مراجعات(19) النخب السورية و الزعامات الخائبة

أ.د.عبد العزيز الحاج مصطفى                    

                                                                                            رئيس وحدة الدراسات السورية                  

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية

       

             للرجال في تاريخ الأمم و الشعوب دور رئيس يؤدى من واقع المسؤولية؛ وبه تعزّ الحياة و تجلّ، أو ترخص و تضعف، و العلامة الفارقة بين المستويين(مواقف الرجال) التي بدونها تكون الهزائم و الانكسارات.

     و الأمم الحية جميعا –و بدون استثناء– ما من واحدة منها إلا خلا فيها رجل؛ حمل تبعاتها، وصنع انتصاراتها، و كان موضع اعتبارها.

            وعلى أساس من ذلك: يستوي الناس جميعا في القديم و الحديث، و إن كانت طبيعة الرجال لدنهم جميعا تعود إلى خصوصية كل أمة؛ حيث تلعب الثقافة التي يُنَشَّأُ عليها الناس دورا في تكوينهم الشخصي. وهذا هو السر في كون هذه الأمة أرقى طبقة من تلك. و أنها تعد في حكم المتجدد؛ حيث لاتتوقف حياتها على ( زيد ) من الناس، و إنما سلسلة الأعلام عندها لاتزال مستمرة. و السبب الرئيس في ذلك يعود إلى خزينها المعرفي الذي به ترقى  و تبقى.

         و مانقوله؛ و هو تقييميّ بحت، يقودنا إلى موقف اعتبار كبير، وقد خلت الساحة من ( الرجال ) الذين على عواتقهم تقع المسؤولية، و بمستوى يؤهلهم من حملها فعلا.

       وقيل ماقيل عنا –نحن السوريين-  فقد ابتلينا بعدد من الزعامات التي كتب عليها أن تبوء بالخيبة  في كل مااضطلعت به من أعمال، و أن تنتقل من السيء إلى الأسوء، و ألا تحصد غير الخسارة.  و في تقديرنا أن ذلك يعود لسببين:

  السبب الأول – يتعلّق بالتلمذة الخاطئة:

         و التلمذة الخاطئة هي التي حالت دون الأبناء من أن يكونوا على سنن آبائهم؛ أي: أن يقتدوا بهم. و المعروف أن النخب المثقفة في وقت مبكر أكثرها أخذ  عن المدارس التبشيرية تعليمه الأول، و من لم يأخذ عنها أخذ عن الكتاب المترجم أو كان جزءا من ( حركة التغريب ) التي عرفها العرب منذ القرن التاسع عشر. و عند هؤلاء غلّبت المفاهيم ( الكنسية ) على المفاهيم ( الإسلامية ) و بالتالي كانوا يتصرفون على وفق (الثقافة الكنسية) التي كان يختبئ خلفها الساسة الأوربيون الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أنهم يخوضون حربا صليبية ضد الإسلام و المسلمين.

   السبب الثاني – يتعلق بالانبعاث الخاطئ:

        كانت مسألة الانبعاث مع أول القرن العشرين ضرورية. و ذلك من أجل الحفاظ على الهوية الحضارية. و كان الانبعاث يتطلب: أن يفهم الإنسان تاريخه الحضاري. بيد أن تنشئته الأولى وقد كانت تبشيرية ، حالت دون أن يكون انبعاثه عربيا إسلاميا، فجذبته إليها الجاهلية الحديثة، وقد كان محصورا في ( دائرة ) من الجهل والتخلف. فإذا به يحذف الإسلام من قاموس حياته. ولم يعد يعرف معنى للأصالة أو الانتماء، كما لم تعد تحكمه العقيدة، أو توجهه السنن، أو تجذبه إليها فضيلة كان المسلمون الأوائل قد ساروا عليها، فكان كالمنبت الذي لا أرضا قطع و لا  ظهرا أبقى. ولذلك كان بتصرفاته كلها قد عاد إلى جاهلية. و بعض الذين قاربوا أو قارنوا بين الجاهليتين يجد أن جاهلية القرن العشرين كانت أخسّ و أردى و أحط مستوى من جاهلية القديم بعامة. و صورة ذلك يمكن أن تلحظ منذ مطلع العصر الحديث. وقد بدا الاضطراب والخلل واضحا في تصرفاتهم  و الحقبة  من 1913م إلى 1963م، تبدو فيها خيابة الزعامات شاخصة للعيان في كل موقف و قفته.

     و بسبب من كبر المسألة،  تطلب الأمر من الزعامات التي كان عليها أن تتقدم الصفوف، أن تكون حمّالة لأهدافها العظيمة أن تتحلى بأربع صفات:

      الصفة الأولى – أن تكون منتمية لهذه الأمة، تشعر بأبوتها و تعتز بها و تضحي من أجل إعادة أمجادها و تعمل جاهدة قصد إصلاحها، و لا تتيح الفرصة للغرباء و المندسين أن يكونوا معها في خانة واحدة، فضلا على أن يكونوا قادة أو قدوة لها.

      الصفة الثانية – أن تكون ملتزمة بأخلاقها: و بالفطرة التي فطرت عليها، على سنن من الاستقامة ، و تمتاز على من سواها بشخصيتها التي تختزن في داخلها إرثا حضاريا عمره ثلاثة عشر قرنا  و دروسا و عبرا،  قل أن يوجد نظيرها عند الشرق و الغرب. وفي ذلك عصمة لها من أن تذل أو ترخص.

       الصفة الثالثة – الكفوءة و ذات الاختصاص: و هذه الصفة و هي صفة تضاف إلى سابقتيها تجعل من الذين يتقدمون الصفوف مؤهلين حقيقة لتقدمها؛ فهم  يضطلعون بمهامهم بجدارة ، و يعملون على وفق رؤية محككة. و يدهي جدا أن ينتدب للسياسة السياسي و للإعلام الإعلامي ، و للعسكرية العسكري. و للتعليم الأكاديمي العالم الذي يكون أكثر خبرة بالتعليم. وهكذا…

     الصفة الرابعة – أن تتمثل فيه شخصية القدوة: و تتحلى بالصبر و الأناة. و تكون على استعداد للبذل و التضحية. و لاستيعاب الآخر. الذي يجب أن تكون قدوة له.

       و هذه الصفات الأربع هي التي كان يجب توفّرها في  من أراد أن يتقدم الصفوف ، أو أن يكون في ذلك زعيم و هي مسألة غاية في الأهمية. و بدونها يكون ما كان و قد حصل؛ سيما في هذه الفترة و على امتداد الخمسين عاما التي مرّت. و قد كان من خصائصها يومئذ:

 أولا-عدم النضج:

       و كان ما كان من أمرهم في ذلك الوقت. فقد كان عدم النضج مقتلا لهم. و ليس أصعب من أن يتقدم الصفوف غير الناضج. ذلك لأنه يكون عاجزا عن القيام بالواجب بالرغم من رغبته و إقدامه ففي مؤتمر باريس سنة 1913م. كان الذي تقدم الصفوف، و دعا إلى المؤتمر ثلة من الشباب من الطلبة السوريين في باريس   وقد بلغوا أكثر من ثلاث مئة و هم جميعا من المتأثرين بالثقافة الغربية، و من المتحالفين مع الغرب ضد الدولة العثمانية التي كانوا يعدون من مواطنيها. و مع أن الانجازات الأوربية كانت باهرة – سيما في مجال الاكتشافات العلمية وقد كانت جذابة بالنسبة لهم، إلا أن  هؤلاء لم يفهموا طبيعة المعركة بين الشرق و الغرب، و هي معركة تعود جذورها إلى الحروب الصليبية التي بدأت سنة 492 من الهجرة وقد كان ذلك يتطلب فهما إستراتيجيا يرتقي إلى مستوى المسألة. و بالتأكيد شباب مؤتمر باريس لم يكونوا في ذلك المستوى فصبوا جهودهم في خانة الحلفاء الذين كانوا يتآمرون عليهم. وقد جاءت بعدُ اتفاقية سايكس بيكو سنة 1916 ووعد بلفور سنة 1917 لتؤكد حقيقة المطامع الأوربية تجاه بلدانهم:

      و مثل ذلك يمكن أن يقال عن فيصل و الحكومة الفيصلية، التي لم تكن في مستوى من النضوج يؤهلها لحمل تبعات المسألة، أو للوقوف في وجه الأجنبي الذي راحت طلائعه تغزوها في عقر دارها. بل كانت من أجناد ذلك الأجنبي. و اللافت للنظر في المسألة أن فيصل بن الحسن عندما وصل جسر القدس أرسل له اللنبي لا تدخل القدس حتى أصل إليك. و لما وصلها قال قولته المشهورة ( الآن انتهت الحروب الصليبية.)

       لقد كان الحلفاء يخوضون الحرب ضد الدولة العثمانية برؤية صليبية بحتة، و كان طليعتهم إلى ذلك بعض أبناء الأقليات من مواطني الدولة العثمانية.

ثانيا – المغامرة و التمرد:

         كثيرا مايكون المغامرون و المتمردون من الدهماء. و من النكرات الاجتماعية التي تعاني من عقد النقص؛ في تنشئتها و تربيتها و في طموحاتها. و قد شكل ذلك مادة خصبة للأجنبي الذي وجد ضالته فيهم. فمع وصول غورو إلى دمشق سنة  1924م تفتق ذهنه  عن استيعاب لهذا الصنف من القوم فأحدث مايسمى بقوات الشرق الخاصة التي وجدت فيهم مادتها الخام وقد وظفتهم فيما بعد في مطاردة الوطنيين. إلا أن خطرهم الأكبر ظهر في مرحلة مابعد الاستقلال حيث ثبت بعد أن قادة الانقلابات العسكرية كلهم و من شاركهم و من آزرهم كانوا من أبناء الأقليات و من قوات الشرق الخاصة.فضلا عن قلة قليلة منهم ممن كانوا قد تسربوا إلى قوات الشرق الخاصة في أربعينيات القرن الماضي و أغلبهم كانوا من ضحلي الثقافة، و من المتأثرين باليسار الذي استفحل أمره في ذلك الوقت، و هؤلاء جميعا كانوا قد وضعوا بيضهم في سلة عدوهم، فهم لم يمروا على الثقافة الإسلامية، بل كانت بالنسبة لهم سبّة، و مصطلح الرجعية الذي ألصقوه بالإسلاميين –زورا و بهتانا-  يدل على جهلهم و عدم تقديرهم لطبيعة ماهم فيه من انحراف عما كان عليه آباؤهم، و عما تتطلبه المعركة من فهم وتقدير، للعدوانية التي يكنها الغرب للإسلام و المسلمين.

        ثالثا- الاستعلاء و التفرد:

               يجمع الاستعلاء و التفرد ( الأرستقراطيين ) بعامة. من كبار ملاك و كبار تجار و مزارعين و هم ممن نالوا رتبة ( الباشاوية والبيكاوية ) في عهد الدولة العثمانية. و قد كانوا أشبه بزمرة من اللصوص المحترفين الذين أثروا بطرق غير مشروعة ثم امتازوا من سواهم بما أوتوا من مال. وقد مكنهم ذلك من أن يكونوا على مستوى من الوصاية، و أن يتقدموا الصفوف و يتصدروا القيادة، بل و أن يحتكروها طوال خمسين عاما و لم يسلموها إلا لعتاولة الطائفيين بعد ذلك.

          و الغريب العجيب و كأنما هو بعض من مخطط مرسوم، أن يتمَّ تقاسم ( الكعكة الوطنية ) بين هؤلاء و هؤلاء. فكان لأبناء الأرياف و منهم الطائفيون الجيش و القوات المسلحة، و كان للإرستقراطيين الرئاسات و الوزارات و الدوائر الرسمية في الدولة. و بناء على ماتقدم عرفت سورية زعامة شكري القوتلي، و جميل مردم و صبري العسلي و هاشم الأتاسي و ناظم القدسي و سعد الله الجابري و رشدي الكيخيا و معروف الدواليبي و مأمون الكزبري، و هؤلاء جميعا و هم ممن تناوبوا على الرئاسة و الوزارة ، و ممن تصدر الجمع في ذلك الوقت لم يكونوا مؤهلين لقيادة بلاد يتآمر عليها الداخل و الخارج، و مع أن وضع القوات المسلحة كان مزريا و خطيرا وقد كثرت فيه الانقلابات و الاغتيالات إلا أن هؤلاء لم يفقهوا أبجدية العمل الوطني و أكثرهم كان من تلاميذ المدارس التبشيرية أو من الذين رحلوا إلى الغرب في إطار البعثات التعليمية ثم عادوا وقد أخذوا عن  فرويد  و دارون و دور كايم الأفكار التي من شأنها أن تضعف و تفرّق. أما الفهم الحضاري للمسألة، و مايقال عن الانتماء و الإلتزام فهو عندهم من المستهجن، مما جعلهم يصطفون في صف أعدائهم!!

رابعا- الشرذمة المناطقية و الحزبية:

      مثّلت ( الشَّرذمة ) بالنسبة للسوريين الحالة الأكثر خطرا على الصعيدين الرسمي  و الشعبي. و كانت المناطقية و الحزبية سلاحها في تضادها التاريخي الذي عاشته خلال الخمسين عاما التي مرت قبل الثامن من آذار من سنة 1963م. و مع أن بدايات العمل الوطني في ذلك الحين كانت مقبولة وذلك بسبب لقائهم على تشكيل مايسمى بـ( الكتلة الوطنية ) التي عمل على إنشائها المرحوم إبراهيم هنانو سنة 1927م و التي قادها بعد هاشم الأتاسي، إلا أن الأرستقراطية عرفت كيف تثبت مخالبها في جسد تلك الكتلة إذ ما كاد يأتي عصر الاستقلال الذي قذف بالدمشقيين إلى واجهة العمل السياسي حتى تصدع كيانها فتداعت إلى مؤتمر بعلبك في لبنان سنة 1947 و هناك انقسمت على نفسها إلى قسمين:

       القسم الأول – تمثل بحزب الشعب الذي كان من قادته التاريخيين ناظم القدسي، و رشدي الكيخيا، و معروف الدواليبي وقد مثل هذا الحزب الشماليين: حلب و حمص و حماة و الجزيرة، وكان يسعى إلى التواصل مع العراق و ينفس على الدمشقيين احتكارهم السلطة.

      القسم الثاني – تمثل بالحزب الوطني: الذي كان من قادته التاريخيين شكري القوتلي، و جميل مردم، و صبري العسلي. و قد مثّل هذا الحزب مصالح الجنوبيين: دمشق و القنيطرة و درعا و السويداء. و كان يسعى إلى التواصل مع المصريين. و مع أن الحزبين لم يختلفا في سياستهما الداخلية، و قد كانت تعمل من أجل هيمنة الإقطاع و رأس المال، إلا أنهما كانا يعيشان حالة من التنافس المناطقي الذي كان قوامه العائلات و الأشخاص. و هذا التنافس أدخلهم في خانة الشلل فقد أهملوا أريافهم و طالوها بالنظرة الشذراء، و لم يلتفتوا إليها في سياساتهم بعامة فتكونت ضدهم مشاعر غاضبة و كراهية و طنية و اجتماعية أفقدتهم القدرة  على الحراك في مواجهة القوى المضادة التي تستهدفهم جميعا.!!

       وقيل ما قيل عن زعامة الحزبين و عن برنامجهما، قبل و بعد انشقاق الكتلة الوطنية، فهم من الذين كانوا يفتقرون إلى التربية و التنشئة الصحيحة، و إلى الانتماء الحقيقي للأمة  التي كانت أحوج ما تكون إلى القادة التاريخيين، المنتمين لأمتهم  و العاملين من أجل سؤددها و مجدها، و ليس لأولئك الذين يتهارفون و يتعاركون  من أجل الرياسات و الإدارات، وقد تركوا القارب الوطني يبحر إلى مجهول حتى انتهى أمرهم إلى الوقوع في قبضة الطائفيين الذين ساموهم الذل بعد ذلك. و قد نتج عن تلك الخيابة نتائج ثلاث:

          النتيجة الأولى – تمثلت في حالة الضعف التي آل إليه أمرها بعد شتاتها و تمزقها و خلافها مع بعضها.

         النتيجة الثانية – تمثلت في القدوة السيئة التي كانت عليها، و التي سنتها لمن جاء بعدها. و لا أحد ينكر أن التمحور مناطقيا حول مدينة بعينها أو فئة قاد بعد إلى الشرذمة  و الضعف و إلى الشخصانية. فكان ذلك سببا في شتاتها، و في عدم قدرتها على لم الشعب السوري و استيعابه.

      النتيجة الثالثة – تمثلت في تهيئة الأجواء للطائفية سيما  في هذا الوسط الموبوء بالزعامات الخائبة فعرفت كيف تتصرف معها. بعد أن استمالت إليها النخب المثقفة، و بعد أن طالتها بقانون العزل السياسي الذي أصدرته صباح الثامن من آذار من سنة 1963م.

________________

هذا المقال  يعبر  عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

422 total views, 2 views today

الوسوم: , ,

التنصيف : مقالات المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle