمية الثلاث، وإنما من المعاناة والظلم الذي لا يتوقف وعيش ضنك وفقدان العدل ولا يرى وقع المساواة إلا في ألم الشعوب أحيانا كثيرة، تخادم الشذوذ والسلوكيات غير السوية دوما موجود، فالفساد يحتاج إلى اضطراب وفوضى، والفوضى مرتع ومهمة لنمو الإرعاب، كذلك الظلمة يتخادمون مع الإرعاب ويصنعوه لتبرير ظلمهم وإجراءات التعسف وإعداد قوانين تسكت المعترض او تزج المخالف خارج الحراك او إلقائهم في السجون .

    الإرعاب Terrorism منهج خطير وتشوه بنيوي قد يكون في دولة ذات مؤسسات، ففرض الرؤية بالقوّة هو واحد وضحاياه من البشرية لا يبرر كون القوة الممارسة للإرعاب ذات بنية مؤسساتية معترف بها دوليا أو أنها منظمة متمردة فكلاهما يسفك الدماء ويفرض رأيه بالقوة في إقلاق استقرار الشعوب.

الدول المحتلة، والتي تعجز عن اختراق المجتمع فهي ستواجه حالتين:

  1. الهدوء وهذا يتطلب جهدا إداريا ولوجستيا وقد لا يدع مجالا لتنفيذ مخططات الدولة المحتلة عبر وسائلها الخاصة أو فرضها على المجتمع.
  2. تواجه مقاومة عنيفة لا يمكنها السيطرة عليها…

في الحالتين ليس من مجال إلا أن تقوم بصنع جهات إرعابيه تقلق المواطنين بحيث تختلط عندهم الأمور فلا يكونون حاضنة للمقاومة أو حاضنة لصنائعهم أيضا، وهؤلاء عادة لا تقيدهم مروءة ولا حدود، فبالتالي تؤكل المقاومة بهذا الطفيلي وفي الوقت ذاته يكون قد خلق بيئة من الفوضى بحيث تمرر من خلال ضياع الرؤية كل المخططات التي قد يتبناها الناس أنفسهم في ضياع الوضوح، فالهدوء لا يبقي حلا إلا الحوار لإنهاء الاحتلال الشاذ وهذا سياتي بتفاضل المصالح وإدارتها، أي سياسة، لكن المحتل لم يأت ليأخذ حقا بل ليستولي على الهدف الضحية ويفترسها لا ليتفاوض معها.

الفساد في البلدان: عامل مهم في انتشار الإرعاب المنتظم تحت المؤسسات والإرعاب الخارج عن الدولة، ولكون ديمومتهما تعتمد على بعضهما فنادرا ما تجد فقدان للتناغم والتعاون بين عناصر الإرهاب المنتظمة في الدولة نفسها أو جوارها او ممن له مصلحة في إبقائها تحت الفوضى والضعف.

الإرعاب عدو مرن للدول التي تعاني غياب التوازن، هذا العدو ممكن اختياره وتحديد قوته وفاعليته، “الإرهاب الإسلامي” هذا  المصطلح لم يختر بسبب الدين فقط، بل لأن الدين يستفاد من ذكره في استحضار الخوف من الإسلام ومن خلال انطباعات تاريخية عن الحروب العثمانية في الدول الغربية، والعداء بينهما وتصوير العثمانيين بشكل معتدي في ردوده على هجماتهم المنطلقة غالبا من أسباب دينية لثيوقراطية كانت فاعلة آنذاك في الغرب، وما روج عن الاسلام في اثناء حروب الفرنجة (الحروب الصليبية كما يسميها الغرب)، ونقل عبر الزمن دون تمحيص لانتفاء الحاجة لذلك عند التعامل مع أمة دخلت في سبات فالعدو في هذا مستحضرة عوامله، هذا العدو  أصبح بديلا عن  الاتحاد السوفيتي لتحقيق التوازن السابق وفي أن يكون حجة للسيطرة على موطن الطاقة والسوق في الوقت ذاته.

الإرعاب مصدره التعصب: ليست كل الأمور في الحياة يمكن تحليلها على نسق واحد أو الإقرار بدوافعها جزما بأنها تعود إلى هذه الأسباب، لكننا حين نحلل نتخذ طريقا يبدو موقفا بيد أنه أحد الطرق في البحث عن الحقيقة، الأقلية من الناس التي توصف بالشاذة، ويقال إنها لا تمثل المجتمع، أو لا تمثل دين هي في الحقيقة مجمع لسلبيات التفكير والتفسير للقيم وفهم خاطئ تقليدي عاجز عن قيادة المجتمع والانعكاس المشاهد من سلبيات المذكورة وازدواجية الكلام في القيم وإدراك حقيقة التطبيق، فهي ورم مشير لالتهاب لكونه فاعل في جسد محموم.

في مجتمع واحد تجد المتعصب، وفيه تجد الإنسان، في مجتمع بني على النفعية تجد مشاعر وإصرار قيمي عالي لكفالة يتيم أو تفاعل إيجابي مع مشاعر إنسانية وتحمل مسؤولية ما يتبناه الانسان من قرار وبكل جدية، بينما تجد في مجتمع يتكلم بالقيم ويعلو من شأنها سلوكا مضادا لقيمه وأنا وتدني، لا نصرة لمظلوم ولا تبني ليتيم؛ عندها ستسأل لماذا؟ ؛ لماذا يهاجر أناس من الشرق ثم يعودون وكأنهم ما تعلموا شيئا من المدنية ولا من نمط الحياة الذي عاشوا فيه، وتجد أناسا في ظرف صعب يقود لتحصيل الحاجة والغرائز إشباعا بطرق ملتوية، لكنهم لا يفعلون هذا بل هم في رقي سلوكي، وعند إصدار الاحكام ينظر إلى السلبيات وبفرض أن الإنسان المنفرد لا يملك الأهلية فيحكم عليه من خلال الجمع بالإيجابيات، لكن ما يجري هو الحكم على الكل الصالح من خلال فساد الشواذ.

    هذا التلاقح السلبي، ومجتمع يقع تحت إعلام مضلل ماجور، يحاول جهده تغيير الوقائع وما يصب في مصلحة الظلم، وبالتالي يفقد كل شيء المصداقية، ويتولد الإحباط مع الحيرة، فتاتي مصالح لتوظف هذا الإحباط.

   الإرعاب ليس طبيعة بشرية وإنما هي فقدان للعزم أو التفكير السوي موظف لمصالح صانعيه، فالإرعاب في منطقتنا صناعة، ولا شك أنه في الغرب عبارة عن دمامل سلبيات الانطباعات والرهبة المخفية في نمط حياة، ونوع من الخوف على نمط الحياة أو انقراض عرق يتحول عند بعض من لديهم استعداد للقيام بفعل إرعابي ان يفعلوه بشكل منظم يوظف هذا مثل جماعة Ku Klux Klan  

     وهي منظمة مرعوبة من فكرة ضعف الجنس الأبيض، تسمى أخويات، لأنها تتضامن بشكل كامل وتعتبر أفرادها نسخا من بعضهم، وهنا نجد نقطة مهمة من الاستبداد داخل هذه المنظومات، التي تتضامن بالجريمة والأعمال الإرعابية، هذه المنظومات تستفاد من منظومات متطرفة وتلبس لبوس دين، فترتدي هي أيضا جانبا تبريري مدعوم من الدين فتجد حواضن لبقائها، فغاية الاخويات مثل التي ذكرناها إبادة مصدر الخوف، فهي تقوم بأفعال مباشرة كجريمة مسجد نيوزيلندا، لكي تمهد لمنظمات الإرعاب المرتدية لبوس الإسلام لتقوم بفعل مقابل، فتحس الدول المتقدمة تقنيا والتي فيها حقيقة بذور السلبية العنصرية والكراهية والإسلام-فوبيا ، لتستغل تفوقها التكنولوجي من قوتها في تدمير دول المنبع قبل أن تفقد هذه الدول قوتها في دورة التاريخ، هذه العقلية المريضة والانطباعات الخاطئة، تنعكس في نتائجها فتزداد هجرة المسلمين بحثا عن الاستقرار، ويزداد الخوف، لأن انطباعاتهم المناطقية وحصر الإسلام بالجغرافيا وانطباعات تعبويه أتت من التاريخ دون مراجعة او تمحيص تولد هذا الخوف المرضي.

إذن فالإرعاب هو دمامل مرضية، نتيجة السلبية والتقليدية والعجز عن وجود حلول لمشاكل المجتمعات أو تصحيح وضعها الحياتي، وليس فكريا وإنما يتغطى ويتمنطق بالفكر والدين، لإسعاف إيدلوجيا قيحية نازفة من سلبيات المجتمع وانحراف التفكير والجهل بحقيقة المعتقدات، وتدخل القوى بتوجه حياة الضعيف، والفساد والطغيان الذي هو في الحقيقة فعل بكتريا وجراثيم المجتمع التي لا تنتمي إلا للجشع

بالتأكيد أعتمد على تأمل القارئ وتفكيره لوضع هذه الرؤية في مسارها لإعادة تقييم وتقويم الإرعاب العالمي والشذوذ المجتمعي من الفاسدين والمختلسين والطفيليات التي تعيش على دماء الاخرين، أو كطيور تضع بيضها في أعشاش غيرها فتقتل من فيها وتقتات على رزقها ومن أمهاتها.

    الإرعاب فيروس يصيب هذه الناس فتقتل كل سليم، لها تفسيرها الخاص لكل القيم ولكن بشكل مشوه ضيق ظلامي لا يستقيم مع الآدمية كما خلقها الله، ترفض الكل والكل يرفضها، وما لم يعمل العالم في البحث عن الحقيقة الحضارية الفكرية، ويتعاون في التنمية المدنية، لتنتظم الأخلاق والسلوكيات فإن هذا الوضع سيستمر بالظهور مع علة المرض عند أصحاب المصالح، وأعجب ممن يصف الإرعاب بوصف دين وهو يقتل أهل ذاك الدين، سواء من الإرعابين في الشرق أو في الغرب، ولكن هذا العجب يتبدد عندما تقرأ المرض المتخفي في نفس الواصف من تعصب وطلب الاضرار بالأخر وليس الإصلاح، وذاك فعل ابليس، الذي لم يطلب من الله المغفرة نتيجة حقده وكراهيته لآدم بل طلب إمهاله إغواء آدم وذريته، وما نجى آدم إلا لندمه واستغفاره فكان من المرحومين رغم ضعف العزيمة وارادته بفعل خضعت به لرغبته فأنسته ما تعلمه من منع ففعله لكن بضعف التفكير وليس فسقا أو انحراف اليقين.

 و على الجميع أن ينتبه لنفسه، فالأنا وبذرة التعصب هي أم شجرة الإرعاب، فالإرعاب مرض كالسرطان، قد لا يبدو على المصاب به لكنه حتما قاتله مالم يعالجه باليقين، والكراهية أولى مظاهره وإن لم يرها الآخرون، لكنها تدوم بإفسادها للفطرة السليمة والاستسلام لتسللها الى النفوس، الآخر مثلك لا يشترط أن يكون سيئا لتكون انت الحسن، فالمعتقدات لا تؤثر في الدارج من الحياة وإنما هي قواعد السلوك، فإن كنت الأفضل كما تريد فاجعل سلوكك الأفضل واعط دوما المزيد، ولا تقول: إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت أو تظن أنك الأفضل وأنت عليهم وكيل، فآدم وإبليس نموذجان لمن فهم حقيقة الوجود.

      إن الأفكار الثيوقراطية والعنصرية والتقليد والفساد، كما وقف التفكير بدعوات تُزعم ولا تُفَعَّل كلها تلغي آدم وتحسم النصر لإبليس، فانتبهوا يا دعاة النهضة.

إن التنمية واجب البشرية اما المعتقدات فهي قيم أخلاقية تقود السلوكيات من أجل توفير جو أفضل لسلامة الخيارات ويقظة الفكر الادمي بدون ضغوطات، فالممتحن من الآدمي هو سلامة تفكيره إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) وهذا لا يأتي بالجبر والفرض وفقدان الأهلية، بل الاختيار الحر كحق من حقوقه وهو يؤدي في حياته إمتحان العزيمة وتوجيه الإرادة في رحلة حياة الأرض الى جنة الخلود.

_________

م.محمدصالح البـــــــــــــــــــــــــــدراني: باحث و مفكر عراقي. 
هذا المقال  يعبر  عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع. 

171 total views, 2 views today

الوسوم: , , ,

التنصيف : مقالات المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle