المراجعات (13)النخب السورية و الجريمة المستمرة

أ.د.عبد العزيز الحاج مصطفى                      

                                                                                               رئيس وحدة الدراسات السورية                    

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية

 

         عندما صدر كتابنا الموسوم ب (النظام السوري والجريمة المستمرة(من 2011 إلى2015م) الذي أصدره مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية  في طبعته الأولى من سنة (1426هـ و 2015م) , والذي اشتغل عليه فريق مركز أمية للبحوث والدراسات , كان هناك أكثر من تساؤل عن الجريمة المستمرة ؛ وكان محور ذلك التساؤل: هل الجريمة المستمرة هي التي كانت واقعتها خلال الفترة من(2011إلى2015م؟) أم هي بعض من جرائم النظام القائم في سورية منذ سنة 1963م .وكان الجواب بل هي جريمة من جرائم النظام التي لا تنتهي إلا بانتهاء النظام ,وبالقضاء عليه قضاءً مبرماً . والذي فتح ملفات النظام , و نظر في خلفياته السياسّية والاجتماعية يتبيّن له أن سورية وقعت منذ مطلع القرن في دائرة فعل جرمي مخطط له , وقد تولّى كبره فريقان من المجرمين :

             الفريق الأول _ يتمثّل بالأجنبي الذي كان يدعم سياساته بما يتوافق مع مصالحه , وهو كالأخطبوط لما يزل ينشب مخالبه في الجسد السوري , ولا يبالي , كان ما كان من أمره ! ولا غرابة في ذلك. بل الغريب  أن يوجد من يتعامل معه ومن يكون تابعا له في سياساته كلها , ومنفذاً لها !!!

          و الفريق الثاني _ وهو الأوسع دائرة و يتمثّل بفئتين:

   الفئة الأولى _ فئة الشخصيات الوطنية التي يكون لفعلها أثره على الساحة السورية وهي بأطيافها الثلاثة ؛ العسكرية والسياسية والاجتماعية تعدّ صاحبة السيادة في المواقف الوطنية كافّة يستوي في ذلك الشخصيات جميعاً؛ ولا تكاد تختلف . ولذلك كان لجنوح بعضها , ولعدم إدراك ذلك البعض مسؤوليته تجاهها أثره الكبير على حاضر سورية ومستقبلها .

   الفئة الثانية _ فئة الأحزاب الوطنية , التي يجمعها المصلحة الوطنية , و تتلاقى بقناعاتها , في الدائرة الوطنية , وخططها المرسومة. وسرّ قوتها يأتي من توجهاتها المبرمجة , ومن رؤاها الممتدة , و الشاملة ؛ ولذلك تعد عمدة البلاد في ظروفها الصعبة التي تتعرض لها . و زوغانها عن الطريق خسارة للوطن كله . وهذا يحدث عندما تغبش الرؤى وتضلّ ,وعندما تحرّف المسارات , وتجنح الزعامات . وتحدث الأخطاء !!

        ويعد انحراف الأحزاب , وشتات خياراتها السبب الرئيس في جعل السفينة السورية ترسي في غير موانئها , وتسلم قياداتها للأغشام من أبنائها سيما في هذه الفترة العصيبة , التي شهدتها سورية في مرحلة ما بعد الاستقلال وبالتحديد من 1946 إلى 1962م . وقد حصرنا في هذه المرحلة بعضاً من التصرفات التي وسمناها ب (الجريمة المستمرة ) وذلك لفداحتها , ولما انطوت عليه من مخاطر وقد عدت هي المسؤولة عن كل ما حدث في سورية , وقد كان النظام الطائفي الذي استلم الحكم رسمياً في سورية في الثامن من آذار من سنة 1963 أحد مخرجات تلك التصرفات التي وصفت بالجريمة المستمرة والتي حصرناها بسبع وهي على التسلسل :

أولاً_ العقلية الانقلابية:

      (العقلية الانقلابية ) واحدة من الخواص الشخصية , التي لازمت جندي قوات المشرق الخاصة طوال خدمته العسكرية , وسببها يعود إلى تكوين ذلك الجندي و إلى مؤهلاته وقدراته , وما يختزنه في ذاته من ثقافة , سيما إذا أخذ في الاعتبار منبته الاجتماعي وقد كان بشكل دائم نزّاعاً إلى الانتقام والانقلاب على الآخر . وهذه الحالة هي التي كانت (دينمو) الانقلابات في سورية , من انقلاب (الزعيم) إلى انقلاب (الثامن من آذار) ويدخل في ذلك ضمناً انقلاب (تجمع القوى الوطنية) على الشيشكلي , وبعده انقلاب (المجلس العسكري ) على القوتلي , والهرولة باتجاه مصر من أجل إقامة دولة الوحدة . وفي الانقلابات جميعاً توافر للانقلابيين العنصر المتمرد ,المثوّر سلفاً, والقابل للتصرف بصرف النظر عن تبعات ذلك , وعن المصلحة الوطنية العليا , التي تتعارض مع الانقلاب والمعروف أن كل الانقلابات التي جرت في سورية تتعارض مع المصلحة الوطنية العليا , وتحدث أكثر من نكتة في جدار الوطنية الذي كان في ذلك الوقت رخواً , وليس لديه قدرة على تحمل التبعات.

   ثانياً_ المسلكية المتمردة :

           تعد المسلكية المتمردة من خواص البنية العقلية التي كان عليها الانقلابيون بعامة , وقيل ما قيل عن انقلاب الزعيم , ومن بعده انقلابا الحناوي والشيشكلي , فجميعها تجمعها روج المغامرة والتمرد , وجميعها تخرج على التقاليد الوطنية , وتلبي رغبة فردية خاصة . وانقلابا الشيشكلي الأول والثاني في 1949 و1951 دليلاً واضحاً على الطغونة التي لازمت شخصياتهم في ذلك الوقت , والكلام نفسه يمكن أن يقال عن انقلابي النحلاوي في 1961 و1962م , وكلاهما كان دافعهما الطغونة وحب ا لتسلط , والتمرد على القوى الجامحة التي تعترض المسيرة في ذلك الوقت , ومن الواقع نفسه يأتي انقلاب تجمع القوى الوطنية ضد الشيشكلي , فمصطفى حمدون وزمرته التي ثارت معه ضد الشيشكلي في حلب , لم تكن أرقى طبقة من سابقيه , وقد دلت الأيام بعد على الأخطاء الفادحة التي تضمنتها مسلكية هؤلاء , وقد أضافت إلى الخاصية الفردية خاصية التمرد الجماعي الذي بدا واضحاً في انقلاب تلك القوى على الشرعية الدستورية مرتين:

        الأولى : عندما تجاوزت رئيس البلاد, و أبرمت اتفاقية الوحدة مع مصر .

        الثانية : عندما خرجت على دولة الوحدة باستقالتها الجماعية , تاركةً تلك الوحدة للأزمات العاصفة , التي قد تطالها بين لحظةٍ واخرى . وذلك بحسابات (شلليةّ) و (شخصية) و (دونية) الأمر الذي أدّى بعد إلى الانفصال الذي أفادت منه الطائفية أكثر مما أفادت منه أية فئة أخرى .

    ثالثاً_ الاستضعاف الذي طال الآخر :

         لقد كان بديهياً جداً أن تؤدي العقلية الانقلابية إلى (الطغونة) في التصرف وإلى المسلكية المتمردة , وأن يؤدي ذلك كله إلى استضعاف الأخر , الذي شكل الانقلاب عليه إحدى حالات التمرد .وقد بدا ذلك واضحاً مع الرئيسين المستضعفين (شكري القوتلي) و(ناظم القدسي). فالأول أقصاه الانقلاب الأول الذي وقع سنة 1949م عن السلطة , ثم أعاده انقلاب تجمع القوى الوطنية إلى السلطة سنة 1954م ثم تجاوزه إلى عقد اتفاقية الوحدة مع مصر سنة 1958م . والثاني مهد له الانفصاليون من أجل ترشيحه وانتخابه رئيساً للجمهورية سنة 1961م , ومن ثمَّ أقصوه عن السلطة بانقلاب النحلاوي الثاني سنة 1962م , وأخيراً أعيد بعد مؤتمر حمص سنة 1962م إلى الحكم ,ومن ثم أقصي عن الحكم بانقلاب الثامن من آذار سنة 1963م ، وقد كان ألعوبة بأيديهم والملاحظ من سيرة الرجلين (القوتلي والقدسي) أنّ سمة الاستضعاف كانت غالبة عليهما , وأن ذلك الاستضعاف ,كانت له آثاره السلبية على سورية كلها , وقد كانت المصلحة الوطنية العليا تتطلب الحاكم غير المستضعف الذي ييضطلع بمهامه من واقع الاقتدار الذي يجب أن يكون عليه رئيس الجمهورية . وقد وضح بعد أن القبضة الرخوة في الحكم , أوجدت متنفساً لأفعى الطائفية التي كانت تستغلّ ذلك و تفيد منه.

   رابعاً _ اللامسؤولية في التصرف :

            قيل ما قيل عن المسؤولية فهي (عقد) تم إبرامه من أجل القيام بعمل وظيفي معين , بين جهتين كل ٌ منهما تطالب الأخرى بالوفاء بمسؤولياتها . وعلى ذلك تكون المسؤولية في الدول الأرقى والأكثر تقدماً . وعندما تنتزع المسؤولية بالانقلاب وتكون في ذمة الانقلابيين مع عدم القدرة على متابعتها أو الاضطلاع بها  ينتج عن ذلك التصرفات غير المسؤولة , وقد كانت صفة لازمة لهم في ذلك الوقت . ولهذا السبب وصف الحاكم الذي يأتي به الانقلاب بالدكتاتور , ووصفت حكومته بالدكتاتورية .

          ومع أن تلك الحالة قد تظهر جانباً من القوة ؛بسبب الغرور الثوري الذي يلازم الانقلابيين عادةً, إلا أنه ينطوي على جانب كبير من الضعف بسبب الخصام الذي يحدث بينها وبين قطاعاتها الشعبية التي لم تعد تثق بها .

          وبسبب منه يدب الخلل في بنية النظام , فيصبح عرضة للآفات الاجتماعية التي قد تفتك به بين لحظة وأخرى ,ومنها آفة الطائفية ,التي قد تكون الأخطر , سيما في بلد مثل سورية عرف بعدم تجانس مكوناته , وبوجود من يرعى الطائفية ومن يعمل لأجلها !!

   خامساً_ عدم التقدير في المواقف :

           يعد عدم التقدير في المواقف بمثابة الناتج  الرسمي لعدم المسؤولية . ومع أن كثيراً من الانقلابيين يدخلون بسرعة في عالم الطغونة  , أو التأله , أو شبهه في الحاكمية والقرار إلا أن عدم المسؤولية سيقودهم إلى الاجتراء في المواقف ,و إلى عدم التقدير الذي هو من صفات المسؤول الأرعن . وقد تجلى ذلك واضحاً في تجمع القوى الوطنية الذي عدَّ بعدُ مسؤولاً عن اتفاقية الوحدة مع مصر وفي مجموعة النحلاوي التي عدت مسؤولة عن الانفصال . ويعد تعيين اللواء عبد الكريم زهر الدين في منصب القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة من قبل العقيد عبد الكريم النحلاوي , بالرغم مما اتصف به من صفات تحول بينه وبين أن يكون القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة . من العجائب في ذلك الوقت ,ومن الجرائم التي ارتكبت بحق العسكرية السورية والأمر نفسه بالنسبة للزعيم شوكت شعير الذي عين من قبل أديب الشيشكلي وزيراً للدفاع بالرغم من عدم أهليته لذلك المنصب ولكونه لم يمض على حصوله على الجنسية السورية أكثر من سنتين وقد كان حصل عليها بعد انقلاب الزعيم سنة 1949م  . والرجلان يدخلان في خانة الاستضعاف من ناحية , وفي خانة عدم الموثوقية من ناحية أخرى .وعدم التقدير في المواقف في هذه الحالة كان له عواقبه السيئة على الجيش بعامة . وقد أفاد منه اللاوطنيون بعامة ,ومنهم الطائفية التي لا تنفذ إلا مثل هذه الكوى.

  سادساً_ عدم الانتماء:

          يراوح عدم الانتماء بين مفهومين ,  الأول أن يكون عدم الانتماء حقيقياً , في هذا الجانب يعد اللامنتمي أجنبياً ,

و يطبق عليه قوانين الاجانب , ويصبح خاضعاً للدائرة التي تدير شؤون الأجانب , و الثاني أن يكون ذهنياً , فيكون له آثاره النفسية التي تحول دون صاحبه من أن يكون وطنياً , ولذلك فهو ينوس في دائرة الغربة الروحية , وجراءها يكون على استعداد للقيام بما يخالف المصلحة الوطنية العليا كما أنه قد تغلب عليه مصالحه الشخصية فيكون وصولياً وانتهازياً , أو أن قد تقوده أفكاره المنحرفة , إلى ما هو أبعد وأضل , كأن يقطع علاقاته مع التراث العربي الإسلامي ليرتمي على تراث أغرق في القدم كالتراث الآرامي والفينيقي, أو أن يفكر بدافع من أمراضه الشخصية فيسلك سبيل الغلاة , ومعروف أن الغلاة يسلكون السبيل الآخر الذي يتعارض مع القيم المجتمعية , ومسألة الخواجة بن نصير, الطوسي , وابن العلقمي من المسائل الشاخصة ذهنياً , وأمثالها اليوم كثير , وأفعى الطائفية التي كانت متوافقة مع ذلك لا تتحرك إلا على وفق تلك الانحرافات , التي تجدفيها الداعم الرئيس لخروجها المرتقب .

   سابعاً_ عدم الالتزام :

        وعدم الالتزام يتبع من حيث الواقع عدم الانتماء ,فهما متتامّان .فالذي لا ينتمي لوطنه , لا يلتزم بقيمه ومبادئه وأهدافه وهذا من باب تحصيل الحاصل و ليس ذكاءً أو خبرة !! ولهذا وجدنا أن اللامنتمين هم الذين خرجوا على ثقافة هذه الأمة وعلى تراثها العريض , و هم الذين وقفوا المواقف غير المشرفة . ففي إبان الانفصال كان جورج محصل هو الذي سيطر على القيادة في حلب وقاد عملية الانفصال وكان حزب الطاشناق من بعض من أدواته في ذلك الوقت ؛ وبأمره سقط أكثر من سبع مئة شهيد في يوم الانفصال الأول , وعبد الكريم زهر الدين هو الذي قاد الجيش السوري في مرحلة ما بعد الوحدة , والمعروف أن الرجل لا يجمعه مع الوطنية السورية جامع . والأمر نفسه يمكن أن يقال عن اللذين تشبعّوا بأفكار مدارس التبشير , سواء كانوا ليبراليين علمانيين أوماركسيين لينيين  في أفكارهم وتوجهاتهم , فالطائفيون بعامة كانوا من أولئك الذين عملوا بما يخالف المصلحة الوطنية ؛ سيما عندما فكروا طائفياً, وعملوا على وفق مقتضيات التوجهات الطائفية , وقد كانت النتيجة :

  • قيام النظام الطائفي الذي كان بأشكاله وتشكلاته بمثابة الجريمة المستمرة , التي بدأت حلقاتها الأولى مع بداية الانقلاب الأول سنة 1949 ثمَّ استمرت إلى اليوم ولم تتوقف .
  • شتات النخب المثقفة , أو جرها لتكون رديفاً لذلك النظام بأقنعة حزبية مزيفة . وجراء ذلك خسرت سورية _سيما في النصف الثاني من القرن العشرين _ جمهرة الأبناء الذين كان ينتظر منهم القيام بما يجب فعله من أجل انقاذ البلاد من ذلك النظام المجرم.
  • الدخول في مشروع (إسقاط النظام ) من قبل الشرفاء والمنتمين لهذه الأمة , وقد أدّى عدم إدراك النخب حقيقة دورها , أن كان بعضها من أجناد النظام و بعضها الآخر من اللامبالين، أو من الذين يتحملون تبعات مواجهته بالقوة.

            و هذا أدى إلى الخلل في البنى الوطنية، و إلى الفصام في العلاقة بين أطياف الشعب السوري و مكوناته، و إلى الجريمة المستمرة التي لم تعد خافية على أحد.

______________

هذا المقال  يعبر  عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

161 total views, 1 views today

الوسوم: , , , ,

التنصيف : مقالات المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle