صناعةُ الأعوام لا السنوات!

أ.د. فؤاد البنا                                               

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية

 

♦من المعلوم أن الأيام والأسابيع والأشهر والسنوات مجرد أواني فارغة، أوجدها الله للناس كجزء من عملية الابتلاء والامتحان في هذه الحياة، ومن ثم فإن البشر يمكن أن يملؤوها بالخيرات والمَبرّات أو بالشرور والآثام، ويمكن أن يُدْهقوها بالأفراح أو الأتراح، بالمَسرّات أو الأحزان، ويمكن أن يستغرقوها بالتعمير أو التدمير!

♦ إن الزمن عامل محايد لا يحمل في طياته خيراً أو شراً، معروفاً أو منكرا، حقاً أو باطلاً، والإنسان هو الكائن المُريد الذي يستطيع أن يرسم بصمته في جدار الزمن، فيُزيِّنه بالمباهج والآمال أو يُلطّخه بالأوجاع والآلام!

♦ وتحكي لنا قصص الحياة أن الإنسان الذي يحاول الفرار من مسؤولياته، كثيراً ما يتسلح بالمنهج الذرائعي؛ لتبرير قعوده عن عمارة الأرض ونكوصه عن صناعة الحياة، حيث يلقي بالتبعة على عوامل عديدة ومنها الزمن، كما يقول الشاعر العربي:
نَعيبُ زمانَنا والعيبُ فينا
وما لِزماننا عيبٌ سوانا!

♦ ولأن آنية الأيام شفّافة كالزّجاج ولَيِّنة كالماء؛ فإنها تتغير بتغير المحتوى الذي يوضع فيها، ولما كانت المصطلحات توضع وفق مدلولاتها فإن هذا التبدل في المضمون يتم مراعاته في الأسماء والمصطلحات، ومن ثم فإن مصطلح (العام) غير مصطلح (السَّنة) وإن كنا نستخدمهما بذات المدلول!

♦ ولأن القرآن الكريم بلسان عربي مبين؛ فإننا نجد فيه هذا التفريق الدقيق والحاسم بين مصطلح العام ومصطلح السنة.
فالسنة تُستخدم للتعبير عن التعب والقحط والمعاناة، والعام يُستخدم للتعبير عن الخير والخصوبة والراحة، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: { قال تَزرعون سبعَ سنين دأباً…ثم يأتي من بعد ذلك سبعٌ شدادٌ يأكلن ما قدمتم لهنّ إلا قليلاً مما تُحْصنون. ثم يأتي من بعد ذلك عامٌ فيه يُغاث الناس وفيه يَعصرون}[يوسف: 49 – 47]

♦ ولكي نجعل من أعمارنا أدوات إعمار، وحتى تصبح أيامنا أعواماً لا سنوات، ينبغي أن نملأها بالجهاد العقلي في آفاق الفكر، وبالجهاد العملي في مناكب الأرض، وذلك بفاعلية التخطيط العلمي المدروس، والأخذ بقوة بكل وسائل العمارة والنماء، وباحتلال كل مجموعة متعاضدة للثغر الذي يناسب مواهبها وللمكان الذي يوازي إمكاناتها، وبذلك فقط يمكن استعادة خيرية الأمة المفقودة وقوامتها المنشودة على سائر الأمم.

♦ ولا شك أن أول خطوة في رحلة تحويل سنين الهزائم والتيه والهوان إلى أعوام للنصر والعزة والتمكين، هي التخلص من اليأس الذي يُثقل الكواهل ويَنقض الظهور، ويتسبب في خوَر العزائم وضعف الإرادات، وذلك باستدعاء التفاؤل وإدراك أن الزمن محايد وأنه ملكٌ لمن يَعصر أيامَه ويُحسن استثمار ساعاته ودقائقه.

♦ ومن الدروس التي نتعلمها من قصة نوح بهذا الصدد، أن الزمن كائن محايد وأنه خيرٌ في الأصل، وأننا ينبغي أن نكون متفائلين ومؤمنين بأن أجمل الأيام هي التي لم تولد بعد.
نستنبط هذا المعنى من قوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبثَ فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فأخذهم الطوفانُ وهم ظالمون}. فقد استخدم القرآن مصطلح سَنَة في ما يخص السنوات التي قضاها نوح من عمره؛ لأنها كانت سنوات تعَب ونصَب وجُهد وجهاد، وجعل المستثنى خمسين عاماً وهي التي لم يعشها نوح بعد، وكأن الآية تزرع الأمل في النفوس وتسير على الأصل؛ لأن الأعوام تحمل معاني الخير والراحة مقابل حمل السنوات لمعاني الشر والتعب، كما يبدو من استقراء آيات القرآن ذات الصلة.
ومن يدري فلربما عاش نوح في قومه بعد هذا الطوفان خمسين عاماً مليئة بالتمكين والمسرات.

♦ فهيا بنا لنتغير من دواخلنا حتى نُغيّر ما حولنا ونصلح أوضاعنا، وحتى نستعيد مقاليد الأمور وأَزِمّة المبادرة، ولنُغيِّر ما في أنفسنا من أفكار جعلت أيامَنا سنوات، ولنستبدلها بأفكار الخير والجمال والتفاؤل؛ حتى نستبعد سنوات القهر والحرمان ونستعيد أعوام القوة والأمجاد.

_______________

أ.د. فؤاد البنّا،رئيس منتدى الفكر الإسلامي،أستاذ العلوم السياسية جامعة تعز.

هذا المقال  يعبر  عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع. 

239 total views, 1 views today

الوسوم: , , ,

التنصيف : مقالات المركز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle