تتضارب حوله المواقف محليا و إقليميا ودوليا (السراج رجل مرحلة أم خيار مستقبلي؟)

        

علي عبد اللطيف اللافي                             

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية

 

      يعتقد بعض المتابعين أن رئيس المجلس الرئاسي الليبي شخصية ضعيفة سياسيا وأنه خيار مرحلي فرضته الظروف والتجاذبات بين فرقاء الصراع، وأنه قد يختفي بمجرد إنجاز الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في ربيع 2019، بينما بينت التطورات خلال الأيام والأسابيع الماضية أن الكل في ليبيا قابل للتغيير والأبعاد من الساحة السياسية إلا السراج فإنه باق في المشهد بغض النظر عن الفاعلية والقُدرة على الإمساك بكل الأوراق أو طبيعة المنصب الذي سيتولاه مستقبلا في السلطة التنفيذية، حتى أنه نقل عن بعض السياسيين الإيطاليين قوله لأحد الفاعلين الليبيين غداة مؤتمر باليرمو أننا “ابتلعنا السراج وتقيأنا حفتر وهو تعبير رمزي على أهمية الرجل المرحلية وتوسع أفاقه المستقبلية….

 

* من هو فائز السراج؟

فائز السراج هو شخصية أقرب للإدارية بمنطق التصنيف السياسي الايديولوجي أي أنه تكنوقراطي وليس سياسيًا رغم اقترابه العملي سنة 2012 من تحالف القوى الوطنية (بقيادة محمود جبريل)، وهو أصيل مدينة طرابلس العاصمة ونائبًا في انتخابات جوان 2014 عنها (تحديدا عن دائرة حي الأندلس)، وقد تم اختياره رئيسا للجنة الطاقة في المجلس كما تم تعيينه عضوًا في لجنة الحوارليصبح في 08 أكتوبر 2015 رئيسا للمجلس الرئاسي ورئيسا لحكومة التوافق الوطني….

    وهو من مواليد 20 فيفري 1960، وقد بدأ حياته المهنية كمهندس في إدارة المشروعات بصندوق الضمان الاجتماعي، ثم عمل كمستشار هندسي فكانت له مُشاركات بالعديد من اللجان المتخصصة لدراسة وتصميم المشروعات، كما اتجه إلى العمل الخاص فكان عضواً مؤسسا لمكتب “تريبوليس” للاستشارات الهندسية، وعرف عنه صداقته مع الإداريين وكبار الموظفين وقد عُرف عنه علاقاته الممتدة مع عدد من الموظفين التكنوقراطين في حقبة القذافي بناء على ارتياده لعدد من مقاهي ومجالس طرابلس مع أولئك الأصدقاء وخوض مُناقشات حذرة حول الأوضاع الإدارية والاجتماعية …

   وفائز السراج هو ابن مصطفى السراج (أحد رفقاء السياسي المعروف والمناضل الليبي بشير السعداوي في حزب المؤتمر الليبي يومها)، وقد كان والده وزيرًا للاقتصاد، ثم للتعليم في العهد الملكي، وقد كانت عائلته تقيم خلال السنوات الماضية في مصر حتى بداية سنة 2017 ثم رحلت إلى بريطانيا تحت رعاية شقيقه والذي كان موظفا قنصليا سابقا في الإمارات قبل تقاعده منذ سنتين…

تضارب مواقف الأطراف المحلية من السراج وموقع كُل طرف منه

  • الليبراليون

            المساحات المشتركة بين السراج والتيار الليبرالي تبقى ممتدة ومفتوحة، ولكنها ستختلف من حزب الى آخر ومن شخصية إلى أخرى وستغلب عليها عقلتيّ “الغلبة” و”الغنيمة”:

  • تحالف القوى الوطنية: رغم أن السراج أقرب للتحالف (حيث انضم إليه عمليًا سنة 2012 كما أسلفنا الذكر)، إلاّ أنه لا ينظرُ بارتياح لجبريل وحزبه نتاج الصراع على الزعامة ونتاج اصطفاف جبريل في مرحلة معينة مع الكرامة….
  • حزب الجبهة الوطنية: السراج غير متواصل مع قيادات الحزب، ولا يعرف الحزب وطبيعته ومواقفه وكل فكرته عليهم أنهم امتداد لجبهة الإنقاذ (أكبر مكونات المعارضة الراديكالية للقذافي)، وقد تتكيف العلاقة مع الحزب بناء على تواصله من عدمه مع شخصيات قريبة من الحزب على غرار الغرياني وأبو شاقور وآخرين…
  • تجمع الوطنيين الأحرار: يعتقد قياديي هذا الطرف السياسي أن السراج وفريقه مرحليون، وأن المُهم عمومًا هو الامتداد الأفقي تجاه جماهير الشعب الليبي…
  • تكتلات سياسية أخرى: على غرار “حراك نعم ليبيا” (خليط بين بعض فبرايريين وبعض سبتمبريين)، وهو تيار ليبرالي قد يجد مثله مثل مكونات ليبرالية صغيرة مساحات مستقبلية مع السراج أو ينصهر داخل بوتقته الحزبية والتي من المتوقع أن تُؤسس له خلال الأسابيع والأشهر القادمة…
  • الإسلاميون

       طبعا فسيفساء التيار الإسلامي متنوعة وتختلف في رؤيتها للصراع الليبي المحتدم منذ 2014، مما يعني أن رؤيتها للمجلس الرئاسي ولرئيسه الحالي فائز السراج، هي رؤى متباعدة بل ومتضاربة ولكنها مواقف ترتكز على التفاعل مع الوقائع، فالسراج كان مرفوضًا من طرف تيار فبراير والإسلاميين خاصة في إثر دخوله العاصمة، بينما يغلب على تيارات الإسلاميين وتنظيماتهم حاليًا القبول المتفاوت به على اعتبار أنه خصم رئيسي لعدوّهم الألد اللواء المتقاعد: خليفة حفتر، وهو حليف مرحلي للتيار الإخواني، وخاصة لذراعهم السياسية أي حزب العدالة والبناء(بقيادة محمد صوان)، وهو اليوم مقبول مرحليًا بالنسبة لحزب الوطن وبقيّة مكونات السلفية الحركية، وهو مرفوض من إسلاميين آخرين وشخصيات واطراف وتيارات وأحزاب وفاعلين في المجتمع المدني والأهلي والقبلي…

  • العدالة والبناء: هُو أقرب الأطراف التي لها تواصل سياسي دوري مع السراج، وتُسانده في بعض مواقف، وفي الأخير قد تفرض المعطيات الإقليمية والدولية على الحزب التمسك بالسراج كخيار مرحلي ومستقبلي أيضا بما في ذلك خلال الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في ربيع 2019، وحتى عندما فاوض المشري مجلس النواب في مبدأ القبول بحصر تركيبة الرئاسي في تركيبة ثلاثية (عضو عن كل منطقة)، سرعان ما تم التراجع عن خيار استبعاد السراج من رئاسة المجلس الرئاسي، بل تم دعمه في إجراء تغييرات جذرية على حكومته بل تم تسمية وزراء محسوبين عمليا على الحزب، والخلاصة أن الحزب سيبقى حليفًا للسراج معطيًا إياه هامش للمناورة حسب المتغيرات والتطورات وسيتابع طبيعة الرهانات وطبيعة القرارات المتخذة خلال المرحلة القادمة، وسيكون مؤتمر الحزب في جانفي المقبل محددًا لسياسات الحزب والتموقع بجانب السراج أو أخذ مساحة عنه…
  • الإخوان: ليس خافيًا على أحد أن هناك خلافات بين قيادات الاخوان وبعض قيادات الحزب في رؤيتهم لطبيعة التطورات منذ 2015 وأساسا الموقف من اتفاق مفاده دعمه الصخيرات بل وحدث التجاذب بشكل كبير حتى بين الإخوان وبخاصة بين تيار المشارقة (الأقرب للتمسك بخيار الارتباط بالحركة الأم تنظيميا وفكريا وسياسيا) وتيار المغاربة والأخير يميل إلى فصل الدعوي عن السياسي وإبقاء العلاقة بالإخوان في سياقها الفكري فقط، وعلاقة السراج بالإخوان المسلمين الليبيين ليست حدّية من كلا الطرفين فهو لا يتبنى الرؤية الاستئصالية ويعمل مع بعضهم كاستشاريين وكأفراد في المؤسسات المختلفة في الحكومة والمجلس الرئاسي على غرار بعض مستشاريه، ويعتبرهم أنزه وأقدر من غيرهم، وقد رفض القطيعة معهم حتى عندما أرسلت اطراف إقليمية رسائل له توحي بدعمه إن هو أخذ مسافات قطيعة مع الأخوان 
  • حزب الوطن: العلاقة مع السراج ومحيطه تبدو علاقة تنافر سياسي، ولكنها ليست صدامية أو عدائية، وهي علاقة أقرب للقطيعة ومحدداتها غامضة وحذرة…
  • باقي مكونات السلفية الحركية: أغلب مكوناتها ترفض المجلس الرئاسي ولا تعترف به وهي أقرب لحكومة الإنقاذ السابقة، رغم أنها تناصب العداء للسلفيتين الجهادية والمدخلية…
  • المحافظون: وهم أنصار المفتي وبعض المختلفين مع الإخوان فكريا وسياسيا وتنظيميا أو يرون أنهم قد انحرفوا بثورة فبراير، وهؤلاء سيبقون على مسافة من السراج وهو سيبقى محترزا منهم هو ومحيطه نتاج طبيعة الرهانات السياسة وخوف السراج من التواصل معهم ومما يعني له فقدان بعض حلفاء آخرين…

الصوفيون: وهم تيار متصاعد في ليبيا وبخاصة بعد المؤتمر الأخير لرابطة علماء ليبيا وطرد عارف النايض منه، وهؤلاء وإن ليس لهم علاقات مع السراج ومحيطه فإنهم قد يوظف جزء منهم لخدمة مشروعه، كما قد يتم توظيف بعضهم من أطراف إقليمية ودولية لصالحه بآليات غير مباشرة…

  • السبتمبريون

           وهم ليسوا وحدة متكاملة لا سياسيا ولا تنظيميا ولا في قراءة المستجدات، حيث يختلفون في مقارباتهم للسياسيين ولمختلف التيارات الفكرية وأيضا من حيث اصطفافاتهم المحلية أو الاقليمية أو الدولية، وقد اقترب بعضهم من السراج وروجوا له وحاولوا احتواءه في 2017 وتداولوا أنه خيار أمريكي مستقبلي وأنه من الممكن اختراق مجاله واحتوائه وأنه لابد من لعب ورقته، وفي وقت لاحق وعندما لم يتماه معهم أصبحوا يروجون علنا عبر مواقعهم وصفحاتهم وبين أنصارهم، أنه مرتهن وأنه جاء ليقبل بما رفضه القذافي، ثم زاد سخطهم وغضبهم عليه عندما قام بالتحوير الوزاري الأخير وخاصة بسبب تعييه لــ”باشاغا” و”العيساوي” وتفكيره في تغيير وزيري الخارجية والحكم المحلي (المحسوبين عليهم نظريا) …

وعمليا للسبتمبريين أشكالات من البداية مع بعض المقربين منه على غرار أحمد معيتيق والذي يشن الذباب الإلكتروني الخاص بهم حملات تشويهية عليه بشكل مستمر، والثابت أيضا أن بعض أنصار القذافي من رجال الأمن الداخلي والخارجي هم أقرب للسراج ويشتغلون تحت إمرته، وهؤلاء وظفوا له حزبيين وإداريين وشبكات وعلاقات في الداخل والخارج….  

  • حفتر ومُحيطه الحالي

             نتاج العقلية المركبة لحفتر، فإنه لا يرتاح عمليًا لكل صاحب سُلطة وكل من له موقف أو من تقف وراءه قُوى وأحزاب ومكونات أو يحسّ أنه مدعوم خارجيا أو قد يكون خيارًا مستقبليًا، وهذا هو الإشكال لحفتر مع السراج، ولن يكون له أي إشكال معه في صورة أخذ وعد بأنه سينسحب من الساحة بل قال في “باليرمو”، أن السراج هو “الربان ونحن لا نغير الربان عند عبور النهر”، ولكن يبقى السؤال الأهم بناء على أي أسس يتعامل السراج مع حفتر؟ فهو يحرص على عدم استفزازه ورفض تعيين وزير دفاع منذ 2016 وترك المنصب شاغرًا، وهو لم يرد على استفزازات حفتر في أكثر من مناسبة على غرار رفض حفتر لقاءه في القاهرة في بدايات 2017 ومعلوم أنه التقاه في أبوظبي منتصف 2017 وفي باريس في جويلية 2017، ثم في باليرمو في نوفمبر الماضي، كما راج في الكواليس أنه التقاه الأيام  الأخيرة في روما وتم برمجة لقاء في الأردن (قيل أنه ألغي)، ومن المنتظر أن يلتقيه مجددًا في قادم الأيام رغم تغير مواقف حفتر باستمرار وهو ما قد يؤدي لقطيعة مفترضة بينهما مستقبلا مع أن البعض يُروج أن السراج يتكتم عن اتفاق غير معلن بينه وبين حفتر بدعم أطرف إقليمية ودولية…   

  • علاقاته بعقيلة صالح والمشري والآخرين
  • علاقة السراج مع عقيلة صالح يغلب عليه التوتر والتنافر، أولا أن صالح حليف للثني وحفتر، وثانيًا بسبب التموقع وبسبب الزعامة المستقبلية وطموحات صالح عالية الوتيرة و بحثه عن علاقات خارجية…
  • علاقة السراج بالمشري ودية، وهي أفضل من علاقته السابقة مع السويحلي وهي مترتبة على ودية علاقاته مع حزب العدالة والبناء والاخوان، وهما (المشري– السراج) متماهيان في رؤية عدد من القضايا المهمة سياسيًا واقتصاديًا ومرحليًا وهو ما تجسد في إصراراهما في باليرمو في رفض إسناد خطة القائد الأعلى مرحليا لحفتر…
  • شخصية السراج المُتسمة بالإدارية وهدوء الشخصية تجعله محل ارتياح من أغلب الأطراف والشخصيات، ولكن موقعه الحالي وإمكانية بقاءه مستقبلا في المشهد جعلت البعض يعتبره خصمًا وعائقا أمام عدد من الفاعلين في مجلسي “النواب” و”الأعلى للدولة” وحتى بعض الوزراء وعديد الزعامات القبلية والسياسية والاجتماعية….

 تضارب المواقف الاقليمية من السراج وعلاقاته بكل دولة

  • مؤثرات شخصية السراج في علاقاته الاقليمية

     شخصية السراج وكما بينا من خلال استعراض سيرته الذاتية ومسيرته غير صدامية ولا هي انفعالية، وهي شخصية مرنة وقد تصل الى درجة السلبية أحيانا حتى أن مُقربين من دوائر المجلس الرئاسي الليبي قد أكدوا أن السراج وبعض أعضاء الرئاسي قد قبلوا بتجاوزات بعض المحيطين بهم وأن بعض مسؤولي المليشيات أساؤوا إليهم إساءات مباشرة في أكثر من مناسبة وخاصة سنتي 2016 و2017، كما فرضوا عليهم شروطهم وإملاءاتهم، ولكن ثمة تطورات سياسية واجتماعية فرضت على السراج تغيير معاملاته منذ سنة 2018، وخاصة بعد اشتباكات جنوب طرابلس في أوت الماضي بل وأصبح يرفض الإملاءات والتجاوزات ويتمسك برؤاه وقراراته وبالترتيبات الرسمية وأصبح يتمتع بكاريزما سياسية مُعتبرة في التعامل البروتوكولي وفي اتخاذ المواقف وإدارة اللقاءات والعلاقات … 

 ومع ذلك فالسراج يميل غاليا إلى الأخذ برأي مستشاريه في اتخاذ المواقف والقرارات الحاسمة وفي تنزيلها أو تحويلها إلى أوامر نافذة حتى يصل به الأمر بعدم تقدير مواقف بقية المؤسسات أو الأطراف، وهو لا يزال يرفُض الصدام وتوتير المواقف مع أي طرف إقليمي ويميلُ إلى البُعد الديبلوماسي وعدم إثارة أي مشكل وهو لا يميل للضغط أو الحرص على الدفع نحو مسارات بعينها، ويُؤمن بالحوار والمقاربة التفاوضية وحل الإشكالات بطرق دبلوماسية … 

* طبيعة العلاقة مع القطريين والأتراك

  • يتابع السراج العلاقات بهم بنفسه ويحرص على عدم توتير العلاقة بهم رغم حرص بعض مستشاريه من الإداريين السابقين ومن أنصار القذافي في أكثر من مرة على الوقيعة بينه وبينهم، وقد أصرّ خلال المدة الماضية مثلا على استقبال الأتراك كما كان واضحًا في رفض ما حدث مع الاتراك في باليرمو، وكان قد طلب تدعيم حضور القطريين والأتراك في ليبيا استثماريا كما حرص على حل إشكال المهندسين الأتراك في أوباري منذ أشهر…
  • رفض السراج في أكثر من مرة توجيه الاتهامات المجانية للقطريين والأتراك…
  • قبل السراج في أثناء استقباله وزير الخارجية التركي فتح تحقيق مشترك مع الأتراك في حادثة السفينة التي وصلت وبها ذخيرة إلى مدينة الخمس…

* حول العلاقة مع السعوديين

    يحرص السراج على دعم العلاقات السعودية الليبية بل ويدفع سيالة والمقربين منه على تطوريها ودعمها، وقد زار السعودية في بداية جوان الماضي لمدة يومين وهي الزيارة التي بقيت أجنداتها غير معروفة وعليها أكثر من نقطة استفهام، خاصة وأنها قد سبقت يومها موضوع الإعلان عن الإصلاحات الاقتصادية في العاصمة التونسية…

وبعد تلك الزيارة تم الحديث عن وساطة قام بها السفير الليبي السابق في السعودية بين اللواء المتقاعد خليفة حفتر وبعض قيادات مدينة مصراتة…

ومقابل ذلك صمت السراج سنتي 2016و2017 عن الحضور المتنامي للتيار المدخلي القريب من السعوديين تنظيميا وفكريا وسياسيا وخاصة في مدن الغرب الليبي على غرار صرمان وصبراطة ومسلاتة والخمس…   

* العلاقة مع الإماراتيين والمصريين

  • رغم أن البعض يدّعي أن الإماراتيين قد نجحوا بطريقة غير مباشرة في قطع الطريق على أحد المرشحين في أثناء حوارات الصخيرات مما سمح بوصول السراج لمنصبه الحالي بعد أن كان خيارًا ثالثًا وليس أوليًا بين المتفاوضين يومها (معروف أن الإماراتيين يؤمنون في الصراعات بالترتيب للخيارات البديلة)، ولكن المؤكد أن السراج لم يتماه بشكل كُلي مع الخيارات الإماراتية (ربما ليس اختيارا منه) خلال السنتين الماضيتين، وهو ما دفعهم الى مزيد توطيد العلاقة مع عارف النايض من جهة وباللواء خليفة حفتر من جهة ثانية علاوة على ذلك فالإماراتيون حاضرون عبر آليات متعددة ومنذ مدة في الغرب الليبي بغض النظر عن استيعاب الرئاسي الليبي والسراج تحديدًا لذلك الحضور المتعدد الأشكال أو صمته على ذلك…
  • عمليًا تبقى علاقة السراج بالإماراتيين حذرة ويسودها الغموض والارباك والمراوحة بين التمدد والانحسار وهي قابلة لكل الاحتمالات خلال الأسابيع والاشهر القادمة وخاصة في ظل التباينات بين المصريين والإماراتيين من جهة وبين حفتر وكل حلفائه الإقليميين في نقطة مدى طموحاته السياسية من جهة ثانية…
  • علاقات السراج بالمصريين ليست بعيدة عن علاقاته بالإماراتيين، ورغم أن المصريين حادين في انتقاده إعلاميا وسياسيا، فإنهم يحتفظون بعلاقات مباشرة مع بعض المقربين منه وفي ديبلوماسية التعامل المباشر معه ومعلوم أن للسراج علاقات قديمة مع مسؤولين مصريين بارزين خصوصًا وأنه قد أقام لفترة في القاهرة بل أن عائلته كما سلف وإن ذكرنا ذلك في الحلقة الأولى كانت أيضا هناك حتى بداية 2017…
  • ستبقى علاقة السراج مع القاهرة قابلة للذهاب في كل الاتجاهات مع غلبة خيار التقرب والتحاور الحذر، ومعلوم أن النظام المصري قد دخل أخيرا على خط التفاوض بين السراج وحفتر بناء على طلب الأول وساطة المصريين ليبتعد حفتر عن استعمال ورقة النفط مرة أخرى، وقد لُوحظ حفاوة القاهرة من أسبوعين بالوزير علي العيساوي ورغبتهم في التعامل التجاري والمالي مع طرابلس…

* العلاقة مع الجزائريين

  • يدعم الجزائريون حكومة الوفاق الوطني، ويحرصون على الحد من التدخل الخارجي وليس لهم أي فيتو معلن على السراج، ولكن التواصل معه نادر وحذر وتغلب عليه العقلية الديبلوماسية…
  • يعرف السراج جيدا أنه لا حل في أي موضوع ذي ارتباطات إقليمية بدون الجزائريين، فهم عصب المنطقة المغاربية سياسيا وعسكريا وديبلوماسيا نتاج مؤثرات تاريخية وجغرافية ولوجستية وإقليمية…

* العلاقة مع المملكة المغربية

  • تتسم السياسة المغربية الملكية بعدم التوضح الكامل للمتابعين وتعتمد الطرق الناعمة والصامتة وهم على علاقة ودية مباشرة مع السراج ويدعمونه وهم ليسوا بعيدين كما يتصور البعض عن الملف الليبي وارهاصاته وتطوراته، وهم على علاقة تواصلية بأهم الفاعلين السياسيين وناشطي المجتمع المدني الليبي وبعض الشخصيات الفاعلة حاليا كانت تقيم في المغرب اثناء حكم القذافي على غرار بعض افراد عائلة سيف النصر وأيضا أبناء رئيس وزراء ليبيا الأسبق محمد عثمان الصيد وخاصة نجله أسامة الصيد والذي رُشح لرئاسة الحكومة الليبية في أكثر من مناسبة بين سنتي 2013 و2018
  • ليس غريبا خلال الفترة القادمة أن تمتلك المغرب من جديد وعبر دعم دولي وإقليمي متابعة الملف الليبي واحتضان حوارات ليبية – ليبية مجددا في العاصمة الرباط…

* العلاقة بالتونسيين

  • السياسة التونسية تجاه الملف الليبي منذ 2017 يسودها الارتباك وعدم الإلمام والاقتصار على مسايرة التحركات الدولية وأخذ مربعات صغيرة في التحركات والاتصالات مع الفرقاء الليبيين (زار الجهناوي ليبيا في ثلاث مناسبات سنة 2018 في ظرف شهرين منها مرتين للشرق الليبي)
  • هناك تضارب كبير بين توجّه الوزير في الاقتراب غير المعلن من المحور الإماراتي المصري وحرص الحكومة والسياسيين على الحياد وعدم الاصطفاف، ولا يحتفظ التونسيون بعلاقات كبيرة مع السراج مع أنه محل ترحاب بروتوكوليا ورسميا رغم أن علاقات بعض وزرائه ومستشاريه ممتدة مع أهم السياسيين التونسيين وبخاصة مع بعض مستشاري الرئيس السبسي ومن بعض قيادات حركة النهضة …
  • على السراج الوعي والانتباه العملي أن تونس وبغض النظر عن الهوية السياسية للحكومة الحالية أو ما بعد 2019، رقما مهمّا بسبب انعدام وجود أطماع سياسية تونسية مباشرة في ليبيا ونتاج العلاقات التاريخية والاجتماعية بين البلدين ونتاج تجسد عملي وميداني لمقولة إن التونسيين والليبيين هم “شعب واحد في بلدين”…

* العلاقة مع الأردنيين

  • المملكة الأردنية ليست بعيدة عن الملف الليبي كما يعتقد بعض المتابعين فهي على تواصل مع طرفي الصراع، ورغم أن البعض يعتبر العاصمة عمان قاعدة خلفية لمحور “حفتر – مصر-الإمارات”(بعض سياسيين ليبيين يعتبرون أن الأردن هي “غرفة عمليات المحور المصري الإماراتي السعودي”)، فإن الأردنيين رسميا وعلى مستوى الخطاب السياسي محايدين تجاه طرفي الصراع…
  • التقى الملك عبدالله الثاني بالسراج خلال الأسابيع الماضية وعقد معه عدد من الاتفاقيات المهمة سياسيا واجتماعيا…
  • كان مبرمجا أن تحتضن عمان لقاء بين السراج وحفتر ومعلوم أن بعض مواقع وقنوات قريبة من حفتر والإماراتيين، تتخذ من الأردن مقرًا لها…
  • السفير الليبي في الأردن محمد حسن البرغثي مرشح لمنصب رئيس الحكومة فضلًا عن ترشيحه في وقت سابق لعضوية الرئاسي عن المنطقة الشرقية…

* السودانيون والملف الليبي

  • جدلية العلاقة بين النظامين السوداني والليبي تاريخية، حيث كان هناك تجاذب بين القذافي وكل سياسيي السودان وحكامه منذ السبعينات على غرار النميري ثم سوار الذهب فالصادق المهدي فحسن الترابي (رئيس البرلمان الأسبق) فعمر حسن البشير…
  • علاقة الخرطوم مع السراج فهي ودية نتاج رؤية السودان للأزمة الليبية وتدعّمت خلال مؤتمر الخرطوم الأخير الخاص بدول الجوار الليبي وقد توطدت من خلاله العلاقات بين البشير وحكومة التوافق الوطني خاصة على المستوى الأمني.
  • معلوم أن أعداد السودانيين في التنظيمات الإرهابية في ليبيا لافتة لنظر المتابعين فضلا عن أن المعارضة السودانية متواجدة في الجنوب الليبي بأشكال مختلفة، وهو ما سيُلح على الحكومتين التواصل والتفاوض ووضع اتفاقيات مشتركة في كل المجالات الحيوية وبخاصة في المجالين الأمني والاقتصادي….

* بقية دول الساحل والصحراء والملف الليبي

            وإن كانت بعض الدول الإفريقية لا تملك سياسات إقليمية مستقلة ولا هي محدّدة للخيارات الكبرى وأسس التفاعل مع التطورات السياسية والاقتصادية فإن تأثيرها في الملفّ الليبي سيبقى مُهمّا وهو  يعني أن على الدبلوماسيين والسياسيين في ليبيا وضع سلّم الأهمية السياسية والاستراتيجية في الاعتبار، ولا شك أن السراج والمقربين منه يعون بأن نجاحهم مرتبط آليا بإيجاد صيغ وتفاهمات مع دول الساحل والصحراء لكبح جماح عصابات التمرّد والتهريب والإرهاب الناشطة في الصحراء الكبرى وبخاصة في التشاد والنيجر ومالي، وفوق كل ذلك لابد عمليًا من الوعي بخطورة الاختراقات الإسرائيلية الأخيرة في اتجاه القارة السمراء وخاصة في التشاد لأن ذلك سيضع السراج والرئاسي وحكومة التوافق في مأزق كبير نتاج تطوّر علاقات حفتر وحلفائه مع أطراف في النيجر والتشاد فضلا عن أن حدود ليبيا مع التشاد والنيجر وباقي الدول الإفريقية ستزيد أزمة جديدة على الأزمات الموجودة سابقًا وخاصة الخلايا الإرهابية التي تتحرك في الجنوب الليبي والتي قد تجد في أجندات ومطامح الصهاينة وبعض القوى الاقليمية والدولية سندا مهمًا لها لإقامة إمارة هناك تكون سيفًا مسلطًا على حكومة التوافق أو أي حكومة قادمة في ليبيا…

* أي دور للدول والمحاور الإقليمية في المستقبل السياسي للسراج

           مما لا شك فيه أن مستقبل الأنظمة السياسية منذ السبعينات يُدار بمنطق القابلية للاصطفاف لأحد المحاورالإقليمية العربية والإسلامية رغم إعادة التشكل المستمر لتلك المحاور وبالتالي يمكن الجزم أن مستقبل ليبيا كبلد ومستقبل حكومة الوفاق ورئيسها فائز السراج مُرتبط بقدرته على التماهي مع التطورات البينية داخل المحورين الاقليميين وعدم السقوط في الاصطفاف لأحدهما بسبب ظروف ليبيا الذاتية والموضوعية فضلا عن التطورات المنتظرة والسريعة والممكنة والمتوقعة داخل المحورين الإقليميين الحاليين وفي العلاقة بينهما و(المحور “القطري – التركي” – المحور “المصري – الاماراتي – السعودي ).

   كما لابد من الوعي بالأهمية الاستراتيجية لدول الجوار وخاصة الدول المغاربية والعمل على المساهمة الليبية بأشكال عدة في وقت لاحق بعد حل الأزمة الليبية سياسيًا في إعادة إحياء الاتحاد المغاربي بآليات جديدة ومنطق ونفس جديدين…

  

المواقف الدولية من السراج وعلاقاته الخارجية

  • مؤثرات شخصية السراج في علاقاته الدولية

             فائز السراج وكما بينا من خلال الحلقتين السابقتين، هو شخصية هادئة ويغلب عليها الحذر والتردد وهو شخص غير صدامي ولا هو انفعالي، وفائز السراج أقرب للمحافظة سياسيا ودبلوماسيا ومن الصعب عليه أن يقدم على خطوات وعلاقات في اتجاه ضدّ الأحداث أو الارتباط الاصطفافي، ولكنه قد يقبل أن يرتبط ضمن الخيارات المطروحة في ليبيا بلوبيات ومحافل عالمية لطبيعة ثقافته السياسية الناشئة  – رغم تطورها السريع والديناميكي – مع أنه قادر أن يكتسب كاريزما سياسية مستقلة وأخذ مساحات تمكنه من اكتساب علاقات خارجية ودولية ممتدة مع رؤساء دول وفاعلين من قوى دولية نافذة، ولكنه قد يضع نفسه أيضا خارج لوبيات الداخل مما يسهل لاحقا الانقلاب عليه وإخراجه من مسرح الأحداث (وبخاصة في ظل حديث رّوج له خلال الأيام الماضية أنه قد يطلب منه من أعضاء الرئاسي ضمن ترتيب معين أن يكون عضوًا عاديا فقط في الرئاسي لا غير).

   وعمليا أصبح السراج بعد أحداث جنوب العاصمة (في أوت الماضي)، يرفض الإملاءات والتجاوزات ويتمسك برؤاه وقراراته وبالترتيبات الرسمية وأصبح يتمتع بقدرات تراكمية مُعتبرة في التعامل البروتوكولي وفي اتخاذ المواقف وإدارة اللقاءات والعلاقات … 

   ومع ذلك سيبقى السياسي الذي يميل غالبًا إلى الأخذ برأي مستشاريه في اتخاذ المواقف والقرارات الحاسمة وفي تنزيلها أو تحويلها الى أوامر نافذة،  وهو يتجنب باستمرار الصدام وتوتير المواقف مع أي طرف إقليمي أو دولي ويميلُ الى البُعد الدبلوماسي وعدم إثارة أي مشكل وهو لا يميل للضغط أو الحرص على الدفع نحو مسارات بعينها، ويُؤمن بالحوار والمقاربة التفاوضية وحل الإشكالات بطرق دبلوماسية … 

* الأمريكيون والسراج

             يرتكز الأمريكيون في سياساتهم على استحضار العملي لسيناريوهات عدة والدعم لأحدها في الوقت المناسب عندما يكون ذلك السيناريو متماهيًا مع طبيعة التطورات والمصالح الأمريكية، والسراج هو أحد السيناريوهات المطروحة أمريكيًا لاعتبارات عدة وقد زار الولايات المتحدة الأمريكية قبل إمضاء اتفاق الصخيرات بين فرقاء الصراع الليبي، وكانت الزيارة يومها ضمن وفد من الفاعلين الليبيين وقيل أنه عقد لقاءات مهمة مع مؤسسات وشخصيات أمريكية مهمة ومؤثرة  كما زار واشنطن مرة ثانية نهاية 2017 كرئيس لحكومة الوفاق وقد ارتاح الأمريكيون لهدوء شخصيته والتزامه السياسي، ومعلوم أنه انفرد بالسفير الأمريكي في ليبيا في العاصمة التونسية في أكثر من مناسبة فضلا عن لقائه بالسفراء السبع في أوت الماضي، ومن الثابت أيضًا أن السراج مقبول من كل الدول التي تقوم بأدوار وظيفية للسياسات الأمريكية على غرار ما أوردناه أسفله حول علاقاته بالايطاليين والألمان والأردنيين كذلك وبقية الأذرع الإقليمية الخادمة للسياسات الأمريكية بشكل أو بآخر، ولكن الأمريكيين براغماتيون وديناميكيون في رؤيتهم للتطورات والمتغيرات في المنطقة ولهم رؤية تقوم على القابلية للتغيير النسقي بين الأوضاع السياسية في كل من تونس والجزائر وليبيا ومصر من حيث العلاقات السياسية وتماهي ذلك مع السياسات الأمريكية وبالتالي فبقاء السراج من وجهة النظر الأمريكية أو بالأحرى دعم بقائه من عدمه مرتبط بالسياق الإقليمي وعاملي التأثير والتأثر بين كل من ليبيا وتونس من جهة  وليبيا ومصر من جهة ثانية، ووارد ذهابه أو بقائه بناء على وضعية تأرجح الوضع الليبي بين الخيارين التونسي والمصري…       

* طبيعة العلاقة مع الفرنسيين

         ما يقود الفرنسيين هو المحافظة على وجودهم القوي في أكثر من حوالي عشر دول إفريقية والمحافظة على المساحات الإستراتيجية اقتصاديًا وسياسيًا وطبعا يلعب الجنوب الليبي موقعا رئيسيا في تلك الإستراتيجية وبغض النظر عن اختلاف الرؤى في الإدارة الفرنسية الحالية تجاه الملف الليبي خاصة والعالم العربي عموما،  قامت السياسية الفرنسية منذ سنتين على ثنائيتين:

** معالجة ترتبات الأزمة ليبيا وانعكساتها على المصالح الفرنسية عبر التماهي مع الإماراتيين والمصريين على الأرض في فرض حاكم أقرب للعسكرية وبخاصة بعد احتواء الكرامة في الشرق الليبي…

** الصراع مع الإيطاليين في استقطاب الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في ليبيا الجديدة وحول ملفيّ النفط والغاز، مع أن الفرنسيين استغلوا في نهاية 2017 وبداية 2018 ضعف الحكومة الايطالية والتجاذب السياسي الداخلي بين مكوناتها فامتلكوا الملف إلا أنهم خسروه نتاج ترنح قرارات اتفاق باريس وربح الإيطاليون في الأخير معركة إدارته…

 والخلاصة أن الفرنسيين ليسوا حلفاء للسراج وأعينهم على خلفاء محتملين له رغم تغيير السفيرة ونية إعادة السفارة في أفريل المقبل وهم سيشتغلون خلال الأشهر القادمة على سيناريوهات بديلة تمكنهم من نفوذ خارج مربعات الجنوب الليبي بمعناه التاريخي…

        

* السراج والعلاقة مع الايطاليين

           يحرص السراج على دعم علاقاته مع الايطاليين باعتبارهم المعبر عن السياسات الأمريكية ومنفذين حرفيين لمتطلبات دورهم الوظيفي، وهم يعتبرون السراج خيارًا حتى إيجاد البديل الأفضل وهو اختيار مرحلي معمول به منذ جوان الماضي ومعروف أنهم لخصوا موقفهم من الأزمة الليبية بعد باليرمو بالقول أنهم “ابتلعوا السراج وتقيئوا حفتر” مع التأكيد أنهم لا يزالون يشتغلون على حل يحتوي حفتر ولا يستبعده ولكنه لا يعطيه أكثر من حجم فاعل يضبط المنطقة الشرقية ضمن حل وِفاقي يضمن مصالح الإيطاليين، وهو ما يفسر تعدد سفرات حفتر والسراج إلى روما خلال الأسابيع الماضية بدلًا من اللقاءات التي برمجت للالتئام في الأردن وبروكسيل …

والخلاصة أن السراج سيبقى ورقة إيطالية حتى يتوضح الخيار البديل ولكنه خيار مرتبط مرحليا بحل سياسي يضمن للجميع موقعًا مريحًا والايطاليون يؤطرون التغير في مواقفهم بناء على التماهي مع معطيات السياسات الأمريكية ووفقا لورقتي النفط والغاز والعلاقة المتغيرة في كل الاتجاهات مع المصريين…   

* العلاقة مع الألمان

        لعب الألمان دورًا محوريا في مراقبة المتغيرات سنتي 2011 و2012 في كل المنطقة المغاربية، وهم بدوا هادئين في التفاعل مع التطورات المتسارعة منذ 2014 في ليبيا وبدوا مراقبين وليسوا بفاعلين، ولكن من المنتظر حضورهم المتنامي خلال الأسابيع والأشهر القادمة وتحولهم إلى قوّة اقتراح وفعل، أما رسميا فيمكن التأكيد أن الألمان يسندون السراج وحكومة الوفاق ويفضلون انتصار خيار فبراير مع مصالحة وتوافق بين جميع الأطراف مع أنهم متماهين أيضا مع بعض السياسات الأمريكية في المنطقة ….

* العلاقة مع بقية دول الاتحاد الأوروبي 

          تسند بقية الدول الأوروبية حكومة الوفاق باعتبارها معترف بها دوليا وأمميا وذلك لا يُغيب الأدوار القوية الصامتة للسويسريين والهولنديين (ومفاوضات النزل الغابي في أوت الماضي مثالا) والبلجيكيين خاصة في ترتيب لقاءات وحوارات وبعض أجندات وأدوار وساطة في عدد من الملفات، وهو ما يعني أن بقاء السراج من عدمه ستؤثر فيه هذه الدول بأنساق معينة بناء على الأدوار والأجندات التي أشرنا إليها، أما مواقفها المعلنة رسميا فسترتبط بفعل ومواقف البعثة الأممية …  

  • الروس والسراج دعم لا يتجاوز الرسمي والدبلوماسي

  

         رغم أن سياسات الروس تتسم بالغموض ورغم أنهم يعلنون رسميا أنهم يقفون على نفس المسافة مع جميع الأطراف والفرقاء فإنهم واقعيا وعمليا لا يبدون مرتاحين للسراج والفريق المقرب منه، فالروس مفتوحين في خياراتهم الغير الرسمية على حفتر وبعض رجال النظام السابق وسيف الإسلام القذافي خاصة بل وبذلوا مجهودات في العمل على إعادته للساحة خلال سنتي 2016 و2017 وتواصلوا معه مجددا منذ شهرين أو بالأحرى تفاعلوا مع محاولات المقربين منه…

    وقد استقبلت روسيا كل الأطراف على غرار عضو الرئاسي أحمد معيتيق كما امتدت علاقاتهم مع حفتر في أكثر من مناسبة، وكانت آخرها زيارته لموسكو يومي 07 و 08 نوفمبر الماضي (قبل مؤتمر باليرمو بخمس أيام فقط) مع الإشارة إلى أن بوتين لم يستقبله يومها واقتصر الأمر على لقاء له مع وزير الدفاع وشخصيات أخرى ثانوية…    

   أما آخر تطورات الموقف الروسي فهي تصريحات السفير الروسي الأسبوع الماضي المؤكدة على دعم حكومة الوفاق و ضرورة المضي في الحل السياسي…

   والخلاصة أن الروس حذرين وعلاقتهم دبلوماسية مع الرئاسي الحالي والسراج ولكنهم لا يميلون إلى الأطراف الظاهرة حاليا في الساحة السياسية كما أنهم بالتأكيد حريصون على عدم الاشتباك المعلن والصريح مع الأوروبيين في الملف الليبي…

     

* العلاقة مع المملكة البريطانية

         يغلب على الأنكليز المضي في تكريس الخيارات بعيدا عن الأضواء وإن كانوا متماهين مع الأمريكيين بالأساس، ويمكن الجزم بأنهم داعمين حاليا للسراج رغم اشتغالهم في أرض الواقع على السيناريوهات الأخرى وخاصة البديلة منها وهم حذرين أمنيا (حيث قاموا بعملية بيضاء لترحيل دبلوماسيين في سبتمبر الماضي وقد بدت يومها مفاجئة للمتابعين)، وهم يشتغلون على حلول  بعيدة المدى ويرتبون سياساتهم على سنوات وعقود وليس وفقًا لمتغيرات يرونها تكتيكية…

* الصينيون والملف الليبي

              الحضور في إفريقيا وخاصة استثماريا تغلب على العقلية الصينية وبالتالي فمواقفهم المعلنة تتجنب الاصطفاف المباشر أو الاستفزاز أو الركون والاصطفاف لطرف ما في الصراعات داخل البلدان، ومعلوم أن للسراج علاقات مع الصينيين وشركاتهم في أثناء عمله كمهندس وهو يحظى اليوم كسياسي برضا الصينيين من حيث المواقف الرسمية المعلنة…

* أي دور للقوى الدولية في المستقبل السياسي للسراج

         لا يختلف اثنان أن مستقبل الأنظمة السياسية العربية منذ السبعينات يُدار بمنطق القابلية للاصطفاف لأحد المحاور الإقليمية رغم إعادة التشكّل المستمر لتلك المحاور، إلا أنه أيضا مرتبط بمصالح الأوروبيين والأمريكيين باعتبارهم فاعلين رئيسيين في تركيبة المحاور الإقليمية وخيارات ثقافية وسياسية واقتصادية تؤثر فيها بأنساب معينة محافل ولوبيات عالمية وشركات عابرة للبلدان والقارات، وبالتالي يمكن الـتأكيد أن مستقبل ليبيا كبلد ومستقبل حكومة الوفاق ورئيسها فائز السراج مُرتبط بقدرتهم على التماهي مع التطورات البينية داخل المحورين الاقليميين وعدم السقوط في الاصطفاف لأحدهما بسبب ظروف ليبيا الذاتية والموضوعية فضلا عن التطورات المنتظرة والسريعة الممكنة والمتوقعة داخل المحورين الإقليميين الحاليين وفي العلاقة بينهما (المحور “القطري – التركي” – المحور “المصري – الإماراتي – السعودي”)، وفي التفاعل المباشر مع تطورات السياسات الأوروبية والغربية وفي التماهي أولا وأخيرا مع آمال وطموحات الشعب الليبي  ذلك أن الأمريكيين وحلفائهم الدوليين لا يتعاملون ولا يسندون إلا من كان قويا على الأرض ويكتسب ثقة الفاعلين الاجتماعيين وخاصة في بلد تغلب على الشخصية المحلية فيه عوامل “القبيلة” و”الغلبة” و”الغنيمة”…

           وفي الأخير فإن السراج في انتظار متغيرات جديدة ووفقا للرأي السائد حاليا لدى الفاعلين الدوليين سيبقى في واجهة الأحداث ولكن مرحليا فقط ومعلوم أن هناك اليوم في ليبيا وفي انتظار ترتبات الملتقى الوطني الجامع، أربع سيناريوهات ممكنة وهي تراتبيا:

 السيناريو الأول: إطالة المرحلة الانتقالية لمدة سنة ونصف أو سنتين مما يمكن غلق الملفات الحارقة وإنجاز المصالحة ثم ختاما إنجاز الاستحقاقات الانتخابية ضمن أطر صحيحة وضمن رؤية سياسية هادئة …

 السيناريو الثاني: إنجاز الاستحقاقات الانتخابية بنسختيها الرئاسية والتشريعية خلال السنة الحالية (ماي أو سبتمبر)…

 السيناريو الثالث: مزيد من التجاذبات والصراعات مما يعني السقوط في خيار تكريس النموذج العراقي عبر حماية شركات أمنية أجنبية لحقول النفط وإنشاء منطقة خضراء في العاصمة طرابلس والمدن القريبة منها وعندها سيتقاتل الليبيون إلى ما لا نهاية لا قدر الله…

 السيناريو الرابع: دفع قوى إقليمية لسيناريو العسكرة وإعادة محاولة الدفع نحو خيار “سيسي ليبيا” أو إعادة البحث عن انتاج “قذافي 2 “، وهو سيناريو شبه مستحيل ومما يعني تحققه الدخول في أتون حرب أهلية مدمرة لا قدر الله …

          ومرحليا يبدو وجود السراج واردًا في كل السيناريوهات رغم أن وجوده في بعضها سيكون بروتوكوليا بينما سيكون وجوده في السيناريوهين الأول والثاني رئيسيا ولكنه مرحلي، أما وجوده ما بعد الاستحقاقات الانتخابية فذلك أمر ثان مرتبط بعوامل سياسية محلية وإقليمية….  

____________

علي عبد اللطيف اللافي:كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

هذا المقال  يعبر  عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

155 total views, 1 views today

الوسوم: , , , ,

التنصيف : مقالات المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle