هل يذهب النظام في مصر لمسار المصالحة ؟

ياسر عبد العزيز                                         

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية

 

 

هل أصابت وكالة بلومبيرج فيما جاء في تقريرها الصادر في 6 فبراير الجاري بان رأس النظام المصري يسعى لفرصة  مصالحة مع جماعة الإخوان المسلمين ؟

إن كانت المصالحة هي حلم كل غيور على وطنه لدرء المفسدة التي تعيشها البلاد من خطيئة الانقلاب العسكري في 3 يوليو، والتي تسببت في شرخ البناء المجتمعي في مصر، و ما تبعه من حالة حقوقية متردية عصفت بالحقوق المدنية والحريات خلفت عشرات الآلاف من المعتقلين ، وعشرات الإعدامات ومئات المحكومين به ، بالاضافة إلى قوانين قيدت الحريات، و عادت بالبلاد إلى ما قبل 2010 . 

الوكالة التي استندت في تقريرها على معطيات ترى فيها مقدمات يمكن ان تؤدي للنتيجة التي خلصت إليها ، والتي منها أن صراع رأس النظام مع الجناح المعارض له داخل الجيش ، والذي تجلى في إقالة وإبعاد وحتى اعتقال قيادات هذا الجناح، يدفعه إلى فتح حوار مع الاخوان ومن ثم المصالحة،  في خطوة سبقه فيها أسلافه من الضباط الذين حكموا مصر بعد حركة 1952 .  

فعلها قبله الرئيس جمال عبد الناصر بعد صدامه مع زملاء الحركة على الرغم من انقلابه علي الإخوان فيما بعد ، كما فعلها قبله الرئيس السادات عندما قام بما سماها وقتها بثورة التصحيح للتخلص من بقايا النفوذ الناصري في السلطة .

وإن كان مبارك لم يحتاج إليها لاستناده على توليفة صنعها على عينه من مؤسسات متنوعة من احزاب سياسية وشرطة و جيش وقضاة بالاضافة لرجال أعمال ، مع سياسة متزنة تجاه الاخوان اعطتهم مساحة عمل في مقابل تفاهمات أطاحت بها ثورة يناير .

معطيات بلومبيرج قد تكون منطقية ، ويعضضها تلك المبادرة التي أطلقها الكاتب الصحفى خالد صلاح، رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير جريدة اليوم السابع والمقرب بشكل كبير من المخابرات المصرية ودوائر صنع القرار في النظام الحالي .

والذي دعا فيها حزب الوفد إلى القيام بدوره في جمع ما أسماه الموزاييك الحزبى المشتت فى كيانات وطنية متنوعة الأفكار، واستثمار السنوات الأربع المقبلة، ويقصد فترة حكم رأس النظام القادمة بعد تأكد فوزه، للوصول إلى تصور شامل لمستقبل العمل السياسى والوطنى فى البلاد على حد قول صلاح .

وسواء بحسب معطيات بلومبيرج أوبمبادرة صلاح،لن تذهب مصر إلى تلك المصالحة أو الانفراج المأمول للأسباب التالية:

أولا:لأن أخبار التواصل مع المعارضة ومن ثم الفصيل الاكبر فيها (الاخوان المسلمين) لم تنتهي منذ اليوم الاول للانقلاب على الرئيس الشرعي محمد مرسي، وما يتبعها من قصص أغلبها نسجت من الخيال. لأن النظام من أول يوم لم يتحرك بنفسه لإيجاد مساحة حوار مع المعارضة، فسواء جاءت المبادرة من الاتحاد الاوروبي أو الافريقي، أو حتى من خلال الوسطاء المحليين، كان دائما ما يعتمد رسل ليس لهم صفة رسمية للتنصل منهم عند الكشف عن هذا التواصل، وحتى المرة التي تواصل فيها شخصية ذات حيثية رسمية (الدكتور/ زياد بهاء الدين – نائب رئيس الوزراء 2013) تنصل منها النظام فاضطر صاحبها لتحويلها إلى مبادرة للتأكيد على المسار الديمقراطي، وحتى هذه قوبلت بالرفض من قبل النظام .

ثانيا : وبغض النظر عن البيان الذي صدر عن الإخوان المسلمين الرافض للمصالحة، فإن صف المعارضة غير جاهز الآن لمثل هذه المصالحة ، سواء على مستوى الكيانات التي تشكل المعارضة وأنصارها ، أو حتى بين صفوف جماعة الاخوان المسلمين أنفسهم ، الذين يرون في النظام الحالي عدوا لا يمكن الوثوق به ولا الجلوس معه ، حتى ولو أعلن نيته الافراج عن المعتقلين ، فإن الدم الذي وقع يمنع هذه المصالحة ، وهذه الكتلة تمثل ضاغط كبير يمنع حتى من يسعون لتحريك المياه الراكدة من أن يلقوا حجرا فيها .

ثالثا : لأن أصحاب المصالح في النظام الجديد لن يقبلوا بعودة المعارضة، التي هي في الغالب إسلامية، إلى المشهد السياسي في مصر ، لما يعرفوه من تأثيرها بشكل كبير على الشارع المصري ، وهو ما يعني خسارة المكتسبات التي حازوها من انقلاب 3 يوليو سواء على المستوى الاقتصادي أو الإعلامي .

رابعا : لأن المحيط الاقليمي الداعم للنظام الحالي يرفض بقوة عودة التيار الاسلامي في مصر، والحديث عن تواصل الإمارات مع حزب الاصلاح اليمني يعطي مؤشر بأن تلك القوى لا تمانع حتى ظروف معينة التعاون مع الإسلاميين، هو قياس فاسد ، والدليل أن نتائح مقابلة بن زايد مع رئيس حزب التجمّع اليمني للإصلاح محمد عبدالله اليدومي لم تسفر عن شيئ ، وهو ما يعني أنها كانت مناورة تبتعد تماما عن استراتيجية الصدام مع الاسلاميين، وعلى مستوى مصر فإنها تختلف كثيرا عن اليمن ، فعودة الاسلاميين في مصر معناه عودة نفوذ الاسلاميين في الشرق الاوسط وهو ما لن تقبله القوى الإقليمية  .

خامسا : لأن المجتمع الدولي غير مستعد الآن لعودة الاسلاميين إلى المشهد لاسيما وأن محاولة دفعهم إلى العنف بقوة في إطار الصراع مع الارهاب لكي تتاح الفرصة لتصفية أعداد كبيرة من منتسبيها في محارق المواجهات مع الدولة تكملة لدفعهم لفخ سوريا في محرقة خسر فيها الاسلام السياسي مخزون استراتيجي لطاقته المحركة من الشباب .

سادسا : وهو الأهم ، أن النظام نفسه لا يقبل برفع الحجر الحاجز لمجرى مياه الحياة السياسية، لأنه في النهاية يخشى على نفسه من إمكانية تحول الناس، رغم القمع للمجاهرة بمعارضته، وهو ما وضح جليا في كلمته أثناء افتتاح مشاريع اقتصادية في بورسعيد نهاية الشهر الماضي، وقبلها في ملتقى الشباب في نفس الشهر، حين أكد على أن المسار السياسي مغلق أمام أي محاولة ، وهو ما أكده إحالة قيادات التيار المدني للنيابة بتهمة محاولة قلب نظام الحكم لمجرد إفصاحهم عن نيتهم مقاطعة الانتخبابات الرئاسية .

وختاما فإن الوضع المتأزم في مصر لن تحله النوايا الحسنة ولا المبادرات الطيبة ، ولكن الإرادة وحدها هي من سيحل الازمة المصرية ، وأعني هنا بالإرادة ، إرادة المعارضة بامتلاك أوراق الضغط وأدواته ، وإرادة المجتمع الدولي للضغط على النظام لقبول المعارضة في الحياة السياسية المصرية ،  وأخيرا إرادة النظام في الوصول إلى خروج آمن بعد قبول المعارضة .

وليحدث ذلك يجب أن تقبل المعارضة خروج النظام آمنا من تداعيات انقلاب 3 يوليو، لتبقى ديلمة الدجاجة أولا أم البيضة .

_______________

ياسر عبد العزيز:اعلامي وباحث سياسي،ومدير مركز دعم اتخاذ القرار بحزب الوسط المصري سابقا

هذا المقال  يعبر  عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

308 total views, 1 views today

الوسوم: , , , , ,

التنصيف : مقالات المركز

التعليقات (2)

  1. محمدعويس says:

    مقال أكثر من رائع بموفق استاذ ياسر

  2. محمدعويس says:

    مقال أكثر من رائع موفق استاذ ياسر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle