القدس اليوم ليست أورشليم الأمس.. وهل يمكن القول بأن الصخرة المشرفة قد صلب عليها المسيح؟

القدس اليوم ليست أورشليم الأمس.. وهل يمكن القول بأن الصخرة المشرفة قد صلب عليها المسيح؟

نظمي يوسف سلسع

 

دون أي مقدمات، مدينة القدس اليوم ليست أورشليم الأمس، لا بالموقع ولا بمكان الهيكل المزعوم، هكذا أكدت الكتب الدينية والتاريخية والمكتشفات الآثارية.. ففي الكتاب المقدس العهد الجديد نجد نبوءة السيد المسيح بخراب أورشليم ودمار الهيكل.. ووردت النبوءة في إنجيل متى 23: 38-37 ولوقا 13: 34-35: بقول المسيح «يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا… هُوَ ذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا». واستكملت الاناجيل تروي نبوءة دمار الهيكل كما جاء في انجيل متى 24: 1-2 ومرقس 13: 1-2 ولوقا 21: 5-5.: «ثمَّ خَرَجَ يَسُوعُ وَمَضَى مِنَ الْهَيْكَلِ، فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ لِكَيْ يُرُوهُ أَبْنِيَةَ الْهَيْكَلِ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَمَا تَنْظُرُونَ جَمِيعَ هذِهِ؟ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لاَ يُتْرَكُ ههُنَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ بل يُهدمُ كُلُّه».

أما كتب التاريح فقد تحدثت بإسهاب حول خراب أورشليم ودمار الهيكل، إذ جاء الخراب إثر ثورة يهودية في فلسطين ضد الادارة الرومانية، فقامت جيوش روما بقيادة تيطس عام 70 ميلادية بتدمير وحرق مدينة أورشليم وسوتها بالارض ودمرت معبدها.. ولم يبقى فيهما حجر على حجر، ووصفت كتب التاريخ دمار المدينة بالقول: لقد “حُرثت بالمحاريث” .. وهكذا أحُرقت المدينة والهيكل في العاشر من آب /أغسطس سنة 70م، وأشار المؤرخ اليهودي يوسيفوس: “صادف الدمار الروماني في اليوم نفسه الذي خرب فيه الهيكل قديما علي يد نبوخذ نصر ملك بابل”..

احتفل الرومان بهذا الانتصار وتم تكريم تيطس في بناء قوس نصر باسمه والذي ما زال قائما في قلب روما، وما زال اليهود يقيمون طقوس العزاء سنويا، في صوم التاسع من آب/ أغسطس، ذكرى خراب المدينة ودمار الهيكل..

وهنا يفرض السؤال نفسه : اذا تم خراب ودمار أورشليم والهيكل ولم يبقى فيهما حجر على حجر، إذن كيف استمر حائط  البراق (المبكى) قائما ؟!..

قبل البحث عن إجابة لنتابع القراءة: تحدثت كتب الأناجيل الأربعة عن تفاصيل اعتقال السيد المسيح والاستجواب والتعذيب والمحاكمة ومن ثم الخروج  به من المدينة ليصلبوه، وهذا ما يجب  أن نشير اليه ونتوقف عنده، بأن الصلب قد جرى خارج المدينة بمكان يدعى جلجثة: انجيل متى 27: 32 ومرقس 15: 21 ولوقا 23- 33 ويوحنا 20/19: «ثُمَّ خَرَجُوا بِهِ لِيَصْلِبُوهُ. فَسَخَّرُوا رَجُلاً مُجْتَازًا كَانَ آتِيًا مِنَ الْحَقْلِ، وَهُوَ سِمْعَانُ الْقَيْرَوَانِيُّ لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ. وَجَاءُوا بِهِ إِلَى مَوْضِعِ “جُلْجُثَةَ”..»..

 لنواصل قراءة تفاصيل ما حدث بعد الصلب، تقول الأناجيل أنه تم وضع جسد يسوع في قبر منحوت بالصخر قرب موقع الصلب، كما ذكر انجيل يوحنا 19: 38-42 : «ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ الرَّامَةِ، سَأَلَ بِيلاَطُسَ أَنْ يَأْخُذَ جَسَدَ يَسُوعَ، فَأَذِنَ بِيلاَطُسُ. فَجَاءَ وَأَخَذَ جَسَدَ يَسُوعَ.. وَكَانَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ بُسْتَانٌ، وَفِي الْبُسْتَانِ قَبْرٌ جَدِيدٌ لَمْ يُوضَعْ فِيهِ أَحَدٌ قَطُّ. فَهُنَاكَ وَضَعَا يَسُوعَ.. ». وانجيل متى 27: 57-61 : «وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ، جَاءَ رَجُلٌ غَنِيٌّ مِنَ الرَّامَةِ اسْمُهُ يُوسُفُ، وَكَانَ هُوَ أَيْضًا تِلْمِيذًا لِيَسُوعَ. فَهذَا تَقَدَّمَ إِلَى بِيلاَطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ. فَأَمَرَ بِيلاَطُسُ حِينَئِذٍ أَنْ يُعْطَى الْجَسَدُ. فَأَخَذَ يُوسُفُ الْجَسَدَ وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ، وَوَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ الْجَدِيدِ الَّذِي كَانَ قَدْ نَحَتَهُ فِي الصَّخْرَةِ، ثُمَّ دَحْرَجَ حَجَرًا كَبِيرًا عَلَى بَاب الْقَبْرِ وَمَضَى».

لقد كان الصلب ومكان القبر خارج المدينة في منطقة “الجلجثة” : وتحديدا في موقع كنيسة القيامة اليوم، والمعروف بأنها شُيّدت على مكان القبر، وهذا ما يؤكد أن مدينة القدس اليوم ليست أورشليم الأمس.. وكذلك أكدته كتب التاريخ  وذكرت : أنه ” في أعقاب الثورة التي قام بها اليهود في فلسطين بقيادة باركوخبا BarKochba بين عام 132م و135م وقمعها الإمبراطور هادريان الذي قاد بنفسه الجيوش الرومانية، شيّد مدينة جديدة على تلال منطقة الجلجثة قرب المدينة المدمرة أطلق عليها اسم كولونيا ايليا كابيتولياColonia Eelia Capitolina وحّرم على اليهود دخولها، كما أقدم على تغيير اسم مقاطعة اليهودية Judea بكاملها وإعادة الإسم التاريخي القديم “مقاطعة سوريا الفلسطينية Syria Palestina”.. ما يعني ذلك نهاية الوجود اليهودي كله في فلسطين منذ ذلك الحين، ومن حينها أصبحت مدينة “إيليا” ولاية رومانية، ثم بيزنطية، حتى دخول العرب سنة 637م كانت تُعرف بإسم “ايليا” ومن ثم تحّول الإسم إلى بيت المقدس وآخيراً القدس..

 لم يعد أي وجود أو أثر لمدينة أورشليم أوالهيكل المزعوم ولا لحائط المبكى ولا حتى الوجود اليهودي في القدس وفلسطين ومنذ نحو 1800 سنة تقريباً.. ونكرر مدينة القدس اليوم ليست أورشليم التي سويت بالأرض وحُرثت بالمحاريث.. وعلى فرض، لو اعتبرنا مدينة إيليا المدينة الجديدة قد أقيمت مكان أورشليم الخراب، فإن الهيكل المزعوم لا يمكن أن يكون موضعه تحت المسجد الاقصى كما يدعون للأسباب التالية:

أولا: منذ احتلال الكيان الإسرائيلي الضفة الغربية عام 1967 وهم يحفرون وينبشون تحت زوايا المسجد الاقصى ولم يتم العثور على أي أثر للهيكل أو أي تواجد يهودي على هذه البقعة المباركة..

ثانياً: قرار اليونسكو الصادر بتاريخ 13/10/2016 ينفى نفيا قاطعا أي علاقة لليهود بالمسجد الأقصى وبحائط البراق (حائط المبكى) واعتبر المسجد الاقصى تراثا إسلاميا خالصا..

ثالثا: إن كنيسة القيامة قد شّيدت فوق القبر المقدس عام 326م وتتوسط الحي المسيحي بالبلدة القديمة ولا تبعد عن المسجد الأقصى سوى نحو 500 متر سيراً على الأقدام، ما يعني ذلك: إذا كان الهيكل تحت الاقصى كما يزعمون فلا يمكن أن تكون كنيسة القيامة في موضعها الحالي وسط البلدة القديمة، حيث أن موقع الصلب والقبر قد جرى خارج المدينة، وعليه فإن العكس هو الصحيح، أي لا وجود لهذا الهيكل المزعوم، ولا للمدينة الخراب، باعتبار  كنيسة القيامة في موقعها ومكانها الصحيح وهذا الأصح..

مع طرح هذه المقارنة يبدو أن هناك علاقة ما أو رابط خاص يجمع بين مكان ومكانة المسجد الأقصى وكنيسة القيامة..

لنتابع القراءة، ونتوقف عند حدث الإسراء والمعراج، الرحلة المعجزة التي قام بها النبي محمد على البراق ليلاً من المسجد الحرام في مكة إلى بيت المقدس في فلسطين، ومن القدس عرج منها على الصخرة المشرفة في رحلة سماوية بصحبة جبريل إلى الملأ الأعلى عند سدرة المنتهى أي إلى أقصى مكان يمكن الوصول إليهِ في السماء وعاد بعد ذلك في نفس الليلة. قال الله تعالى في سورة الإسراء-1: «سُبۡحَٰانَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰارَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ» لقد جاءت الآية الكريمة لتكريم مدينة القدس في معجزة الإسراء والمعراج، فمدينة القدس كان إليها الإسراء ومنها كان المعراج وبالتالي هي : بوابة الأرض إلى السماء وبوّابة السماء إلى الأرض، والصخرة المشرفة بمثابة المصعد الالهي..

لنواصل القراءة ونتأمل ما جاء في سورة النساء 157- 158: «وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا». ما جاء في هذه الاية الكريمة بمثابة رد وتوبيخ واضح على تهكم واستهزاء اليهود والتفاخر بقتل عيسى ابن مريم وبنفس الوقت التأكيد على تكريم ورفع شأن المسيح وان الله سبحانه وتعالى قد رفعه اليه بجسده وروحه حيّاً، وليس كما يرى البعض أنه خلاف واختلاف وتناقض مع العقيدة المسيحية التي يمثل الموت ثم البعث والقيامة واحد من اهم ركائزها، حيث ذكر القرآن الكريم هذه الركيزة في سورة مريم 33: «وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا».

لست بصدد المقارنة في العقائد الدينية، بل البحث عن رابط مشترك بين معجزة رفع المسيح عن الصليب بجسده حياً إلى السماء ومعجزة المعراج، فالمعجزتين حدثتا على المنطقة التي بُنيت عليها مدينة ايليا-القدس والتي هي بوابة الأرض إلى السماء وبوابة السماء إلى الأرض .. فهل يمكننا القول بأن الصخرة المشرفة التي عرج بها النبي وجبريل إلى السماء هي ذاتها التي تم صلب السيد المسيح عليها باعتبارها المصعد الإلهي ؟!!..

هذا الطرح فرض نفسه، وكأنه بوصلة القراءة قد توقفت على هذا التساؤل أو قل هذا الاجتهاد، ونوجه دعوة لأهل الاختصاص البحث والدراسة وإبداء الرأي المستند على المنطق والعقل السليم، وليس بالمرويات التي تنغل بالروايات الإسرائيلية، وكما يقال: (إنّ المجتهد إذا أصاب له أجران وإن أخطأ له أجر واحد).

____________

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

89 total views, 1 views today

الوسوم: , , , ,

التنصيف : مقالات عربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann
Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle