لماذا تأخر الحسم في اليمن؟

أ.د.فؤاد البنا                                                

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية

 

 

الحلقة الثانية

ثانياً: دور التحالف العربي في تأخير الحسم:

                     من يقرأ ما وقع قبل الانقلاب من أحداث، ومن يتابع ما حدث في اليمن منذ هبّت عاصفة الحزم حتى الآن؛ يدرك أن التحالف غير جاد هذا إن لم يكن غير راغب في الحسم النهائي، وما يجعلنا نذهب إلى هذا الحكم عدة أمور، نلخصها في النقاط الآتية:
1- مشاركة دول الخليج في دعم الحوافيش قبل الانقلاب:
نبدأ ببيان مصطلح حوافيش لمن لا يعرفه فهو تعبير عن تحالف الحوثيين والعفافيش أتباع المخلوع صالح، فعلي عبدالله صالح هو الحليف الاستراتيجي للسعودية منذ صعوده إلى سدة الحكم سنة 1978 ، وهذا الأمر كان يفاخر به صالح ولا تنكره السعودية، ولذلك عندما تعاظمت ثورة فبراير 2011 وكادت أن تُغرق علي صالح في أمواجها البشرية، ولاسيما بعد مجزره جمعة الكرامة، قامت السعودية بتقديم طوق النجاة لعلي صالح عبر ما سمي بالمبادرة الخليجية، وهي المبادرة التي أضعفت توهج الثورة وأدت إلى فقدان الثورة لزخمها وإلى انقسام الثوار، ومنحت الحصانة لصالح هو وبطانته وأسرته ورموز حزبه، وضمنت له نصف السلطة اسمياً وثلاثة أرباعها فعليا؛ لأن دول الخليج أغرت بعض الأحزاب والاتجاهات التي شاركت في ثورة فبراير بتغيير تحالفاتها، بما في ذلك الحوثيين، وانفضّ على إثر ذلك اللقاء المشترك، وعندما تعرض صالح لمحاولة اغتيال في حادثة التفجير الغامضة أرسلت السعودية طائرة خاصة وقامت بمعالجته في مستشفى سعودي !
وثبت أن الإمارت والسعودية قدمتا مساعدات مالية كبيرة للحوثيين من أجل ضرب التجمع اليمني للإصلاح، والقضاء على الفرقة الأولى مدرع التي كان يقولون بأنها يد الإصلاح الضاربة في الجيش اليمني، وضرب جامعة الإيمان التي كان يسود انطباع عنها في الخليج بأنها الحاضنة الأساسية للإصلاح، وأنها الفقّاسة التي تمده بالعناصر الجديدة.
وكان وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل قد التقى قبل الانقلاب بوزير الخارجية الإيراني في نيويورك، وذهب وفد حوثي إلى الرياض قبل الانقلاب واتفق الطرفان على أن دخول صنعاء سيكون أشبه بالعملية الجراحية السريعة التي سيتم عبرها استئصال التجمع اليمني للإصلاح أو على الأقل نزع أنيابه العسكرية (الفرقة) ومخالبه الدينية (جامعة الإيمان)، وقد اعترف بذلك في ما بعد سعوديون عديدون منهم اللواء أنور عشقي المقرب من صناع القرار السعوديين، واعترف حسن نصر الله في أول خطاب له بعد إعلان عاصفة الحزم بلقاء قادة حوثيين بقادة المخابرات السعودية واستلامهم تطمينات على مصالحهم، وكأنه كان يشير إلى أن شعارات الحوثيين المعادية للسعودية وأنهم سيحجّون إلى مكة بأسلحتهم وبدون جوازات، إنما هي للاستهلاك ولذرّ الرماد في العيون، على شكل شعارات الموت لأمريكا والموت لإسرائيل!!

                     2 – اشتراك بعض أشد أعداء الإسلاميين في التحالف العربي:
لا يشك أحد في أن السعودية دعمت الحوثيين أيام الملك عبدالله، حيث كان من الواضح أن النظام السعودي يعد الإخوان المسلمين عدوه الاستراتيجي رقم واحد، ولا شك أنه كان يعد حزب الإصلاح ذراع الإخوان أو النسخة اليمنية من الإخوان.
وسأفترض أن مجيئ الملك سلمان مع حدوث المحاولة الانقلابية ضده بعد موت الملك عبدالله مباشرة وقبل أن يجلس على عرشه، قد غير هذه الاستراتيجية قليلاً حيث تغير ترتيب الأعداء ، وقد أعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان صراحة أن إيران هي العدو رقم واحد وأن الإخوان المسلمين رقم 2.
وإذا افترضنا أن السعودية على ضوء الافتراض الأول تشعر بخطر الإيرانيين على حدودها الجنوبية وأنها جادة بالفعل في محاولة حسم المعركة لصالح الشرعية في اليمن، فإن التحالف الذي كوّنته يتكوّن من شركاء متشاكسين، حيث ضم أسوأ نظامين في عدائهما للإسلاميين وهما النظام الإماراتي والنظام المصري، ولا يجهل أحد دور هذين النظامين في إسقاط الربيع العربي في مصر وليبيا وسوريا ولا يزالان يبذلان كل جهد من أجل استئصال الاسلاميين في تونس واليمن، وبسبب حقد الإماراتيين الشديد والطفرة المالية التي يعيشون فيها فقد لعبوا دور رأس الحربة في محاربة الإسلاميين ولم تسلم من مؤامراتهم حتى حماس، لقد صبّ الإماراتيون مليارات الدولارات لصالح الثورات المضادة ولكل من يحمل راية العداء للإسلاميين الوسطيين، ابتداء من محمد دحلان في غزة وحفتر في ليبيا والآن أحمد صالح وطارق صالح في اليمن، ومرورا بتيارات التصوف والتمسلُف على نمط مؤسسة طابة الصوفية وحزب النور السلفي المصري، وصولاً إلى جبهة النصرة وداعش اللتين اكتسحتا جيشي العراق وسوريا بأحدث الأسلحة وخلال زمن قصير!

               ويبرز هؤلاء الشركاء المتشاكسون في التناقض السعودي الإماراتي، فقد ظلت الإمارات تنقض ما تغزله السعودية، سواء على المستوى السياسي أو العسكري، وهذه بعض الأمثلة التي ساهم فيها التحالف في تأخير الحسم، وهي:

أ. إنشاء ميليشيات مناطقية متمردة على الشرعية :
قامت الإمارات بتبني مليشيات مناطقية، كالحزام الأمني في عدن الذي عاث فساداً في عدن وانقلب على الشرعية ومارس التشطير بأسوأ صوره، ومارس جرائم فظيعة في حق معارضيه ومن يظن أنهم يعارضونه، وفعلت مثل ذلك بتبنيها للنخبة الحضرمية في حضرموت والنخبة الشبوانية في شبوة، وهي تبني الآن النخبة التهامية في الحديدة، وحاولت فعل مثل ذلك في تعز ومأرب دون جدوى، حيث دعت محافظ مأرب لزيارة أبو ظبي وذهب لكنهم لم ينجحوا في شرائه، ولذلك فإنها تحمل حقداً شديداً ضد هذه المناطق ولا زالت تستخدم حق الفيتو عند السعودية كلما لاحت بوارق الاتجاه لتحرير ما بقي منهما!

ب- منع تطبيع الأوضاع في المناطق المحررة:
لو كانت المناطق المحررة قدمت نموذجا مشرفاً في استتباب الأمن وعودة الخدمات وتطبيع الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكان ذلك سبباً قوياً لقصف عمر الانقلابيين في صنعاء، فالكهرباء المنقطعة منذ الانقلاب لو عادت للبلد كانت ستحرق الحوثيين بأسلاكها، إذ سيرفع ذلك من معنويات المقاومة ويشجع الشعب على الانقلاب ضد الانقلابيين، لكن الإمارات وقفت ضد تطبيع الحياة في عدن وأخواتها، حيث منعت عودة الرئيس هادي إليها، وكادت أن تسقط طائرته عندما أصر على العودة ذات مرة، وقبل ذلك كانت قد حاصرته هو وحكومته في قصر المعاشيق، وقبل بضعة أسابيع دفعت المليشيات التي ربّتها على عينها للانقلاب ضد حكومة بن دغر الشرعية، بدعم مباشر من أسلحتها المتطورة بما في ذلك الطيران الذي حسم المعركة لصالح انقلابيين الانفصاليين!

ج- الوقوف ضد كل جهد يبذل لتطبيع الأوضاع:
لم تقف الإمارات ضد تطبيع الأوضاع في عدن، بل وقفت بعنف ضد أي جهد يبذل في هذا الطريق، فقدحاولت شخصيات وأحزاب وتيارات عديدة تطبيع الأوضاع في عدن، لكنها كانت تتكسر دوماً على صخرة الممانعة الإماراتية عبر ميليشياتها وقواتها على الأرض وعبر الضغوط السياسية والحملات الإعلامية لتشويه كل من يحاول ذلك وربطه بالإرهاب أو بالفساد!
وقبل أن تحدث المشكلة مع قطر وكانت لا تزال عضوا في التحالف، حاولت قطر القيام بشيئ من هذا القبيل عبر دعمها لبعض الخدمات مجانا في عدن، كالكهرباء لكنها رفضت، وحاولت تركيا دعم كهرباء عدن بمنحة مجانية ولكن الإمارات رفضت ذلك بصورة سافرة، متحججة بأنها هي من ستقوم بذلك، وبعد أشهر طويلة من المماطلة الإماراتية والمطالبات الشعبية قامت بإرغام حكومة الشرعية على توقي اتفاقية قرض من أجل تمويل كهرباء عدن!
وبسبب هذا الرفض لتطبيع الأوضاع، ما تزال الاغتيالات تطال الصالحين والأحرار، حيث اغتيل في عدن وحدها منذ دخول الإمارات إليها قرابة ثلاثين عالما وإمام مسجد، ولا تزال حالات الفوضى تتصاعد، أما البطالة والفقر فلا تزيدها الأيام إلا اتساعاً، مما جعل مجاميع من عامة الناس تدعو لإنهاء هذه الأوضاع ولو بتسليم السلطة للحوثيين أو إعادتها للعفاشيين!

3- تحويل اليمن إلى ساحة لاستنزاف طاقات أبنائها الكرام:
من يحلل ما يحصل في الساحة اليمنية يصل إلى نتيجة مؤسفة، وهي أن التحالف العربي، برضى السعودية أو بدون رضاها، يعمل بكل مكر وقوة من أجل إبقاء الأخدود اليمني مشتعلاً لأطول فترة ممكنة، حتى يحرق أكبر عدد من القيادات والكوادر التي تتأبى على محاولات التدجين وتمتنع عن دخول حظيرة التبعية، ومن المؤشرات على ذلك:

أ. رفض إمداد الجيش الوطني ومقاومته الباسلة بالأسلحة التي تساعدهما في حسم المعركة، ولا يطالب هؤلاء بأكثر من الأسلحة التي أعطيت لمليشيات الإمارات في عدن، ولكن هذه المطالبات ظلت تُقابل بآذان صماء!

ب – وضع خطوط حمراء ضد المطالبات التي تُقدَّم من الشرعية والمقاومة بالسماح لهما بالحسم بما يملكان من أسلحة وإمكانات، حيث يتم المنع بمبررات عديدة، ويتم التحجج بالعامل الخارجي وأن أمريكا يمكن أن تتدخل ضد أي محاولة للحسم بنفسها.
وفي بعض الأحيان يتم افتعال فتن داخلية لإشغال الجيش والمقاومة وإلهائهما بها عن المطالبة بالحسم والتحرير، وهذا ما تقوم به المليشيات الانفصالية كل مرة، وهو ما يحدث في تعز عبر بعض الجيوب التي تم الاستعاضة بها عن تشكيل النخبة التعزية، وعلى رأسها كتائب أبي العباس، ذلك السلفي الذي تم إدخاله من قبل التحالف ضمن المتهمين بالإرهاب نتيجة ماضيه الجهادي البعيد عن بيت الطاعة، لكنه يُدعم من الإمارات بما لا يمتلكه الجيش الوطني من أسلحة، تماماً مثلما حدث في العراق وسوريا عندما تم إعلان داعش وجبهة النصرة جماعتين إرهابيتين، لكنهما دعمتا بكافة الأسلحة المتطورة بينما سقطت مناطق واسعة من يد الجيش السوري الحر؛ لأنه لم يجد الذخائر لأسلحته الخفيفة والمتوسطة، مع أن دول التحالف العالمي هناك تعترف به ممثلا للشعب السوري بل وتزعم أنها تدعمه!!

ج – القيام بقصف الجيش أو المقاومة عندما محاولتهما التقدم بدون إذن التحالف، وقد تكرر ذلك عشرات المرات في كل جبهات القتال، واستُشهد المئات من أخلص الكوادر بنيران صديقة، وفي كل مرة يتم الإعلان أن ذلك تم بالخطأ، ورغم تشكيل لجان للتحقيق في الجرائم الكبيرة التي أثارت الرأي العام إلا أن أي لجنة منها لم تخرج بأي تقرير!
وفي بعض المناطق التي تُتهم من قبل الدوائر الأمريكية بأن فيها حضوراً للقاعدة، تقوم الطائرات الأمريكية بضرب المقاومة أو الجيش عندما يتقدمان ويندحر الحوثيون، والتهمة دائماً جاهزة وهي أن هؤلاء من القاعدة رغم بعدهم عنها، وقد حدث ذلك عشرات المرات في البيضاء – التي نالها نصيب الأسد من الغارات الأمريكية – وفي مأرب وشبوة والجوف، ووصل الأمر بأمريكا إلى حد إدخال قائدي المقاومة في البيضاء والجوف ضمن قوائم الإرهاب!

في الحلقة القادمة سنتناول دور الحوافيش والشعب اليمني في تأخير الحسم.

_______________

أ.د. فؤاد البنّا،رئيس منتدى الفكر الإسلامي،أستاذ العلوم السياسية جامعة تعز.
هذا المقال  يعبر  عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

383 total views, 1 views today

الوسوم: , , , ,

التنصيف : مقالات المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle