مراجعات(22)النخب السورية و أحداث الانفصال

أ.د.عبد العزيز الحاج مصطفى                        

رئيس وحدة الدراسات السورية                      

مركز أمية للبحوث  و الدراسات  الإستراتيجية  

 

         في صباح الثامن و العشرين من أيلول / سبتمبر من سنة 1961م لم يكن في الأذهان مايشير إلى بداية حدث جديد أو تغيير مرتقب. كانت الحياة على رتابتها؛ الحصص الدراسية كالمعتاد و الجميع مقبل على الدراسة. وفجأة يُدْفَع الباب بقوة – بدون استئذان – ويدخل القاعة شاب في يده العلم السوري ذي النجمات الحمراء و يهتف باسم الشعب العربي السوري إلى أمام. لقد كان الحدث مفاجئا بالنسبة لنا ! و كثير منا أصيب بالذهول، و لم يتكلم سوى الأستاذ الذي نادى الطالب باسمه؛ أن عليك أن تتريث. و أقبل الموجهون يركضون. فأخذوا الطالب فيما علا الوجوم الوجوه جميعا بما في ذلك الأستاذ الذي كان يطل من النافذة ليرسل نظرا عميقا و ليفكر مليا دون أن يتكلم كلمة واحدة !

      وفي صباح اليوم التالي – وكان قد أذيع البيان رقم واحد من القيادة العامة للجيش و القوات المسلحة؛ و فيه الحديث عن انقلاب  عسكري ضد نظام الوحدة . كانت المفاجأة أكبر بالنسبة لنا – نحن الطلاب – فالشعارات كانت مرشوقة على الجدران و حتى في الساحة؛ و هي مكتوبة بغضب شبابي و أكثر ها يعرض بقادة الانفصال الذين رموهم بمقذع العبارات و فاحشها. و كان مماكتبوه ضدهم بيتا من الشعر قالوا فيه:

       سخط الزمان على قوم فوظفهم – وصار قائدهم للشر مأمونا يقصدون مأمون الكزبري الذي كان قد أعلن عن تعيينه رئيسا للوزراء، و كان على مايبدو من المتقدمين في الحزب الوطني الدمشقي أما الطلاب فكانوا في هياج تام، و في غضب و تمرد، و قد انبرى بعضهم خطيبا، فألهب عواطف الشباب بكلماته الغاضبة التي دلت وقتها على التمسك بالوحدة بين سورية و مصر. وكان مما قاله :  لقد أسموها انتفاضة مباركة، و من الذي باركها غير العملاء و الأجورين. أما إدارة المدرسة التي كانت تضم كلا من الأستاذ أدهم مصطفى مدير الثانوية، وفايز اسماعيل أمين سرها. و الرجلان أعلنا عن موقفهما الرافض للانقلاب. و كان مماقاله أدهم مصطفى: إذا سلمنا جدلا بالانفصال فسنكون قد قضينا على حلمنا التاريخي بالوحدة. و الذي حدث بعد أن الأستاذين أصبحا من أعلام الحركة الناصرية. وقد أصبح أدهم من رموز الجبهة العربية المتحدة كما أصبح فايز من رموز الوحدويين الاشتراكيين مع العلم أن لاستاذين من العلويين أما – نحن الطلبة – فقد تحركنا شرقا من ثانوية الكواكبي عبر  السهل الزراعي الذي يفضي إلى الملعب البلدي. وعند بوابة الملعب كانت المفاجأة !
 فقد وصلت الدبابات التي عرفنا بعد أنها دبابات اللواء الخامس و هي قادمة من حمص لمواجهة غضب الجماهير الذي سيندلع في أعقاب الانقلاب!! لقد توقفت بمحاذاة الجدار الغربي للملعب. و نزل منها بعضهم. و الذي لم يغب عن الذاكرة خلال هذه الفترة الطويلة أن أحدهم و كان قد اقترب منا –  ويبدو أنه كان من عتاة الطائفيين –  بادأنا القول و بسخرية، ” و الله لأسكر في جوامع السعودية.”!! ولماذا السكر في جوامع السعودية بخاصة؟؟ هذا ما لم نستطع الإجابة عليه في ذلك الوقت !

        لم نتريث طويلا فتابعنا السير إلى ثانوية المأمون، وقد كانت إدارتها قد منعت الطلاب من الخروج إلا أن بعضنا قفز من  على السور و فتح الأبواب، و مع فتح الأبواب و اندفاع جماهير الطلبة إلى الخارج. كانت أصوات الرصاص قد أخذت تلعلع في مناطق كثيرة من حلب، و كانت العربات المصفحة قد توزعت في الشوارع وصولا إلى ساحة الكتاب و باب الفرج و إلى باب النيرب، وقد شد من أزر الطلبة وقوّى من موقفهم الحشود العمالية الغاضبة التي خرجت من معامل عين التل و الليرمون باتجاه المدينة فعلت أصوات الانفجارات، و استخدمت المدفعية و الدبابات. و الذي فاتنا و كان قد حدث مساء قبل ذلك. أن جورج مُحَصِّل و قد كان ضابطا برتبة الملازم الأول في ثكنة طارق بن زياد استطاع أن يسيطر على قيادة المنطقة الشمالية، و أن يعلن تأييده للانفصال و ربما بطلب منه كانت الدبابات قد استقدمت من حمص وبذلك أحكم الطوق على الجماهير الغاضبة. لقد كان سيل الرصاص لا ينقطع، و كنا في ساحة الكتاب في مواجهة المصفحات أعجز من أن نرسل غير صيحات الرفض الغاضبة لقد سقط منا أكثر من سبع مئة شهيد . وذلك حسب بيانات الشرطة أما الجرحى فقد كانوا أكثر من ذلك. وقد أسدل الستار على هذه الجريمة، و لم يقم قادة الانفصال بالتحقيق في الأسباب الموجبة التي أدت إلى استعمال الرصاص ضد الطلبة و العمال الذين لم يكونوا مسلحين بغير صيحاتهم الغاضبة بل لم يقدموا بيانا مقبولا يمكن أن يشكل قناعة لدى الرافضين للانفصال، و فضلا عن ذلك خلت بياناتهم العسكرية و السياسية من أية خطط  أو أهداف يمكن أن تكون بمثابة برامج عمل لهم فاستمرت المظاهرات و استمرت المناوشات و استمر الطلبة في مناهضتهم الانفصال. وقد كانت الأجواء المشحونة بالغضب الجماهيري الذي يوصف باللامنتهي قد أفضت إلى ظهور قيادات ناصرية كثيرة.. و مع أنها جميعها كانت تنادي بالوحدة ، إلا أنها تشظت و تشرذمت و ابتعدت كثيرا عن أفقها الحضاري. ففي إحدى المظاهرات التي كانت تخرج تأييدا للجزائر بمناسبة قرب استقلالها، خرج طلاب حلب من الثانويات و لحق بهم طلاب الجامعة، و كانت الهتافات تعلو و تعلو من الخليج الثائر إلى المحيط الهادر لبيك ياجزائر. كان ذلك و بزخم كبير  ثم فجأة تحولوا إلى هتافات وحدوية؛ كان ذلك عند منعطف سجن حلب المركزي باتجاه السبع بحرات. و في مكان لايبعد عن باب السجن أكثر من خمسين مترا قفز أحد الشباب و هو يحمل لافتة لم يتمكن من نشرها و هو يهتف عربية إسلامية. و فجأة انقسم الجمع على نفسه و تحول إلى عراك حاد بينما أقبلت قوات الشرطة المزودة بالعصي، فتفرق الجمع على غير هدى عبر أزقة حي الفرافرة الذي يؤدي إلى دوار القلعة. و لماذا كان هذا الهتاف؟ ولماذا ذلك الانقسام؟ و مالذي نتج عنه؟ ذلك مالم نحط به خبرا في ذلك الوقت.

       لقد ظللنا على هذه الحالة مدت ستة أشهر بالضبط و بالتحديد من 28/9/1961 إلى 28/3/1962م عندها فوجئ الشعب السوري بانقلاب يقوده النحلاوي. ووقتها انتشرت قوات الشرطة العسكرية و المظليين حول قيادة المنطقة العسكرية الشمالية، بينما ظلت جموع الطلبة على ماهي عليه من غضب و تمرد و لم يمض أكثر من ثلاثة أيام على الانقلاب حتى فوجئ الجميع بتمرد أكبر تقوم به القوات العسكرية في حلب. لقد عادت إذاعة حلب إلى ماكانت  عليه أيام الوحدة و أخذت تذيع البيانات الثورية التي كانت تعلن عودة الجمهورية العربية المتحدة و هي تطلب المساعدة فورا و تمهر ذلك بقولها. أنجدونا.. أنجدونا لقد كانت  أياما عزيزة و غالية. لكن الذي كان أكثر أكثر منها خطورة أن فوجئت القيادة العامة بجريمة نكراء كان بطلها الملازم الأول محمد إبراهيم العلي – علوي – و كان المنفذ الجندي المتطوع عبد الكريم مصطفى – وهو علوي أيضا – لقد قام بإطلاق النار في مبنى القيادة على أربعة من الضباط. أثنان من حلب هما: جميل قباني و صفوت الحلي و اثنان من دمشق هما: صفوح النعال و كامل عرنوس. لقد كان قتل الضباط الأربعة بمثابة رسالة موجهة إلى المدينتين (حلب و دمشق) اللتين يسيطر عليهما حزب الشعب، و حزب الوطن و لكن ذلك لم يحرك ساكنا ، فقد كان سقوط دولة الوحدة عندهما أهم من قتل الضباط الأربعة. بل الذي حدث أن تداعى الضباط من مختلف القطعات العسكرية إلى مؤتمر عقدوه في حمص. و هناك صححوا مسار حركة الانفصال فبعد أن كانت حركة انفصالية هدفها خلاص سورية من دولة الوحدة، و العودة بالبلاد إلى استقلالها – حسب زعم قادة الانفصال – أصبحت حركة عسكرية تسيطر فيها الوحدات الصغرى على الوحدات الكبرى _ وقد كانت حركة طائفية بامتياز _ وقد كان الذي طفا على السطح سجال الحركات الناصرية التي كانت تتهارش فيما بينها دون القدرة على فهم الواقع الذي تعيشه، وقد ركب الطائفيون مركبها و أصبحوا بعضا منها . فالضباط الأربعة قتلوا لأنهم من الانفصاليين، و قادة الانفصال أخرجوا من البلد لأنهم من الانفصاليين، وقد كان من الطبيعي جدا أن يعلو التصفيق و أن يكثر الهرج و المرج و أن يكثر الحديث عن عودة دولة الوحدة قصد خداع الشعب، و تمرير المخططات الخيانية التي اضطلعوا بها فيما بعد أما نحن الطلبة فقد قضينا عامنا الدراسي، و نحن موزعين بين أن نكون متظاهرين، أو أن ندخل المدرسة لنلقى أستاذا جديدا قد عين لتوّه بدلا من آخر لقد كثر تغيير الأساتذة بسبب انتماءاتهم، و مع كثرتهم هذه ضعف المردود العلمي، ولم يحصل أحدنا واحدا من عشرة من المقرر فنجحنا إلى الصف الأعلى و نحن أضعف مما كنا عليه من قبل. و لم تنته المعاناة بانتهاء العام الدراسي بل زاد الحراك في صفوف الطلبة الذين تفتقت أفكارهم عن إنشاء منظمة ( أبناء الريف). و تبع ذلك تخصيص صفحة أسبوعية في الجرائد التي تصدر في حلب باسم (ركن الريف) و كانت الكتابات أكثرها ثورية. و مما كتب في ذلك الوقت على صفحة جريدة: ( العالم العربي ) التي كان يرأس تحريرها أحمد البيك مسرحية ( فلسفة الإرادة )  وقد نشر منها فصلان ، و الفصل الثالث منع نشره الرقيب الأمني ذلك لأنه يتحدث عن ثورة  شعبية. وقد ظل  ذلك ديدننا إلى مطلع العام العام 1963 حيث كانت اللجنة العسكرية التي أحكمت قبضتها على الجيش و القوات المسلحة قد قامت بانقلابها الطائفي، الذي أريد له أن يتم مشروع غورو الذي يريد تحجيم السنة و إطلاق يد الطائفيين في البلد كله.

       لقد عاش الشعب السوري أياما عصيبة امتدت بين الثامن و العشرين من أيلول / سبتمبر من سنة 1961م و حتى الثامن من آذار من سنة 1963 وهذه الفترة هي من أخطر مامرت به سورية في ذلك الوقت فبعد أن كانت توصف بأنها فسطاط المسلمين تحولت إلى فسطاط مناهض للمسلمين!!!!

___________

هذا المقال  يعبر  عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

886 total views, 2 views today

الوسوم: , , , , ,

التنصيف : مقالات المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann
Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle