متلازمتا القوة والإرادة السياسية

د.نزار السامرائي                                       

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية

 

              تمكّن الملك عبد العزيز آل سعود وعلى ظهور الخيل وبأسلحة من مخلفات الحرب العالمية الأولى وبعدد محدود من أتباعه المخلصين من توحيد أجزاء واسعة من الجزيرة العربية التي تقع حالياً ضمن أراضي المملكة العربية السعودية بعد أن أخضع القبائل الأخرى، ونزع عنها مُلكها، ويقول كثير من أبناء الجيل الذي سبقنا : إن صقر الجزيرة العربية (هكذا كانوا يطلقون عليه) لو أراد أن يواصل معاركه ربمّا كان يستطيع ضم المزيد منها إلى مملكته، ولكنه كان حريصاً على مصادر مياه الأمطار التي تأتي بها السيول عبر الوديان إلى مملكته بسبب النقص الهائل في مياه الجزيرة العربية، وبصرف النظر عن أسباب ذلك التوقف، فإن مملكته أصبحت دولة مترامية الأطراف تمتد من حدود العراق وحائل وميناء العقبة شمالاً إلى حدود اليمن جنوباً، ومن الخليج العربي شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً، معظم تلك المعارك لم تستخدم فيها دبابة أو عربة حديثة أو طائرة.

            وبصرف النظر أيضاً عن الطريقة التي حقق فيها عبد العزيز آل سعود ذلك النجاح والتوسع في مملكته، وما يمكن أن قيل لاحقاً عن تواطؤ دولي معه من قوى كبرى في ذلك الوقت فقد أقام دولة مرهوبة الجانب في ذلك الوقت والآن.

           وبصرف النظر عما يقال عن أصول هذه العائلة فهذا أمر لا يعنينا لا من قريب ولا من بعيد، فإن ما تحقق كان هدفاً كبيراً جداً في جمع شتات منطقة جغرافية لأمة كانت تعاني من التشرذم والتمزق، وترفع صوتها عالياً في الشكوى منه، وتُحمّل الاستعمار بالتسبب به، مما أضعفها، وجعل الدول الكبرى ترّكز أنظارها على الوطن العربي طمعاً في ثرواته الطبيعية وموقعه الجغرافي الاستراتيجي، ولكن السؤال المهم هنا هل يمكن أن تشتغل القوى الاستعمارية خلافاً لمصالحها ؟، فإذا كانت تلك القوى هي التي مزقت أمتنا العربية، فكيف يمكن أن تعمل على نصرة بلد واحد ومساعدته أو غض النظر عن مساعيه عبر السلاح للقضاء على جزء من هذا التمزق،  وضمّ أجزاء متفرقة لتصبح دولة واحدة ؟

            إن الخوض في الأنساب وأصل ديانة القبائل التي تسكن الجزيرة العربية وغيرها، سيدخلنا في دوامة لا خروج منها لأن ذلك سيضيف سبباً قوياً للتناحر والتمزق في أمة تحرص أكثر من غيرها على أصولها وانتماءات قبائلها، وربّما عَرف تاريخنا العربي حروباً بين القبائل العربية طال أمدها بسبب التشكيك بأصولها، ذلك أن القبائل العربية تزاوجت، وتجاورت مع بعضها ومع أقوام أخرى دخلت الإسلام، وتداخلت أنسابها، فظهرت أجيال من أصول مختلفة، ثم إن الإسلام هو دين السماحة فإن الله –سبحانه، وتعالى- قال في سورة الحجرات :  “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.  فمن المفترض التسامي فوق الأعراق والقوميات، وباختصار شديد ما يهمنا من المشهد هو عمل هؤلاء الحكام، ومدى نجاحهم، أو إخفاقهم في خدمة بلدانهم والأمة العربية والإسلام.

            إن الإسلام ليس خاصاً بقوم بعينهم بل هو للناس أجمعين، ولم يضع ضوابط النسب على من يريد الدخول فيه، شرطه الأول هو الشهادتين، ثم بعد ذلك تأتي العبادات والالتزامات التي فرضها على أتباعه، وقد تكون أقوام من ديانات يهودية أو مسيحية أو غيرها من الديانات الوثنية الأخرى قد دخلت في الإسلام بعد أن عاشت سماحته، وأيقنت أنه دين الفطرة الإنسانية، هذا كله ليس من شأننا، أو غرضنا من هذا الموضوع، ثم إن الأبناء والأحفاد إذا حسن إسلامهم لا يمكن أن يسألوا عن ديانة آبائهم وأجدادهم وإلا علينا أن نحاسب كثيراً من سكان آسيا وأفريقيا ممن دخلوا الإسلام بسبب ديانة آبائهم وأجدادهم، كما  أن كثيراً ممن أسلموا في التاريخ العربي الإسلامي يجب أن نلاحقهم بديانة أجدادهم، ونواصل التشكيك بصدق إيمانهم، وهذا ليس من حق أحد أن يقول به لأن هذا متروك لرب العالمين، فهل كانت إنجازات عبد العزيز آل سعود نتيجة تواطؤ خارجي أم إرادة سياسية أو قوة عسكرية لا تقدر قوة مضادة على التصدي لها أو وقفها ؟

          هناك سؤال مهم يواجهنا اليوم هل سيضيّع أبناء الملك عبد العزيز وأحفاده ما بناه المؤسسون؟ والمقصود بذلك بالدرجة الأولى وحدة المملكة، ثم بعد ذلك انجازاتها أمام التحديات التي تواجهها واستمرارها كدولة محورية في منطقة تتجاذبها تيارات ومحاور دولية وإقليمية ؟ ولماذا لا تتوفر تلك الإرادة السياسية لديهم في مواصلة خط عبد العزيز آل سعود ؟

          هذا عرض لا صلة له بالمشاعر حباً أو كرهاً، إعجاباً أو اشمئزازاً بشخص عبد العزيز آل سعود، وإنما هو عرض لتاريخ حصل في جزيرة العرب بدايات القرن العشرين، ولولا ذلك لكانت هذه المنطقة قد تقسّمت إلى عدة كيانات أو إمارات متنافسة تتصارع على الأراضي والمياه والحدود والثروات لتضيف إلى أمتنا باباً من أبواب الصراع والحروب البينية بين كيانات تتقاتل مع بعضها إن لم تجد من تقاتله، أو بالأحرى تتقاتل مع بعضها لعجزها عن مواجهة عدوها الحقيقي، ليس هذا فقط من إفرازات الكيانات “المجهرية” في منطقة تزدحم بالإمارات والممالك الصغيرة التي تعتز بنفسها حد عدم استعدادها للذهاب إلى توحيد كياناتها كما حصل مع ما كان يطلق عليه “إمارات الساحل المتصالح” والتي نشأت على أعتابها دولة الإمارات العربية مطلع عقد السبعينيات من القرن الماضي بعد قرار بريطانيا الانسحاب من شرقي السويس، واستنكفت كل من قطر والبحرين عن الانضمام إليها وهما الإمارتان اللتان عاشتا فيما بعد صراعاً حاداً بشأن عائدية جزر “حوار، وفشت الديبل”، إضافة إلى الحساسيات الشخصية، والعشائرية، والسياسية التي يمكن أن تتوالد، وتتوارثها الأجيال الجديدة، بعضها موروث من الزعامات التي سبقها، وأخرى مستحدثة نتيجة الشعور بقيمة المناصب ووجاهتها، والعلم، والنشيد الوطنيين والسجادة الحمراء، والقصور الأميرية أو الملكية، أو المقارنة بين الفقر والثراء.

             بعد الملك عبد العزيز جاء ملوك كثر، كان أول الصقور فيهم بل وآخرهم هو الملك فيصل بن عبد العزيز الذي اغتاله ابن أخيه (خالد بن مساعد)، ونتيجة صراعات سياسية بين أطراف النظام الرسمي العربي في حقبة الستينيات من القرن الماضي وخلال عهد الملك فيصل تمّ استقطاب أعداد كبيرة من قيادات الإخوان المسلمين المؤشر عليهم الآن كحركة إرهابية، فقدم إلى السعودية عدد من قيادات الحركة في العراق، وسورية، والسودان، ومصر، ولا أريد الحديث عن إخوان مصر ولكن من العراق استضافت السعودية الشيخ محمد محمود الصواف زعيم حركة الاخوان المسلمين فيه، والسيد نعمان عبد الرزاق السامرائي الذي قيل إنه انشق عن الاخوان المسلمين، وأسس الحزب الإسلامي العراقي عام 1962 خلال حقبة اللواء الركن عبد الكريم قاسم، ولكنه في واقع الحال بقي مرتبطاً بحركة الإخوان المسلمين ارتباطاً روحياً، كما هو حاصل اليوم مع قيادات الحزب الإسلامي الطرف المشارك في العملية السياسية التي أنشأها المحتلون الأمريكيون.

           ثم جاء من بعد الملك فيصل بن عبد العزيز خلْف ترافق وجودهم مع تعاظم مداخيل النفط، فعاشوا حالة عالية من الترف انصرفوا إليه بكل شغف ونهم جعلتهم يكدّسون الثروات الشخصية، ولا ينفقونها في سبيل الله بل على موائد القمار والليالي الماجنة، هذا على الصعيد الشخصي، أما على المستوى الرسمي، فإن المملكة كما هو شأن بقية دول الخليج العربي راحت تكدس السلاح الأمريكي والأوربي، بحيث ذهب كثير من المراقبين العرب والدوليين إلى القول بأن هذا السلاح كان لمجرد العروض العسكرية أو الدخول في المتاحف الحربية وإنه لم يستخدم لنصرة قضية عربية على الإطلاق، بل على العكس من ذلك شاركت السعودية في حروب عربية كحرب اليمن بعد ثورة 26 سبتمبر 1962 بقيادة المشير عبد السلّال على نظام الحكم الإمامي، ودخل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى جانب الثورة بقوة وأرسل نحو 50 ألف من جنوده، في حين وقفت المملكة العربية السعودية إلى جانب حكم الإمامة في مفارقة مذهبية لافتة، فدعمت أنصار الأمير محمد البدر وريث العرش المُزاح عن منصبه، وكان هذا جزء من الحرب بالوكالة بين مصر والسعودية في اليمن ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه ولكن بشكل معكوس.

           أفرزت تلك الحرب حروباً باردة تمثلت بلجوء عدة أمراء من أبناء عبد العزيز إلى مصر، فحلّوا ضيوفاً على الرئيس عبد الناصر، وإن كان وجودهم هناك لم يؤثر على وحدة العائلة المالكة، وتَواصل الدور السعودي في هذا الاتجاه ففي سنة 1991 دخلت السعودية بقوة وفعالية في التحالف الدولي المعادي للعراق في العدوان الثلاثيني الذي قادته الولايات المتحدة إلى حد أن الأمير الفريق أول (خالد بن سلطان) أصبح قائداً شكلياً للقوات المشتركة ومسرح العمليات وقائداً للقوات العربية في العدوان بمشاركة الجنرال الأمريكي ( نورمان شوارسكوف)، على الرغم من أنه في واقع الحال كان ديكوراً إضافياً تم وضعه على مسرح العمليات لإضفاء وجاهة الدور العربي والسعودي في العدوان الثلاثيني خاصة.

           هذه الانحرافات والأخطاء الاستراتيجية التي وقع فيها الجيل الجديد أو تم ارتكابها من قبل هذا الحاكم أو ذاك، أثرت كثيرا على وحدة العمل القومي، هذا ما يجب التوقف عنده والتساؤل عن دوافعه ومآلاته، هذا هو الذي يعنينا مما يحصل في منطقة تعدّ اليوم من أكثر المناطق العربية إغراء وإثارة لأطماع إيران، لأنها تريد أن تجعل منها منصة للانطلاق نحو الآفاق البعيدة.

إيران توظف أخطاء النظام الرسمي العربي

          بسبب مبدأ التقية المعتمد في المذهب الجعفري الاثني عشري كواحد من أصوله، لا تستطيع إيران الدخول في مواجهة مباشرة مع أحد، فلا بدّ لها من وكلاء يقاتلون في معاركها الخاصة، وبسبب غياب تاريخ الفتوحات العربية الإسلامية من أي دور حقيقي للكيانات والدول التي اعتمدت المذهب الجعفري أو حتى من قبل الرموز الشيعية التي يقدسها الشيعة، إلا من خلال ما تلقاه من دعم خارجي من قوى معادية للإسلام، مثل الدولة الصفوية في إيران التي فتحت جبهة حربية في ظهر الدولة العثمانية بتواطؤ مع دول أوربا النصرانية والتي أدت إلى انكفاء الدولة العثمانية، وتقدم قواتها في أوربا تحوّل الموقف العسكري لصالح أوربا تدريجياً على حساب ممتلكات الدولة العثمانية، بسبب كل ذلك وغيره من الأسباب الأخرى، ذهب كثير من دارسي المذهب الجعفري الاثني عشري إلى الاعتقاد بأن هذا المذهب هو الأقرب للغرب الصليبي وطقوسه وممارساته، ثم إنه غير مؤهل لمباشرة دور تعرضي أو حرب بصورة مباشرة لصالح الإسلام، أو حتى الدفاع عن نفسه ما لم يحصل على دعم خارجي، فكل حروبه كانت عبر التاريخ ضد وحدة المسلمين والقضم من جرفهم.

            وفي سنة 1979 قامت ما تسمى بالجمهورية الإسلامية في إيران، واستلّت من التاريخ الفارسي كل ما فيه من غدر ومراوغة  في تعاملها مع العرب كقوم ومع الدول العربية والإسلامية، بل الأسوأ من ذلك إنها تمكنت من تأسيس مجاميع عربية سنية مسلحة لتنفذ أجندتها  الإقليمية، ورسمت لها مسارها، ووفرت لها المال والتدريب والسلاح للعمل ضد الولايات المتحدة وأوربا ومصالحهما في كل مكان لإلصاق التهمة بأهل السنّة من أجل دعم مقولة إن المذاهب السنّية هي التي تتولى الإرهاب الدولي، باعتبار أن المذهب الجعفري عطّل فرض الجهاد على شرط ظهور الإمام الغائب أو المهدي المنتظر وبالتالي فإن إيران على استعداد للتعاون مع المجتمع الدولي لمواجهة الإرهاب السنّي، ثم سرعان ما تتنصل عن تلك العمليات بل، وتستنكرها بقوة تزايّد فيها على المتضررين المباشرين منها.

            ولم يتوقف الأمر على العمل المسلح فقط، بل راحت إيران ترسم خطط نشر ولاية الفقيه على أوسع رقعة جغرافية في العالم الإسلامي، من أجل تخفيف الضغط عن المركز “طهران” وذلك بتوزيعه على الأطراف والأجنحة فنشطت فرق المبشرين بالمذهب في آسيا وأفريقيا وأغدقت الأموال على السذج والجهلة مع غياب الخطة المضادة أو لجهل الحكومات العربية بخطر المشروع الإيراني، ووفرت إغراءات كبيرة لدفع الناس إلى التخلي عن مذهبهم والانتماء إلى المذهب الجديد فتم تجنيد عشرات الآلاف من العناصر المرتبطة بولاية الفقيه من منظمات وتشكيلات سياسية وحزبية استناداً إلى غريزة إنسانية تنزع إلى التحلل من الضوابط الدينية والأخلاقية والسلوكية التي فرضها الإسلام وكل الشرائع السماوية، وتمسكت بها المذاهب الأربعة، وتحلل منها التشيّع وبقية الحركات الباطنية، ولعل في حروب الردة بعد رحيل رسول الله – صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى ما يمكن أن يسلط الضوء على أسباب التحول إلى التشيّع؛ لأنه يبّسط على أتباعه التزاماتهم وعباداتهم، ويقدم لهم تسهيلات فيها خروج على قيم الإسلام، كل هذا يحصل ودول الخليج العربي النفطية وخاصة المملكة العربية السعودية التي اختصها الله بشرف نزول رسالة الإسلام  ووجود الحرمين في أرضها، في غفلة عما يدور حولها، ويستهدف أمنها بل ووجودها، وتغط في سبات عميق، بل راحت السعودية تعتذر عن عمليات إرهابية ألصقت بها ولا صلة لها بها لا من قريب ولا من بعيد، وبلهجة لا تخلو من ضعف وانكسار، والأكثر من ذلك أن دول الخليج العربي التي تسيطر عليها مشاعر الوقوف في قفص اتهام دولي من الوهم بحجة دعم الإرهاب، طفقت بخطاب ديني تسيطر عليه دوافع سياسية ألحقت ضرراً بسمعة تلك الدول، ولم تنتفع بها في خطابها الموجه لأمريكا من أجل تحسين سمعتها وتلميع صورتها، وكأن فتح دور السينما وإقامة الحفلات الغنائية في الحجاز ومنح المرأة حق قيادة السيارة هو أهم جوهر من أوجه الحداثة والتطور، وهذا يطرح عدة أسئلة منها، هل هذه التحولات جاءت استجابة لحاجات، وتطلعات داخلية، وإرادة الشعب في المملكة أم جاءت استجابة لضغوط خارجية وخاصة من الولايات المتحدة التي تحرص على التدخل في البلدان الأخرى بما في ذلك التقاليد الدينية والاجتماعية ؟؟ .

            ومنها، ما هو موقف علماء الدين الذين كانت لهم فتاوى واضحة ضد كل ما تم إقراره بقرارات رسمية ؟ وكيف سيكون بوسعهم تبرير موقفهم السابق، وكيف سيجدون مخرجا لفتاواهم الجديدة ؟ وأخيراً هل حسبت المملكة بدقة ردود الفعل الشعبية أو من جانب علماء الدين أو حتى من جانب الحركات الإسلامية  المعتدلة والمتطرفة على سلسلة القرارات التي أقدمت عليها ؟

            من هذه النقطة التقطت إيران رأس الخيط ، وتمكنت من توظيف ما لحق بدول الخليج العربي من ضرر نتيجة التحولات الشكلية التي عاشتها السعودية في الآونة الأخيرة وأضافتها إلى مكاسبها القديمة، فعززت من سيطرتها على العراق، وسوريا، ولبنان، وامتدت في خطوات متسارعة في أفريقيا التي باتت تشهد تحولاً خطيراً نحو التشيّع، ولم تتحرك المملكة العربية السعودية لمواجهة هذه التحولات الأخطر في التاريخ الحديث، إلا بعد أن أحست أن النيران بدأت تقترب من حدودها مع اليمن بعد انقلاب الحوثيين على الشرعية ودخول إيران بثقل استثنائي على هذا البلد العربي، وارتفعت نبرة الخطاب المعادي للسعودية  في بغداد وصنعاء وبيروت حتى وصل الأمر إلى حد التهديد باحتلال الحرمين الشريفين والصلاة في الكعبة، وحديث أكثر من مسؤول إيراني عن سيطرة طهران على أربع عواصم عربية وإحكام السيطرة على الممرات الملاحية الدولية.

           وما ينطبق على التشيّع ينطبق على وفق وجهة نظر دارسين عرب وأجانب، على المذهب الارثودوكسي في الديانة المسيحية، الذي لم يشاطر الكاثوليكية أو البروتستانتية نزعة العدوان والتوسع وخاصة على حساب البلاد الإسلامية أو في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، فماذا حصل في الوقت الحاضر؟ لماذا انتقل السيف من يد السنّة إلى الشيعة ممثلة بإيران ؟ ومن الكاثوليكية والبروتستانتية إلى الأرثودوكسية ممثلة بروسيا حتى امتلكا أكثر الملفات التي لها صلة بالوطن العربي حساسية، ولا يستطيع العرب على ما يمتلكون من موارد من تغيير المعادلات السياسية في سوريا، والعراق، واليمن، ولبنان من دون موافقة إيران الموجودة بثقل استثنائي على الأرض؟

           لقد أخذ الطرفان عنصر المبادأة وعقدا حلفاً، وكأنه تعبير عن عقد تاريخية ونزعة الانتقام من غبن التاريخ الذي ترك آثارا جغرافية ؟ فكانت ساحة هذا الانتقام بلاد العرب السنية من دون التجرؤ على اللعب في ساحات أخرى، ولكن ليس بصورة مباشرة، وإنما عبر وسطاء ووكلاء محليين رسميين أو من مجاميع شيعية تم تشكيلها من قبل الزعامة الإيرانية باسم التشيّع والولاء لآل البيت والانتقام لما لحق بهم من ظلم عبر التاريخ الذي حكمت فيه دول سنية نزعت عنهم حقهم في الحكم.

          أليس محزناً أن تصبح إيران ثالث اللاعبين الرئيسين في أكثر الملفات العربية المصيرية التي خرجت، أو انتزعت من العرب عن طيب خاطر ، أو مضطرين بانتظار الحلول الجاهزة والقادمة إليهم من الخارج ؟

           لقد تخلى العرب عن الشعب العراقي في محنة الاحتلال وسيطرة إيران على مقادير العراق وتحويل سنته إلى فئة من الدرجة الرابعة بعد الشيعة والأكراد والأقليات الأخرى، حتى صار العراق جزء من المجهود الإيراني للتوسع باتجاه الوطن العربي،  وما ينطبق على العراق ينطبق على سوريا أيضاً وربما بدرجة أكثر وحشية، فبعد أن كان يجب على العرب الوقوف مع الشعب السوري، ويوفروا له الدعم المادي والسياسي والتسليحي، راحت خلافاتهم تلعب بالملف السوري وكأنه دمية كل طرف يريد انتزاعها من يد الآخر، حتى تغولت إيران وروسيا في دعم النظام فسحق مدنا بكاملها من أجل إقامة سوريا المفيدة تحت لافتة أن سوريا ليس لمن يحمل جنسيتها وإنما لمن يدافع عنها، لقد تخلى النظام العربي عن ثورة الشعب السوري خشية من الدول الكبرى في حين أن إيران راحت ترسل بمختلف الأسلحة وبآلاف العناصر من الحرس الثوري والمليشيات الشيعية من العراق، وأفغانستان، وباكستان للقتال مع نظام بشار ضد الشعب السوري، ولم تكترث ولو للحظة واحدة لكل ردود الفعل الدولية، هذه الإرادة السياسية التي امتلكها التشيّع هي مفاجأة التحول الذي يعيشه الإسلام في هذا القرن والقرن الذي  سبقه، وهذا ربما يكون من بين أسباب نشوء حركات إسلامية متطرفة كان للغرب، وأمريكا، وإيران يد واضحة في رعايتها، فوجهت كل غضبها على السنّة بدلاً من إيران، وكأنها تريد أن تقول : هذا عقاب لمن تخلى عن فرض الجهاد.

            ومن اللافت أن الخلاف الخليجي بين أطراف مجلس التعاون قد أفرز سلوكاً سياسياً مراهقاً من جميع الأطراف. كل هذا يحصل والسنّة لا يجيدون إلا الحديث عن أمجاد الماضي وانتصاراته وبطولاته، وعدوهم يواصل تمدده على حساب أرضهم العربية وعلى حساب عقيدة التوحيد التي يؤمن بها أهل السنّة والجماعة، ومن أجل التستر على مجهوداتها الحثيثة ترفع إيران من وتيرة شعاراتها في التقارب إقليمياً ودولياً،  وتدعو بصوت مرتفع لحوار المذاهب للتقريب بينها، وشكلت من أجل ذلك هيئة رسمية مرتبطة بالولي الفقيه لتتصل مع الدول المجاورة وعلماء الدين السنّة فيها، من أجل إزالة أسباب الشحناء بين المذاهب الإسلامية، وكأن هذه الخلافات نشأت من تلقاء نفسها وليس بسبب الدور الإيراني، وبذلك تنتقل الأزمة “على ما تظن إيران” إلى ما بين المذاهب الأربعة عن جدوى الحوار مع إيران واستمراره مع إصرار حوزات قم وغيرها على تكفير كل من لا يؤمن بالولاية، بل الأسوأ من ذلك التشنيع على الخلفاء الراشدين وأزواج النبي، ويحاولون تخدير السنّة لا للوصول إلى تفاهم مشترك لحقيقة ما جاء به الإسلام بل لسحب السنة إلى ما يريده التشيّع من قناعات ومعتقدات تتصادم ليس مع المذاهب الأربعة بل مع الإسلام الذي نزل على صدر النبي – صلى الله عليه وسلم-، وبحجة الحوار والتسامح يتوالى قضمهم للأرض والشعب.

             أما على الصعيد الدولي فقد ظلت إيران تطرح نفسها كقوة مناهضة للإرهاب، من أجل قبولها في المجتمع الدولي وخاصة لدى أوربا والولايات المتحدة بتحرك متناسق مع برنامج التطوير النووي والصاروخي، حتى يوشك العالم أن  يصحو يوما على خبر مفزع عن تجربة نووية إيرانية شبيهة بالقنبلة الكورية الشمالية، وبعدها تتوالى التنازلات الدولية لها لقبولها كقوة دولية معترف بها تنافس العالم في السيطرة والنفوذ على بقعة كان العالم ينظر إليها على أنها منطقة حيوية لإدامة عجلة الاقتصاد العالمي بالدوران.

           من المفهوم أن الغرب يعي جيداً حقيقة ارتباط إيران بالإرهاب الدولي، منذ أن استولى “أنصار الإمام” على مبنى السفارة الأمريكية في طهران عام 1979 في ممارسة مذلة لمكانة الولايات المتحدة وهيبتها ربما ما تزال الإدارات الأمريكية تشعر بوطأة الصفعة الإيرانية، لكن التردد الأمريكي في التعامل مع إيران الخميني شجعها على مواصلة اختبار الصبر الأمريكي، فقد نفذت مجاميع تابعة للحرس الثوري تفجيرات استهدفت مصالح ومقرات عسكرية أمريكية وطائرات في أكثر من قارة وخاصة ما جرى في لبنان، هذه العمليات الإرهابية جعلت الغرب يفكر أكثر من مرة قبل تنفيذ أية عملية عسكرية مضادة لإيران بسبب الإحساس الخاطئ بأن إيران قادرة على إلحاق الأذى بها كرد فعل من جانب المنظمات التي شكلتها إيران وخاصة في المنطقة العربية.

            العرب هم الذين تركوا إيران تخوض “بصورة مباشرة أو بالنيابة” حربين في وقت واحد، كنا نقاتلها في جبهات الحرب وأهملنا حروبها العقائدية في أكثر من ساحة من الوطن العربي وآسيا وأفريقيا بعد أن نشرت معمميها هناك، وخصصت ميزانيات سخية ومفتوحة للإنفاق على تلك الأنشطة حتى وإن أدى ذلك إلى اختناقات اقتصادية أو تذمر شعبي داخل إيران نفسها، ووظفت في تلك المهمة الخبرة المتراكمة لحركات التبشير المسيحية التي تحركت في الأوساط الفقيرة والتي تعاني من تفشي الأمية والمرض وخاصة في أفريقيا، ففتحت المدارس والمراكز الصحية مقابل الارتباط بولاية الفقيه.

           لقد أهمل العرب هذا السلاح العقائدي نتيجة الجهل بمخاطر نتائجه وأثره الكارثي على العرب أنفسهم، بل لقد تعاملت الدول العربية التي يتواجد فيها ثقل شيعي ملموس، بنفاق سياسي معيب، وراح يجاملهم، وأعطاهم أدواراً سياسية أكبر من استحقاقهم القانوني بحساب أن هذه الخطوات قد تحيدهم، أو تدمجهم في بيئتهم، على خلاف ما تمارسه إيران من اضطهاد للسنّة فيها، حتى تكونت عند أتباعهم قناعة أنهم وحدهم على حق وأن الطرف الآخر وصل إلى مرتبة من الضعف التي وفرت إغراء لممارسة المزيد من الضغوط السياسية داخلياً وخارجياً والفعاليات الشعبية الضاغطة بقوة على أعصاب المسؤولين، وإلا لما أضطر من بيده السلطة والمال إلى أن ينحدر إلى هذا المنزلق، لقد كان من الواجب الديني والأخلاقي أن تنهض المملكة العربية السعودية بالمال والعلماء مع الأزهر بالعلماء لتطويق التشيّع وبدلاً من ذلك  نرى أن كثيرا من المراكز الإسلامية التي أقامتها المملكة تمكنت إيران بعد وصول الخميني إلى السلطة من الاستيلاء عليها وتحويلها إلى بؤّر لنشر التشيع والخرافات والأساطير مستغلة أجواء الديمقراطية في المجتمعات الغربية لنشر سمومها.

           وعلى الرغم من أن العراق الذي خاض حرباً ضروساً ولثمانية أعوام بجدارة عالية ضد إيران جرّع على أثرها (الخميني) كأس السم، فإنه لم ينشغل بالحرب فقط ، ولم تجعله يغفل هذه الوظيفة إذ كان يبعث بعلماء الدين إلى الدول غير الإسلامية لنشر الإسلام وليس إلى دول إسلامية سنيّة لتحويلها نحو التشيّع كما كانت إيران تفعل باستمرار، ولو أن جهوداً عربية مشتركة قد تضافرت لتم تطويق المشروع الإيراني، ولكن انشغال العرب بالحروب البينية ترك ثغرة كبيرة تسللت منها ولاية الفقيه إلى العراق، وسوريا، ومصر، واليمن، والمملكة العربية السعودية ..وغيرها من البلدان الأخرى.

           في الوقت الذي كانت إيران تقدم تشيّعها على أنه مذهب التقشف والزهد والفقراء هذا بصرف النظر عن حقيقة ما يجري، كان مسؤولو دول الخليج العربي النفطية ومن دون استثناء، مشغولين باكتناز الأموال الشخصية من مصادر رسمية من دون جهد منهم في تحصيلها، ولكنها تدفقت عليهم بحكم انحدارهم من الأسر الحاكمة، ثم ليبعثروها على موائد القمار والليالي الحمراء، أو لإقامة حفلات الأعراس الأسطورية التي لا وجود لها حتى في حكايات ألف ليلة وليلة لأمراء تدفقت عليهم الأموال لمجرد أنهم أمراء كانت تتدفق عليهم المخصصات الرسمية منذ اليوم الأول للولادة إلى يوم الوفاة، وهذا ما كان يخلق حالة من التنافس بينهم كي يسجل أكبر الأرقام في سعر عقود الماس، وما ينفق في حفلات الزواج الصاخبة، ليس هذا فقط بل تضاف إلى أموالهم الأعطيات التي تصلهم من الملوك والمسؤولين الأعلى، أما إذا شغلوا وظائف حكومية فإن مرتباتهم ستفوق مرتب الرئيس الأمريكي، أو تصرف لاقتناء الطائرات والسيارات والقصور الفخمة واليخوت الحديثة لمجرد أن هذه المقتنيات قد نالت إعجابهم، وهذا فضلاً عن أنه يتعارض مع مبادئ الإسلام وقيمه فإنه مدان من الناحية الأخلاقية كما ترك ردود فعل عالمية مستهجنة لهذا الإسراف والانحراف والفساد، حتى ذهبت بعض تفسيرات الغربيين إلى أن هؤلاء الحكام يخشون من غد مجهول، فيحاولون ضمان عيش رغيد بعد زوال حكمهم، ويبدو أن هؤلاء نسوا الدروس المستخلصة من مصير أموال شاه إيران السابق وبعض الحكام العرب الذين أسقطهم الربيع العربي، لقد صار مؤكداً أن النظم التي تحكم باسم الإسلام، وهي بعيدة عنه بعد المشرقين هي أكثر النظم فساداً، وسطوا على المال العام.

            الوطن العربي غارق حتى قمة رأسه في صراعات بينية، وحتى مجلس التعاون الخليجي الذي ظنه البعض أكثر التكتلات العربية انسجاماً وتماسكاً، تبين أنه يعاني من أزمات تحت السطح أكبر بكثير من كل النوايا الحسنة المعلنة، ولاحظ مراقبون أن الخلافات بين أطراف المجلس كانت تنعكس بصورة أوتوماتيكية ومعيبة على علاقة كل دولة مع الدول الأخرى، ولعل في تهالك دول الخليج العربي على الولايات المتحدة، وتسابقها فيما بينها لدفع الديات لترامب.

           الاستراتيجيات لا تبنى على أساس ردود الفعل، وإن كان يجب عدم إهمال أفعال الأطراف المعادية، إلا أن العرب الذين عقدوا مؤتمر قمتهم الأخير في مدينة الظهران لإبعاد الزعماء العرب عن أي تهديد قادم من الحوثيين، ولكنهم – وهنا المفارقة – اقتربوا من المورّد الرئيس لصواريخ الحوثيين أي إيران، فبدلاً من معالجة الخطر من جذوره راح العرب يبحثون ظواهره الجزئية.

          إن مواجهة إيران هي الهدف المركزي الذي يستطيع العرب في حال وضع حد لمخاطره من حل كل أسباب التأخر، أو استغلال القوى الدولية إلى حاجتهم للسلاح عن طريق توظيف الأزمات الإقليمية للعب على نهاياتها السائبة وعدم السماح بوضع حلول جذرية لها، العرب مطالبون بوضع جدول سياسي شبيه بجدول مالديف للعناصر الطبيعية بحيث لا يخطئ، عليهم عدم استثارة دول تحاول التقرب منهم، وإلا ما معنى تصريحات الأمير (محمد بن سلمان) خلال زيارته للولايات المتحدة من أن هناك قوى تحاول استغلال صناديق الاقتراع للوصول إلى السلطة، ألم يحسب رد الفعل على هذا التصريح في بلد يعتمد صناديق الاقتراع لتداول السلطة ؟

           يجب رسم معالم الأمن القومي العربي اعتماداً على الموارد والإمكانات الذاتية، وعدم تعليق هذا الهدف الاستراتيجي على وعود غامضة من الدول الكبرى يعد مؤشر خط الشروع للانطلاق إلى أهداف كبيرة تليق بأمة كبيرة كأمتنا العربية تنافسها قوى معادية تمتلك موروثاً ثأرياً بسبب ما اختص الله أمتنا برسالة الإسلام وليس أية أمة أخرى.   

_________________

هذا المقال  يعبر  عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

285 total views, 1 views today

الوسوم: , , , , ,

التنصيف : مقالات المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle