بوصلة العلاقات الخارجية للنظام المصري تتجه شرقاً

         

ياسر عبد العزيز                                           

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية

 

         على الرغم من تنوع الزيارات التي قام بها رئيس النظام المصري خلال العام 2017 ما بين أوروبية وأفريقية وأسيوية مع زيارة عدت مهمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، صنفت وقتها على أنها خطوة إلى الأمام في بناء علاقة أكثر قرباً مع الإدارة الأمريكية الجديدة، بعد فترة من الفتور في أواخر عهد إدارة الرئيس أوباما، هذه الزيارة التي شهدت إعلان النظام المصري عن صفقة القرن .

         إلا أن المدقق في بوصلة العلاقات الخارجية للنظام المصري خلال العام يجد أن توجهاً نحو الشرق المتمثل في كل من الصين اقتصادياً، وروسيا اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً بات واضحاً.

         ففي سبتمبر الماضي وعلى هامش قمة (بريكس) زار (السيسي) الصين للمرة الرابعة بعد أن سبقت تلك الزيارة ثلاث زيارات بدأت في عام 2014 تبعتها زيارة في العامين التاليين على الزيارة الأولى، قابل تلك الزيارات زيارة للرئيس الصيني (شي جين بينغ ) في يناير 2016 وخلال تلك الزيارات تمّ التوقيع على أكثر من 60 اتفاقية ومذكرة تفاهم، طغت عليها السمة الاقتصادية، وهو ما انعكس على حجم الاستثمارات الصينية المتوقعة خلال العام الجاري، والتي تقدر بمليار دولار.

         بلغ حجم الميزان التجاري بين مصر والصين 8.633 مليار دولار، فيما ارتفعت الاستثمارات الصينية بمقدار 106 ملايين دولار خلال النصف الأول من عام 2017، بزيادة قدرها نحو 75%، بعد أن وقعت مصر والصين عدداً من الاتفاقيات الائتمانية بقيمة 5 مليارات دولار في عام 2017م.

         أما على مستوى العلاقات مع روسيا فقد شهد عام 2017م، وما قبلها تقارب كبير بين النظام في مصر والدولة الروسية تجلت في اتفاقيات وصفقات وتقارب سياسي، وصل إلى ما يقارب التحالف، فعلى الرغم من عدم زيارة رئيس النظام في مصر لروسيا خلال عام 2017 فإن الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) زار القاهرة في ديسمبر الماضي، وإن كانت الزيارة لم تستغرق أكثر من أربع ساعات، إلا أنها تؤشر إلى وضع القاهرة لدى روسيا التي تعتبرها سوقاً مهماً للسلاح من جهة وتوريد التكنولوجيا من جهة أخرى، مع تقارب كبير في الرؤى السياسية.  

         فعلى الصعيد السياسي ظهر تطابق بين النظام المصري والحكومة الروسية في العديد من المسائل الإقليمية، على رأسها ما يصنفه الجانبان إرهاباً، ويسعيان لمحاربته، كما أن موقف النظام المصري مع روسيا فيما يتعلق بالأزمة السورية متطابق، وهو ما تجلى في تصويت مندوب مصر لدى مجلس الأمن ضد مشروع يدين النظام السوري، ويجبره على إدخال مساعدات للمحاصرين.

          وفيما يتعلق بالأزمة الليبية فقد نحى النظام المصري منحى روسيا في توصيف الوضع في ليبيا على أنه مفرخة للإرهاب ومن ثم يجب محاربته، وعليه يجب تضافر جهودهما من أجل القضاء على ما يرياه إرهاباً في ليبيا، وهو ما يستوجب تبادل المعلومات الاستخباراتية، وهو ما تم الاتفاق عليه بين النظام المصري وروسيا.

        وعلى المستوى العسكري فقد شهدت الفترة التي اعتلا فيها السيسي السلطة في مصر تعاوناً كبيراً مع روسيا تجسد في صفقات أسلحة تلقى النظام في مصر منها ثلاث طائرات هليكوبتر هجومية من طراز كا 52، وهي جزء من صفقة وقعت في عام 2015. وهي الطائرات التي سترابط على حاملة الطائرات الفرنسية ميسترال. كما استطاع بوتين بيع نظام صواريخ من نوع أنتي 2500 المماثل لــ أس 300 ، بالإضافة إلى صفقة لشراء 50 مقاتلة ميكويان ميج 29 سيتم تسليمها على دفعات حتى عام 2020 يتم الاتفاق عليها الآن.           أما بالنسبة للتعاون الاقتصادي فقد زادت الصادرات المصرية إلى روسيا خلال عام 2017 محققة زيادة قدرها 28.5% بقيمة 421 مليون دولار، كما أن قرار استئناف الرحلات الروسية إلى مصر في 2018 بعد انقطاعها جراء الحادث الغامض للطائرة الروسية في شرم الشيخ، جاء بعد صفقات اقتصادية وعسكرية يوحي بأنها مقابل عودة الطيران الروسي للمجال الجوي المصري.  

         وفي إطار التنازلات قدم النظام في مصر تسهيلات غير مسبوقة لمستثمر أجنبي قدمت للجانب الروسي، تمثلت في مشروع لمنطقة صناعية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. والتي ستبلغ بحسب التقديرات إلى 7 مليارات دولارويأتي توقيع السيسي عقود محطة الطاقة النووية في الضبعة، شكل من أشكال ربط مصير الطاقة البديلة في مصر بالدب الروسي الذي سيورد الوقود النووي لتلك المحطة، وهو ما يعني اختيار النظام المصري التبعية لروسيا في هذا الشأن .     

    وتأكدت تلك التبعية بالاتفاق الذي أبرم بين النظام المصري وروسيا والذي تستخدم بمقتضاه القوات الروسية المجال الجوي والبنية التحتية للمطارات في مصر، وهو ما يلزم النظام في مصر تقديم قائمة المطارات العسكرية والثنائية الغرض التي يمكن استخدامها للطرف الروسي، وسيسمح ذلك بمشاركة الطيران الروسي الأجواء المصرية بشكل مستمر، وليس على أساس اتفاقيات ظرفية لفترة من الوقت، وذلك بعد أن أوقتت الاتفاقية بخمس سنوات.     

     وإن كان الاتفاق يعطي الحق المماثل للقوات المصرية، إلا أنه عملياً يستحيل تنفيذه على الأرض لأسباب عديدة، من أهمها عدم المعقولية والقدرة .         هذا الاتفاق تحديداً سهل كثيراً تنفيذ طموحات روسيا في توسيع نفوذها العسكري في منطقة الشرق الأوسط، فيما يحقق حلمها القديم في تواجد شبه دائم في المياه الدافئة على البحر المتوسط، لاسيّما بعد الاتفاق المبرم مع النظام المصري والذي تواكب في نفس العام مع اتفاق مشابه مع النظام السوري يقضي بإرسال قوات روسية دائمة لقاعدة “طرطوس” على البحر المتوسط لمدة 49 عاماً، قابلة للتجديد، وإن كان اتفاق النظام السوري بشأن طرطوس يمكن أن يفهم على أنه من قبيل حرص النظام السوري على تواجد قوات أجنبية على أراضيه لتتولى حمايته ومن ثم ضمان بقائه، فقد يفهم اتفاق النظام المصري مع الروس على نفس النحو.     

     توجه النظام المصري شرقاً لم يستفز الإدارة الأمريكية التي تعتبر نفسها شريكاً استراتيجياً للأنظمة المصرية منذ عهد الرئيس أنور السادات، بقدر ما استفزها اتفاق التواجد الروسي في الأجواء المصرية، وهو ما دفع وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس لزيارة القاهرة بعد أيام من إبرام الاتفاق في خطوة تعكس القلق الأمريكي من هذا الاتفاق.     

    لكن المثير تلك الخطوات التي يتخذها النظام في مصر مبتعداً بشكل واضح وبقدر معلوم عن شركائه الغربيين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية المانح الأول للمساعدات العسكرية لمصر.          لكن الإجابة وفيما يبدو تتعلق بمناورة ينفذها النظام المصري بعد علمه بنية الإدارة الأمريكية إلغاء الدعم العسكري بعد تخفيضه، والذي مثل خلال الأعوام السابقة ورقة ضغط أمريكية على النظام بعد 3 يوليو.         ويبرر النظام المصري مناوراته بأنها تحرك إستراتيجي لتنويع وتعدد علاقاته العسكرية والسياسية، حتى لا يعتمد على الولايات المتحدة فقط، وإنما يحرص على بناء علاقات قوية مع روسيا والصين وأوروبا بما يحاول ساسة النظام المصري إظهاره .    

      ومع ذلك فإن النظام في مصر لن يغامر بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية المتمثلة في تأمين مصالحة على الأراضي المصرية، وضمان سلامة وأمن الملاحة في قناة السويس، والتكفل بأمن الكيان الصهيوني .

_______________

ياسر عبد العزيز:اعلامي وباحث سياسي،ومدير مركز دعم اتخاذ القرار بحزب الوسط المصري سابقا

هذا المقال  يعبر  عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

242 total views, 1 views today

الوسوم: , , , , ,

التنصيف : مقالات المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle