خامنئي وديكتاتورية إحباط جهود الإصلاح والانفراج “رئاسة روحاني نموذجاً”

  

د.نبيل العتوم                                       

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية                  

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية 

 

الجزء الثاني

     استكمالا للسلسلة البحثية التي يحاول مركز أميه من خلالها سبر شخصية مرشد الثورة الإيرانية “أية الله علي خامنئي” والتعرّف على سيكولوجيته وخلفيته العقائدية، وهذا الأمر يتبيّن من خلال القراءة في تأريخ العلاقات التي حكمت علي خامنئي بالسلطة في إيران ورؤساء الجمهورية السابقين واللذين كانوا على صدام مستمر معه، حيث مازالت حافلة بالصدام. فعندما كان خامنئي رئيسا في عهد الخميني، كان على خلاف مستمر مع رئيس وزراءه “مير حسين موسوي” في ثمانينات القرن الماضي وتطور ذلك الصدام ليصل لحد عزله من منصبه لولا تدخل المرشد السابق وما حدث في عام 2009 من صراع بين المرشح الأسبق مير حسين موسوي والمرشد علي خامنئي هو انعكاس لعلاقة الرجلين ببعضهما البعض، ويفسر موقف خامنئي من الوقوف مع نجاد ضد موسوي.

     قد يجد المتفحص أن الخلاف بين روحاني والمرشد ليس حقيقيا، فلو أخذنا في الاعتبار ماضي روحاني الوظيفي، فالرئيس الإيراني كان يعتبر -إلى ما قبل ترشحه للانتخابات الرئاسية- من أقرب مستشاري المرشد الأعلى علي الخامنئي! فقد شغل مناصب كثيرة منها: العضوية في مجلس الخبراء، وفي مجلس تشخيص مصلحة النظام، والمجلس الأعلى للأمن القومي وهي الهيئات التي تضع التوجهات الإستراتيجية لإيران بحسب الدستور ورئيس مركز البحوث الإستراتيجية کما كان كبير المفاوضين بالبرنامج النووي الإيراني في أكثر أوقات الملف تعقيدا، كل هذه المناصب تشير إلى أن الرجل ليس من الجناح المعارض بشدة في إيران حتى وإن كانت له بعض التوجهات الإصلاحية. روحاني بالنهاية هو “رجل دين” تربى بمدرسة الثورة الإسلامية.

     ولكن العلاقات اليوم بين الاثنين كما تبيّنه صورة المرشد مع روحاني هي علاقة لا يمكن أن تعبث بها رياح المتغيّرات الداخلية، و لا الإقليمية، وذلك لعدة أسباب منها: أنّ روحاني على عكس الرؤساء السابقين يتمتّع بقبول واسع بين القوى الأمنية في إيران و قادة الحرس الثوري، و تيارات متصادمة هي تيّار البراغماتي الذي يقوده رفسنجاني، و تيّار الإصلاح بقيادة خاتمي الرئيس الإيراني الأسبق، و كذلك تيّار المرشد. ولروحاني علاقة قوية يعول عليها في إدارة حوار سريع مع الغرب لتجاوز العقوبات الدولية المفروضة على إيران بسبب برنامجها النووي؛ وهو ما شكّل ضائقة اقتصادية كبيرة زاد من حدتها وقوف إيران إلى جانب النظام السوري وتمويل اقتصاده على مدى عامين من العقوبات المفروضة عليه، ما حدا بالدول الغربية إلى الترحيب بانتخاب روحاني ومحاولة استمالته لتليين مواقفه تجاه الملفات العالقة مع الغرب، وبالذات الملف النووي، والأزمة السورية.

    إنّ العلاقة التي تربط الرئيس روحاني بخامنئي يشوبها الكثير من التعقيد، وهي ملتبسة في الوقت نفسه، كما أن علاقة أركان النظام بعضهم ببعض غير واضحة. إنّ قبول خامنئي بترشّح روحاني لرئاسة الجمهورية لا يعني أنهما على صراع، أو وفاق تام، بقدر ما هي علاقات مصالح لخدمة النظام، الأمر الذي يحتّم على المرشد قبول أو رفض من يتولّى منصب رئاسة الجمهورية، وإن تصالح خامنئي مع روحاني يمكن وصفها على أنها مصلحة إستراتيجية، ولكن عندما عجز النظام عن مواجهة التحديات الخارجية دون أن يتخلّى عن مبدأ الصراع في الداخل والخارج.

    لقد عوّدنا خامنئي فيما سبق بأن يصف نجاد على أنه هو الأقرب إلى أفكاره من بين من ترشّحوا لرئاسة الجمهورية قبل ثمانية أعوام ولكنّ سرعان ما تبدلت الأمور، و تحوّلت تلك العلاقة التعاونية إلى صدام على مقياس متعدد الدرجات، و رفض نجاد لتطبيق أوامر المرشد وتعليماته.

ومنذ تولي حسن روحاني، رئاسة إيران في إيران أعطى هو ووزير خارجيته محمد جواد ظريف إشارات غير مسبوقة نحو الولايات المتحدة، بما في ذلك المحادثة الهاتفية بين روحاني والرئيس باراك أوباما، التي كانت أول اتصال مباشر بين البلدين منذ الثورة الإسلامية عام 1979.

ما الذي حدث مع الرئيس الإيراني روحاني بعد إطلاق عجلة المفاوضات مع الغرب؟

    تجد إيران اليوم نفسها داخل منطقة وصلت لأقصى درجات الاضطراب وعدم الاستقرار، كما ان تحالفات إيران التاريخية قد دخلت اختبارات صعبة وخصوصا التحالف مع النظام السوري الذي تعرض للتهديد بقوة وبطريقة متصاعدة بدأً من عبور الجماعات الإسلامية المسلحة عن طريق الغرب وتركيا وحتى التهديد بإسقاط نظام دمشق الممعن بقتل شعبه بلا رادع، الأمر الذي كان سيترك أثارا سلبية على إيران وقد تقضي على طموحاتها بلعب دور القوي في المنطقة.

     فإن الشيء الذي اتفق عليه الجميع أن الخطوات الأخيرة التي اتخذها روحاني تظهر بوضوح رغبة إيرانية في تناول الملف النووي بشكل مختلف عن أسلوب الرئيس السابق أحمدي نجاد، رغم تشكيك البعض بأنهم سبق ورأوا هذا النوع من الإشارات الايجابية في عهد خاتمي.

أما الأمر الثاني: فهو الخطوات التي اتخذها الرئيس الإيراني روحاني، واعتبرت تعزيزا لسيطرته علي هذا الملف الشائك مثل تعيين وزير الخارجية محمد جواد ظريف مسؤولا عن الملف النووي، مما يتيح له فرصة التحرك بهذا الملف للأمام، ثم الدعوة التي لفتت أنظار الجميع، الخاصة بطلبه من الحرس الثوري الإيراني الابتعاد عن ممارسة السياسة رغم ما هو معروف عن اعتيادهم لعب أدوارا سياسية تحت قيادة المرشد العام. هذه الدعوة المجردة لم تكن تعني شيئا لولا أنها ترافقت في اليوم التالي بدعم المرشد العام علي خامنئي الذي أثنى في خطاب له على الدور الذي تلعبه الدبلوماسية داعيا لقدر من المرونة فيما يخص هذا الملف فيما اعتبر تأييدا من المرشد لهذا التوجه واشارة للمحافظين بعدم عرقلة جهود روحاني.
       كما اعتبر أيضا دليلا على قدرته في تدعيم موقعه الرئاسي خلال فترة وجيزة والسيطرة على هذا الملف بتفويض مباشر من المرشد الأعلى.

    وبعد تصريحات خطيرة أطلقها الرئيس الأسبق محمد خاتمي أعلن فيها عن وجود “فرقة اغتيالات” خاصة لاغتيال الرئيس روحاني واغتيال آخرين يؤيدونه للتخلص من “التغيير والإصلاح بالقوة” وبطرق مختلفة طالب بادمجيان خاتمي بتقديم ما لديه من معلومات إلى وزارة الاستخبارات بدلاً من التحدث بها للجمهور ووسائل الإعلام.

    وأشار خاتمي في تصريحات جديدة له إلى محاولة التعرض لسيارة الرئيس روحاني بعد عودته من نيويورك قائلا “أخشى أن يختم المتطرفون أعمالهم بالاغتيالات” مشيراً إلى محاولة اغتيال أحد أبرز الإصلاحيين سعيد حجاريان عام 1999 من قبل سعيد عسكر بعد فتوى أصدرها رجل الدين المتشدد آية الله محمد مصباح يزدي، زعيم مدرسة الحجتية حاليا في إيران.

    لكن هذه الجهود الدبلوماسية والمحاولات الحكومية الواضحة للتخفيف من حدة اللهجة العدائية للولايات المتحدة أحدثت حالة من الغضب بين مؤيدي المحافظين المتشددين الذين يلقبون الولايات المتحدة ب «الشيطان الأكبر»، ويرون أن أي تقارب مع واشنطن خيانة لمبادئ الثورة.
أي خلاف قد ينشب الآن بين الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني والمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي، أمر منطقي. فروحاني وصل إلى كرسي الرئاسة بدعم من الإصلاحيين وفعل خلال برهة وجيزة ما لم تفعله إيران منذ ثورة الإمام الخميني عام 1979، عندما تحدث مع الرئيس الأميركي باراك أوباما هاتفيا وطمأن العالم حول برنامج بلاده النووي وأطلق خطابا تصالحيا مع الغرب. وهذا الأمر يرتبط بشخصية الرئيس وعلاقاته بالقوى المختلفة.

محاولات التضييق: مراحل إقصاء روحاني عن منصب الإرشاد.

 أولاً: استجواب روحاني

      تمكن النواب من استدعاء رئيس الجمهورية إلى البرلمان، بعد استجواب وعزل وزيرين في الأسبوعين الماضيين. ذهب “حسن روحاني” إلى “بهارستان” مقر مجلس الشورى للإجابة على خمسة أسئلة. وسأل أحدهم حول مكافحة التهريب، والآخر حول البطالة الواسعة؛ وثلاثة آخرين عن الركود الاقتصادي الحاد، وزيادة أسعار الصرف، وسقوط قيمة العملة الوطنية. لكن جوابا واحدا لم يقنع النواب، ووفقا للمادة 88 من الدستور الإيراني: يمكن لربع عدد البرلمانيين أن يسألوا رئيس الحكومة “رئيس الدولة” حول القيام بمهامه. وفي ردة فعل أخرى، قام ٧٠ عضوا برلمانيا بتسليم مشروع استجواب “محمد شريعتمداري” وزير الصناعة والمعادن إلى رئاسة البرلمان. في نفس الوقت قال المتحدث باسم لجنة التعليم والبحوث في البرلمان الإيراني: إن النواب لم يقتنعوا بشرح وزير التربية “محمد بطحائي” وقريبا ستبدأ دعوته لاستجوابه. في الأسبوعين الأخيرين، بعد أن تم استجواب والإطاحة بوزيري العمل والاقتصاد.

     هذا ومن المقرر أن يتم يوم الأحد القادم وفي جلسة يحضرها الحقوقيّون من النواب الإعلان عن تحويل هذه الأسئلة المطروحة على رئيس الجمهورية إلى السلطة القضائية. لكن الانجاز الدعائي الذي تمّ في نهاية المطاف هو تمكن النواب من إحضار رئيس الجمهورية إلى مجلس النواب بعد أن تم استجواب وزيرين من أعضاء فريقه الوزاري قبل أسبوعين، ومن ثمّ عزلهما من منصبهما، استمع النواب إلى الإجابة المقدمة من رئيس الجمهورية، في المحصلة   أن الرئيس روحاني رسب في الامتحان، ولم تكن هذه الإجابة مقنعة بالنسبة لهم سوى ما أجابه الرئيس على واحد من هذه الأسئلة الخمس.

    وقد أشار رئيس الجمهورية في معرض ردّه على هذه الأسئلة إلى الاحتجاجات والمظاهرات التي جرت في شهر كانون الأول من هذه العام كانت من أبرز الأسباب التي أدّت إلى خلق هكذا مشكلات في البلاد، لكنه لم يكن بمستوى الجرأة أن المرشد خامنئي وتياره هم اللذين دفعوا باتجاه اندلاع هذه التظاهرات، لتشويه صورة روحاني والاصلاحين، لكن السحر انقلب على الساحر، وأطلقت التظاهرات شعارات تجاوزت السقف لتنادي بموت روحاني، والديكتاتور خامنئي وتطالب برحيلهما.

     اعترف روحاني بوجود أخطاء، لكنه بررها جميعًا. وكان عاجزاً عن الحديث بشكل مباشر على أن الاقتصاد بيد المرشد والحرس الثوري، ولا حول له ولا قوة وفي الوقت نفسه اعتبر النائب الاصلاحي “علي رضا جلايي بور” أن طريقة “روحاني” في الإجابة على الأسئلة كانت صحيحة وقال: ولم يلجأ “روحاني” إلى توتير الأجواء للخروج من المشاكل، وهنا يقصد طبعاً الزج بالمرشد وحرسه الثوري.

      وعندما استمعت إلى خطاب روحاني أمام مجلس الشورى لاحظت تركيزه على أمور مهمة، لم يركز عليها الإعلام! إن الرئيس قد فشل في تحقيق تطلعات الشعب فيما يتعلّق بالمستقبل الإيراني، وهذه معضلة كبيرة، وفشل كذلك في إيجاد فرص عمل.  مما يُشكل قلقا كبيرا له ووصل إلى نتيجة أن سعر صرف الدولار مقابل التومان يشكل كابوساً له، إلّا أنّ جميع هذه الأمور مقابل ثقة الشعب والثقة به لا تعادل شيئا على الإطلاق، قد فقدت تماماً حسب زعم روحاني، لكن الرئيس روحاني بدا عاجزاً عن الوقوف أمام سيناريو تشويه صورة كل الشخصيات الإيرانية بدءاً به، وبخاتمي، ومروراً بنجاد… و اغتيال بعضهم كرفسنجاني…والقائمة تطول طبعاً، لتحطيم الكاريزما الخاصة بهم لتقلد منصب الإرشاد، لأن التحضيرات قد بدأت  فعلياً، لتشويه صورة المنافسين والفرقاء، بعد تداول أخبارا وتسريبات أنه جرى التوافق حول شخصية المرشد القادم  بين خامنئي والحرس الثوري، وعدد محدود من أركان النظام الثوري.

ثانيا: الإطاحة برموز حكومة روحاني

    قال الرئيس الإيراني: “حسن روحاني” في اللقاء السنوي العام للبنك المركزي الإيراني: “إذا اضطلعت وزارة الخارجية بالمسؤولية الملقاة على عاتقها، فهي تمثل الشعب، في الوقت الحاضر يعتبر كل من البنك المركزي ووزارة النفط خط المواجهة الأمامي. وطبعاً بقية الوزارات وخاصة وزارة الاقتصاد تقع في الخط الثاني، لكن الخط الأول يتعلق بثلاثة أشخاص، وزير الخارجية والنفط، ومحافظ البنك المركزي، فقد كانوا بمثابة القوة المرابطة في الخط الأمامي وما زالت “. وفي هذه الأثناء قال عضو لجنة الوصاية التابعة لمجلس النواب في بيان له إن استقالة السيد “ظريف” جاءت للهروب من المساءلة والاستجواب. بدوره أعرب وزير الخارجية الإيراني “جواد ظريف” بعد الاستقالة من خلال رسالة أرسلها بواسطة الإنستغرام. على أن تكون استقالته هذه وخزه تعيد وزارة الخارجية إلى مكانها القانوني. ونقل الموقع الإلكتروني المسمى “انتخاب” وهو من المواقع المقربة من الرئيس “روحاني” عن “ظريف” قوله: بعد صور مقابلة الرئيس السوري مع روحاني وخامنئي، وزارة الخارجية لم يعد لها قيمة في العالم.

   بموازاة ذلك قال وزير الخارجية الأمريكي: “مايك بومبيو” في تغريدة له كردة فعل على استقالة “ظريف”: إن “ظريف” والسيد “روحاني” هما جزء من مافيا مذهبية فاسدة وأضاف، نحن نعلم أن القرارات النهائية هي بيد آية الله “خامنئي”. لذلك لن تتغير سياستنا إزاء إيران. واستطرد “بومبيو” يقول: يجب على الحكومة الإيرانية أن تحترم شعبها، في حين قال الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية: إن واشنطن تراقب.

     ولكن ماذا عن استقالة “ظريف”، لا شك بأن اللغط والتكهنات حول هذا الموضوع قد بدأ من خلال وسائل الإعلام والمواقع الالكترونية كالنار في الهشيم، والسؤال المطروح ما هي الأسباب التي دفعت “ظريف” إلى الاستقالة؟ سوف نرصد عدة أسباب دفعته لاتخاذ هذه الخطوة، حيث يقول بعض المراقبين: إن الاستقالة صورية والهدف منها الحصول على تفويض أكبر على صعيد السياسة الخارجية التي تتبع فعلاً للمرشد والحرس الثوري، التي بنت مؤسسة موازية عرابها وزير الخارجية الأسبق “علي أكبر ولايتي” المستشار القوي للمرشد في العلاقات الدولية، الذي كان ولازال يمسك بالملفات المحورية التي يكلفه بها المرشد والحرس الثوري الإيراني على صعيد السياسة الخارجية الإيرانية تجاه الأزمات الإقليمية والعلاقات مع الغرب.

     السبب الآخر: يتمحور حول دور المؤسسات الأمنية الإيرانية التي أحرجت روحاني وظريف. ففي الوقت الذي حاولت فيه التقارب مع الدول الأوروبية كطرف ضامن للاتفاق النووي وحثه على تقديم المزيد من الحوافز للتخفيف من حدة العقوبات الأميركية، كانت المخابرات الإيرانية مشغولة بتنفيذ سلسلة من الاغتيالات في أوروبا، والتحضير لتفجير مقر المقاومة الإيرانية “مجاهدي خلق”، ما أحرج الدبلوماسية الإيرانية، وجعل ” الدبلوماسي الضاحك ظريف إلى الجلوس في بيته وغلق هاتفه لأكثر من أسبوعين، احتجاجاً على ما يجري، ودفع الدول الأوروبية لتوجيه تحذير شديد اللهجة إلى طهران، أعقبه فرض عقوبات على جهاز المخابرات الإيراني، والطلب من طهران تفكيك محطاته الأمنية في أوروبا على الفور.

     لا شك أن “ظريف” غاضب على “روحاني” لضعفه وعدم قدرته على حماية وزرائه أمام حملة الاستهداف الممنهج من جانب الجناح المتشدد الذي كال أشد الاتهامات وأكثرها شراسة “لظريف”، واتهامه بالتأمر مع الغرب، والتجسس على إيران ولصق تهمة عميل جهاز المخابرات البريطاني إم أي 6، ومحاولات تدمير الدولة الإيرانية من خلال توقيع الاتفاق النووي الذي يعتبر “ظريف” عراب إبرامه.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقد تم تهميشه عن الاجتماع الذي تم مع “بشار الأسد” سواء مع خامنئي أو روحاني، وتم الاستعاضة عنه بقاسم سليماني، وهذا يعني أن المرشد الأعلى قد أمر بتحديد صلاحياته.

اللافت أن ” ظريف “قد اختصر كل ما قيل في استقالته بجملة واحدة أنه استقال مكرها، وتجدر الإشارة أن التسريبات الواردة من طهران تشي إلى أنه ليس هناك من شيء لتقوم به وزارة الخارجية الإيرانية، وفي الأشهر الأخيرة، كانت الوزارة مقفلة، ولم يكن لها نشاط يذكر، لا في دائرة الشؤون الأوروبية ولا في دائرة الشرق الأوسط ولا في دائرة الشؤون الأمريكية ولا في دائرة شؤون الشرق الأدنى. وفي الواقع كانت سياسة السيد “ظريف” بخصوص الشرق غير نابعة من قناعاته؛ بل كان منفذا لسياسات تملى عليه من مكتب المرشد بشكل كامل. لكل هذا لم يكن أمامه من خيار سوى الاستقالة.

    القوى المتشددة، والمقربة من خامنئي”، كانت ردود فعلهم المعلنة تتلخص في أن “ظريف” أو غيره من المسؤولين، يجب أن لا يتجاوزوا حدودهم، وعليهم أن ينفذوا كل ما يأمر به المرشد الأعلى خامنئي فقط، دون أن يتحمل سماحته أي مسؤولية. في نهاية المطاف ما يجري اليوم في إيران بمثابة معركة كسر عظم، ومؤشر السياسات العامة الإيرانية، لا سيما الخارجية، فإن الحرس الثوري هو المعني بضبط إيقاعها، وسنشهد على الأرجح زيادة في اجتهاد إيران لخلق المزيد من التوتر مع المجتمع الدولي، ومع المحيط الإقليمي لها.

ثالثاً: خامنئي وتشويه صورة روحاني شعبياً:

    قال الرئيس الإيراني “حسن روحاني”، إن المشكلات الاقتصادية التي تعصف بالبلاد اليوم لا يمكن حلّها من خلال حكومات عسكرية، كما أكّد “روحاني”، في جلسة رئاسة الوزراء “أنّ الحكومات العسكرية تلزم بعض الشيء، إلا أن الاولوية للحكومات تكمن في إزالة حالة التوتر التي يعيشها المواطن ، والعمل على غرس الثقة فيه، وفي هذه الجلسة دعا “روحاني”، رؤساء السلطات الثلاث إلى التعاون لحل المشاكل المعقدة التي باتت تعيشها إيران، حيث تستوجب المرحلة الآنية تكاتف الجهود المختلفة من جانب  السلطات الثلاث، والقوات المسلحة، والشعب لتجاوز هذه المرحلة. حديث ” روحاني جاء رداً على تصريحات النائب العام في إيران “محمد جعفر منتظري”، التي أدلى بها في أثناء مؤتمر صحفي موسع، حيث أكد فيه أنّه إذا اقتضت الحاجة فسيتمّ التحقيق مع الوزراء، فيما يتعلّق بالملفات الاقتصاديّة، وقد هدد النائب العام بنبرة غير مسبوقة موجهاً اتهامات مبطنة لحكومة “روحاني”، أنّه في الوقت الذي تنتشر فيه هذه الملفات على الملأ ستتمّ مقاضاة المتورطين في هذه الملفات على العلن. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ تصريحات النائب العام جاءت بعد يوم واحد من إقرار وتبليغ الضوابط الإعلاميّة من قبل رؤساء السلطات الثلاث في إيران، حيث اجتمع كلّ من “حسن روحاني”، و”علي لاريجاني”، و”صادق لاريجاني”، وتحدثوا في جلسة عقدت مؤخرا للمجلس الأعلى للتعاون الاقتصادي الذي شرع بعمله منذ شهر أيار الماضي، ووفق ما أعلنه المسؤولون في إيران تهدف هذه السياسات الإعلامية إلى إعادة الهدوء والاستقرار إلى السوق الاقتصادي، كما تهدف إلى مكافحة ما أطلقوا عليه الحرب النفسيّة.

      يحاول الرئيس الإيراني جاهدا الإشارة إلى أن المشكلة الرئيسة في الاقتصاد الإيراني هي حرب نفسية من قبل الأعداء.

 من المؤكد أن النائب العام لا يتحدث من تلقاء نفسه موجهاً اتهاماً مباشراً لحكومة روحاني على هذا النحو، دون توجيه ودعم من خامنئي، حيث بات “خامنئي” نفسه يحمّل الحكومة المسؤولية كاملة عما يجري، في الوقت الذي يُريد فيه “روحاني” وحكومته النأي بالنفس عن الاتهام. بعد تصريحات “خامنئي” التي اتهم فيها الحكومة بالتقصير الكبير، في السيطرة على معدل التضخم، وقيمة العملة الوطنية، تم حذف الجزء المتعلق بهذا التصريح من المواقع الفارسية داخل إيران بعد نشرة بساعات معدودة، رئيس السلطة القضائية “صادق لاريجاني” دخل على الخط بقوة، حيث دعا في رسالة عبر الإعلام؛ إلى اتخاذ تدابير خاصة، للتصدي بشدة وبسرعة قصوى، محذراً من التراخي، مع المخلين بالاقتصاد والتصدي للانتهاكات الاقتصادية، مع الأخذ بعين الاعتبار؛ الحرب الاقتصادية مع الأعداء.

    وفي هذا الصدد كتبت وكالة أنباء “ميزان”، المرتبطة بالسلطة القضائيّة أن هذا المجلس قد أقرّ مجموعة من السياسات الإعلامية الضخمة لمواجهة ما يسمى بالحرب النفسية الاقتصاديّة، كما تهدف هذه السياسات لبثّ الأمن والاستقرار في السوق، ومن القرارات التي اتخذت في هذه الجلسة محاربة الفساد الاقتصادي، والعمل على إيجاد توازن في حجم الصادرات بما يتناسب وتأمين الحاجيّات الأساسية للمواطن الإيراني. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ العمل على إعادة الاستقرار إلى السوق المضطرب، وآلية مواجهة هذا الانهيار غير المسبوق في العملة الإيرانية كان ومنذ أمد الشغل الشاغل للقيادات الإيرانيّة المختلفة التي فشلت لغاية الآن ايجاد حلول لوقف هذا الانهيار غير المسبوق، ولتحقيق هذه الأهداف فقد تمّ الاطاحة بمحافظ البنك المركزي الإيراني، وطرح حزمة ماليّة جديدة، إلا أنّه بقيت قيمة التومان منخفضة أمام الدولار إذ وصل سعر صرف الدولار الواحد إلى أكثر من 10000 آلاف تومان. ما جعل ” خامنئي ” يقرع جرس الخطر أكثر من أربع مرات على التوالي خلال الأسبوع الماضي محملاً أسباب المشكلة الاقتصادية لأسباب داخليّة بحتة، بالإضافة إلى دور المسؤولين التنفيذييّن الممسكين بالقرار في إيران، في الوقت نفسه لم ينفِ المرشد الأعلى الدور الذي لعبته العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

    والآن فقد وضع “خامنئي”  الكرة في ملعب الحكومة الإيرانية، بينما اعتبر الرئيس الإيراني أن العامل الرئيس لظهور المعضلة الاقتصاديّة هو تلك المظاهرات والاحتجاجات التي قام بها المواطنون الإيرانيون في شهر كانون الثاني الماضي، وبينما يشتدّ الحديث عن محاربة الفساد الاقتصادي والمفسدين يدخل رئيس قوات التعبئة “غلام حسين برور”، على خط الأزمة بقوة، محذرا تلك الفئة المحتكرة بالإفصاح عن أسمائهم في المستقبل القريب، وفي هذه الصدد يقول: إن دخول قوات التعبئة على خط مكافحة الفساد الاقتصادي قد جاء بالتنسيق مع السلطة القضائية، وفي السياق ذاته قال رئيس شرطة طهران “حسين رحيمي”:إنّه تمّ استدعاء ما يقارب 850 شخصا على صلة بالتجاوزات التي حصلت في سوق العملة والذهب، وما زالت التحقيقات جارية معهم. وفي هذا الصدد نشرت بعض وكالات الأنباء الإيرانية أسماء عشرة أشخاص من كبار مشتري الذهب في إيران. لكن هل ستسهم هذه الاستراتيجيات المعلنة من قبل القيادات في إيران في إعادة الاستقرار إلى السوق المضطرب أم لا؟ “

بالتأكيد لا، فالمسألة أكبر من ذلك بكثير، ما يحدث في إيران لا يتعلّق بهذه المرحلة فحسب، إنما يعود إلى أربعة عقود خلت من الفساد والخراب المستشري في جسد الدولة الايرانية، حيث ترتبط ارتباطا وثيقا بالمرشد الأعلى، وقوى أخرى تنضوي تحت عباءته، مثل الحرس الثوري، وقوات التعبئة والسلطة القضائية، والنخب الحافظة التي تقلدت مواقع تنفيذية كثيرة، وامتهنت السلب والنهب.

 المؤكد الثاني:  ما الذي يريده الجناح المحافظ من التلويح باعتقال أعضاء الحكومة، لا شك بأن طبيعة عمل هذه التيارات هي طبيعة مبرمجة، لذا تسعى هذه التيارات لتحويل الاقتصاد الإيراني سيّما في هذه الظروف إلى اقتصاد أمني بحت من خلال توظيف قوات التعبئة والحرس الثوري، وعلى الأخص المخابرات التابعة للحرس الثوري، حيث يسعى لإيجاد حالة من عدم  الأمن داخل الدولة الإيرانية للإطاحة بروحاني وحكومته، فهذه القوى التي تسيطر على بيع الدولار والذهب، وتغدق الأموال على وسائل الإعلام والصحفيين لزرع اليأس في الإيرانيين، ما تعيشه إيران اليوم في ظل الظروف الراهنة هو امتداد لاختلافات أربعة عقود مضت ما بين تيار المحافظين والتيار الإصلاحي  في إيران، أما الإيرانيون فهم اللذين باتوا يدفعون الثمن الباهظ .

السلطة القضائية لديها رؤية مثيرة جدا فهي تعتقد بأن المشكلات الاقتصادية الإيرانية؛ لا تحل إلا بإعدام البعض ومحاكمة البعض الآخر. وأن لديهم المعلومات والاتهامات الكافية، والآلية اللازمة للتنفيذ. لأنها سلطة “خامنئي”، وعصاه الغليظة    التي يستطيع من خلالها ضرب الخصوم والمنافسين، وهي فرصة مناسبة لتصفية المعارضين لسياسات.

“فروحاني” يعارض رؤية المرشد! لكن هل سيؤدي ذلك إلى نوع من المواجهة بين الجناحين الرئيسيين؟ وهل تملك حكومة “حسن روحاني” أدوات للمواجهة؟  

    وحقيقة الأمر أن التيار المتشدد؛ يريد أن يقنع عامة الناس، وبخاصة الطبقات الفقيرة والمتدنية الدخل، والشرائح المعدمة، بأن أساس المشكلات الاقتصادية في إيران، يعود إلى سياسات حكومة “روحاني”، وإلى التساهل الذي تبديه بحق الفاسدين اليوم في إيران؛ لكنهم نسوا أن أصحاب “خامنئي” وزمرته هم أصحاب النفوذ الحقيقيين في إيران، وهم الذين يهيمنون على الاقتصاد الإيراني، ويتربعون على كراسي السلطة في البلاد. مثل عائلة خامنئي وأبنائه، وعائلة   “لاريجاني”… وقادة الحرس الثوري والمخابرات والبسيج … حتى أخوة الرئيس روحاني وزمرته لم تسلم من عمليات النهب المنظم للاقتصاد الإيراني.

      النتيجة الحتمية أن ما يجري في إيران قد مسخ مكانة الدولة وهيبة قياداتها،  وعلينا ألا ننسى أن تيار المحافظين  هم الذين وقفوا وراء مظاهرات مدينة مشهد، خلال شهر ديسمبر من العام الماضي، وقد كانوا يهدفون من وراء ذلك، بأن يهتف الناس ضد حكومة “روحاني”، وأن يرددوا شعار الموت لـ”روحاني” في شوارع المدن، كما أراد الأصوليون أن يهتف الناس ضدّ سياسات “روحاني” الاقتصادية، ويطيحوا بحكومته، لكن الأوضاع خرجت عن سيطرتهم وراح الناس يهتفون ضدّ النظام، والموت للثنائي “خامنئي، وروحاني”، ويطالبون بإسقاط النظام ، ويبتهلون إلى الله بعودة النظام الشاهي من جديد .

رابعًاً: روحاني ومؤامرة تفكيك الدولة الإيرانية 

     سارعت وسائل الإعلام الإيراني بضخ اعلامي غير مسبوق لتشويه صورة روحاني، فها هي صحيفة إيران القريبة من الجناح المحافظ، قد أفردت على مساحة واسعة من صدر  صفحاتها لمناقشة بيان جبهة الصمود القريبة من رجل الدين الأصولي” آية الله محمد تقي مصباح يزدي” الأب الروحي لأحمدي نجاد ولتيار الحجتية  تحت عنوان “سيناريو مكرر لصناعة يلتسن”، والتي حذّر من انهيار إيران على أيدي حسن روحاني والإصلاحيين، متخذة من سيناريو انهيار الاتحاد السوفيتي خلال حكم بوريس يلتسن أنموذجا لها، وذكرت “أن كتابة الإصلاحيين لرسائل للتفاوض مباشرة وبدون قيد  أو شرط مع دونالد ترمب من طرح استجواب، وعدم كفاءة روحاني وجميع هذه الاستراتيجيات السياسية والاقتصادية التي يتبناها هو وحكومته يشير إلى أنهم أعدوا بديلًا عن حسن روحاني، كي يسرع  هذا الطريق-تدمير النظام والثورة معاً.

     بالفعل تعيش إيران فترة تخبط غير مسبوقة على كافة الصعد من رحلة انهيار التومان، وتبني سياسة الازدواجية في الصرف للعملة الوطنية بسعرين مختلفين، الأولى للسلع الخاصة والمواد الخام والسلع الضرورية التي يحتاجها الشعب الإيراني بشكل يومي، والسعر الثاني للبضائع الأخرى التي باتت تعتبر شبه كمالية رغم ضرورتها الملحة، المثير أن سعر العملتين يختلف عن سعر العملة في السوق الحرة. هنا يظل الاقتصاد الإيراني يعاني بالفعل من تدهور وسط تراجع حاد في قيمة التومان الذي بات يناهز في أول عيد نيروز بعد فرض العقوبات أكثر من 11 ألف تومان، مع تزايد التسريبات بأن الدولة الإيرانية على أعتاب نفاذ احتياطاتها من العملات الصعبة، مع تسارع الخطى لتبادل الاتهامات حول التسونامي القادم، بينما بات المرشد وزبانيته يراهنون على كسب الوقت على أمل عدم انتخاب ترمب لفترة رئاسية قادمة.

رابعاً: الاصلاحيون ومطالبة روحاني بالاستقالة قبل الانفجار الكبير

      بين هذا وذاك تتخبط إيران، من خلال دبلوماسية التصريحات المتضاربة التي تتحدث عن حرب اقتصادية تقودها واشنطن بلا هوادة، وبين تصريحات الحرس الثوري بالقدرة على الصمود والمواجهة إلى جانب الاستفادة القصوى من الطاقات المحلية، لزيادة الإنتاج وتنمية الصادرات، لمواجهة العقوبات الأميركية. واعتبار أن الولايات المتحدة لم تنجح في ضغوطها وفشلت في محاولاتها لزعزعة الوضع في إيران، وأنها لن تنجح في وتصفير مبيعاتها من النفط، لأن هذا معناه اعلان حرب على الدولة الإيرانية.
      فبينما مسلسل انهيار التومان مقابل الدولار مستمر، وارتفاع لهيب الأسعار والتضخم بشكل غير مسبوق، وبات يؤشر إلى انفجار زلزال من الاحتجاجات على غرار الجيولوجيا الإيرانية في مختلف أنحاء إيران.

 وسائل التواصل الاجتماعي الإيراني تحذر من أن ثورات الخبز على الأبواب، مع تزايد التسريبات بأن المرشد الايراني علي خامنئي، قد أعطى الضوء الأخضر  لإعادة التفاوض مع واشنطن على غرار مفاوضاتها في ملفي أفغانستان، والعراق  مع المطالبة بـضمانات جدية، والمعلومات القادمة من طهران تتحدث أن الحل في واشنطن فقط وليس غيرها، ولم تعد هناك فائدة ترجى من التفاوض مع دول الاتحاد الأوروبي ولا روسيا، وأن متعة الانتظار لنرى ما الذي ستفعله الدول الضامنة للاتفاق النووي هي مضيعة للوقت.

  والصراع مع واشنطن في طريقه إلى التصعيد، على التوازي مع صراع الخبز والبقاء، ويقيناً يمكن التكهن بالمسارات التي سوف يتخذها رد الفعل الإيراني الداخلي حول انهيار التومان، وتُحفّزها عوامل داخلية ضاغطة وإقليمية ودولية كذلك،  وهنا لا بد أن تأتي الثورة ليس طلباً للخبز والدجاج  فقط كما يقول رواد التواصل الاجتماعي الإيراني، ولكن لاجتثاث  كل من تسبب في إعادة إيران عقودا إلى الوراء، وتسبب في تبديد ثروات إيران في المنطقة، ليحصد الشعب كل هذه الكلفة الباهظة، ويُتوج الأمر بفشل اقتصادي جعل أكثر من 60 مليون إيراني يعانون الفاقة والجوع  والعوز .
________________

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

140 total views, 1 views today

الوسوم: , , , ,

التنصيف : مقالات المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle