التمييز بين الحضارة و المدنية

محمدصالح البـــــــــــــــــــــــــــدراني             

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية    

 

مــــــــــــــــــدخل:

     إن الفهم هو لماهية الكلمة في جوهر مدلولها، أما الانطباع فهو التصوّر المنقول عن مظهرٍ ما وفق فهمٍ منقول لا يدخل في جوهر المدلول وإنما إلى عمق فهم من نقل عنه، لهذا لا يُعتد بالأحكام التي تصدر عن انطباعات وغالبًا ما تتسطح في تحريف النقل عن الفهم الأول الذي كوّن الفكرة عن الشيء ونقيضه، وتأثر الحكم أو النقل بالظرف الذي صدر فيه التعريف، كان نقول: إن السياسة (هي فن الممكن)، وان نقول: إن السياسة (هي إدارة المصالح للدولة ومواطنيها في الداخل والخارج)، نلاحظ أن الأول: هو انطباع لحالة تفاعل مع السياسة بأنها غلبة واستحصال أكبر كمٍّ من الربح ولا ذكر للقيم في الوسائل، والثاني: هو مفهوم وتعريف ينطلق من قيمة حضارية فكرية تتعلق بالمسؤولية عن وطن ودولة ومعيشة ناس، فهي أكبر من السلطة والنفوذ والتمكن من مفاصل الحكم أو ربح المواقف من الدول الأخرى وتغليب مصلحة البلد المنفردة أو حلفائها؛ فقد تكون النتيجة واحدة والمسلك واحد لكن أن تحكمك قيمة فكرية ليس مثل كونك محكومًا بمصلحة مادية مهتمة بالنتائج لصالح طرف واحد.

أولا: لماذا الحضارة والمدنية؟:

    من هنا نأتي إلى الالتباس بين مصطلح الحضارة، الذي بات يحتاج إلى نوع من التمييز، ومصطلح المدنية الذي يبدو أنه متخفيا في منطقتنا باسم الحضارة

ثانيا: يقال باستفهام المتعجب ما قيمة التمييز بين الاثنين؟!

    الحقيقة أن التمييز مهم بين الحضارة والمدنية؛ فهما منصتان يبنى عليهما كما أن المدنية التي اصطلح عليها باسم الحضارة أيضا غيبت الوجود لمعنى الحضارة في أمة ترتكز وجوديا على حضارتها، وهذا الالتباس قاد إلى فهم خاطئ في مجالات قد لا تبدو لها علاقة بالكلمتين عند التطبيق ولا أحدّد هذه المجالات لأنها شاملة لنواحي الحياة السياسية والاقتصادية والفكرية، وأفقدنا هذا التمييز بين النهضة والتنمية.

لماذا هذا؟

   لقد أتى هذا نتيجة الانحدار الحضاري والتخلّف المدني في منطقتنا، الأمر الذي جعلنا نتلقى من الغرب قيم ولّدتها لوازم المصلحة لتشكّل نمط حياة، وليس قيم مرتبطة بعقيدة وفكر قيمي، أي أنها قيم بلا جذور فكرية وإنما الحاجة لتكوين عقد اجتماعي بالغة التقديس بحكم القانون وسيادته والمصلحة، لكنها سرعان ما تنهار إن حصل خلل أو فلتان حيث لا رادع غيرها فيختلف سلوك الإنسان المرتبط بها وهنا يبرز الفرق واضحًا عندما يرتبط سلوك الإنسان بالأخلاق النابعة عن عقيدة فكرية.

  أما تمسك الغرب بقيمه المعروفة وتعامله معها لدرجة التقديس كونها الطريق الوحيدة لاستمرار نمط الحياة.

ومحاولة مجتمعنا التوجه نحو الجانب الحضاري التراثي وجعله الجواب الوحيد، هو توجه أعرج في مهمة الإنسان، فلابد للإجابة على سؤال كيفية النهضة؟، وهذا لا يفهم بدون تقديم التنمية التي تتيح للإنسان الحياة الكريمة واجواء التفكير السليم بدون ضغوط وضمن نظام العالم القرية الصغيرة كما يقال.

ثالثا: الحضارة كمفهوم لعصرنا:

    مفهوم جامع يعبّر عن فكر الأمة، والحضـــارة كمفهـوم يستحضر في كــــل ما ينتـج عنـه من حلول وآليات في النظرة إلى الكون والإنسان والحياة، وأي حلول مستحدثة ترتبط بالجذور ولا تحدث فيها تغييرًا بل تتّسع للسابق واللاحق وهذه لمن يعطي صفة الإسلام وقدرته على قيادة مدنيات وعصور متباعدة فليس هنالك رفض للآخر بل تتسـع لتحتوي تعدّد الرأي من داخلها مذاهب وأديان ورأي داخل مجتمعهاـ والحضـارة تتوسـّع بالتراث الفكري للأمة، فهي تعبر عن شخصية الأمة وإدارتها للحياة إذا ما فعّلت كمنظومة لقيادة الواقع. فالإسلام حضـارة جعل الله فيها ما يمكّن المتفكّر من استخراج ما يريد دونما تقييد لها أو تحديـــد، أما هذا المصطلح في الغرب فهو غير متبلور فمفاهيم الغرب هي آليات تصف الواقع وتخمّن معالجته ولا ترتبط بجذر واحد، تصالح الواقــــع ولا تقوده، لهذا هي عاجزة عن تحقيق العدالة، وكأي نظام وضعي تهرب من فشلها بإيجاد عدو مستديم.

اهم ما في موضوع التمييز، وتعريف الحضارة:

   هو أنها المنصة التي تبنى عليها المنظومة القيمية والثقافية بل الهوية للأمة لكونها ذات خصوصية تميز المجتمعات المتعدّدة، وهذه الأعمدة المشادة عليها هي رافعة لمنظومة الأمة مع مل يقام على المدنية.

رابعا: المدنية:

    هي تجمّع وتراكم الجهد البشري من عطاء وتطوير واستحداث لوازم الحياة… والمدنية لا تنتج حلولا ذات جذور كما نوهنا ـ وإنما تتبنى أفكاراً وآليات تجريبية تعتمد على الهوى والرأي والتحليل العلمي، وليس من خلال نظرة شاملة، فالمدنية وسائل، وتكنولوجيا، وأفكار متبناة. الحاكمية فيها غير واضحة وقد تستند إلى قيمة ما كالنفعية. المدنية عالمية غير منتمية تقودها الفكرة، ملك

 

للجميع إنشاءً واستخداما، ونمو المدنية في سلطة الغرائز جعلها خطرة، والنهضة الإسلامية باتت ضرورة لإحداث التوازن في العالم…. ولابد من الآلية الملائمة لجعل هذا واقعا ولعل الثورة إحدى هذه الآليات. وللاختصار نلاحظ المرتسم الآتي ([1])

 

    فالمدنية: هي مظهر التنمية والتطور في الابداع البشري ومنصة أخرى لمنظومة الآدمية وهي منظومة جامعة لمتعدد الحضارات في كينونة إيجابية لإحداث مزيد من التطور الإيجابي والتلاقح بين القيم والتفاهم بين الأمم، هذا ما نكرره في موضع واحد أو مواضع متعدّدة بغية ترسيخ انطباع أهميته، فاختلاف الحضارات ليس سببا للصراع، بل هو أمر لا دخل له مباشر إلا بقدر احتواء المتباينات وتوظيفها إيجابيا.

خامسًا: ما الذي نستخلصه؟

    نلاحظ بعد التعريف أن التمييز مهم في مجتمعنا بالذات، لأن الحضارة لها مهمّة قيمية وتعريف النهضة هي نهضة حضارية قيمية تقود التنمية وترشح المدنية، ما عرف بعصر النهضة الأوربي هو في الحقيقة اتخذ جوانب تنموية وأخرى ثقافية حسية كالموسيقى والرسم، أما الجانب القيمي فكان يوضع بقانون فيما كان عرفًا ومقبولًا من الجميع، وأي مستجدات تحدث ترفض في البداية ثم يزداد مؤيدوها ولكيلا تكون شاذة في المجتمع أو خارجة عن القانون تنظّم بقانون، مثل القوانين التي صدرت حول المثليين وغيرها، فلكي نميّز الحالات المتباينة هذه لابد من التمييز بين المفاهيم.

سادســــًا: التلاقح والغرب يجري بالانطباعات وليس الحقائق:

    بهذا الوضع المتعارف عليه بما يحمي الاستقرار الضروري للتنمية وحركة رأس المال شكَّل (نمط حياة) وهو نوع من التعريف للمجتمع يتجاوز الهوية الفكرية، لكنه لا ينظمها، لذا وبعد كثرة الهجرة نحو الغرب المستقرّ من الشرق الفوضوي، ظهرت الحاجة إلى مزيد من القوانين التي تضطرب الآن لفرض نمط حياة على هوية، وهذا سيحتاج إلى وقت قبل أن يتعرفوا على الطريق ليصبح ما هو خلافي بسبب الانطباعات إلى أمر متعارف عليه محمي ومكفول قانونا، ليس هذا تسامحًا، وإنما لضرورة تقنينه ليكون من نمط الحياة، والمشكلة التي تواجه الغرب في هذا أنهم يريدون إعادة صياغة ثوابت لا يمكن تغييرها، وإن قبولها كما هي سيكون أسهل لتقنينها بدل خلق الشواذ والتصادم مع فكر ربما هو غير معروف لمن يحملوه تدينا وليس علما، فيصطدمون بسلوكيات وعادات منقولة من البيئة الأم وليس بالقيمة الفكرية أو الهوية، واختلاط الأمور واخذها بالترسبات والانطباعات لا يحل الموضوع، لذا فعلى الدول الغربية نبذ الانطباعات المنقولة، والتوجّه لمعرفة حقيقة الفكر والهوية، فعندها ستعالج السلبيات السلوكية البيئية وليس الضغط على الهوية والعقيدة، وهذا سيساعد كثيرًا في عملية الاندماج، فلا تعارض بين الإسلام والمدنية قطعًا، وهنالك قيم أخلاقية في قبول الآخر في منظومته الأخلاقية قد تكون غابت في سلوك الناس المهاجرين لأسباب بيئية، والطغيان الذي هربوا منه وليست مسألة فكرية، فليس إبعادهم عن دينهم حلًا، بل مساعدتهم في فهمه هو الحل، وهذا يتطلّب تعاملا آخر مع المسلمين ومناطق كثافة وجودهم.

     ما تحته خط وخلاصة هذا الموضوع مهم جدا لبناء حياة جديدة ومفيدة في بيئة جديدة من الأفراد أو الأسر المنتقلة من بيئة الشرق الفوضوية وطغيان المستبدين، وعلاج الناس المهاجرة من هذا وليس في تغيير أو تكييف الدين ليكون فرنسيا أو ألمانيا أو بريطانيا خصوصا وإن المحاولات كما ذكرنا مبنية على انطباعات راحلة من القرون الوسطى لم تلق مراجعة، واعتبرت حقيقة من تاريخ لم يمحص، وأظن قد آن أوان مراجعتها لأنها ستكون مفتاح التفاهم والتعاون التنموي والاقتصادي عمومًا، والسلام للجميع بدل التشوية والعداء والكراهية التي تصنع في مطابخ خاصة.

من هنا نرى أهميــــــــــــــــــــــــــــــة التمييز بين الحضارة والمدنيــــــــــــــــــة

كذلك من خلالهما فهم معنى التنمية والنهضة المشوهين تعريفًا وفكرًا.

 

-المراجع-

 

[1] الصورة من كتاب الثورة ما بين الشريعة وفقه الواقع للمؤلف

http://www.4shared.com/office/kh3pO9hdba/_____.html

__________

م.محمدصالح البـــــــــــــــــــــــــــدراني: باحث و مفكر عراقي. 
هذا المقال  يعبر  عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع. 

369 total views, 3 views today

الوسوم: , ,

التنصيف : مقالات المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle