ما الذي تعنيه ردود الفعل الثقافية المختلفة في مواجهة كورونا؟

ما الذي تعنيه ردود الفعل الثقافية المختلفة في مواجهة كورونا؟

د.ياسين أقطاي

يعدّ فيروس كورونا (كوفيد 19) -باعتباره وباءً عالميًّا- امتحانا حَرِجا نَمُرُّ به جميعا، ونستطيع القول: إن هذا الامتحانَ دفع جميعَ شعوب العالم إلى اتخاذ موقف مشترك تجاه هذا العدو المشترَك.

من زاوية النظر هذه؛ يمكن ملاحظةُ أنّ الفيروس المعنيَّ قد وَحَّدَ العالمَ كلَّه بشكل مثير للاهتمام ضد هذا الخطر المشترك، وهكذا تتحقق القاعدة الشهيرة في علم الاجتماع التي تقول إنّ العدو المشترك يعزّز ولاءَ المجموعة، ويخلق وعيًا جماعيًا جديدًا.

وهذا الوعي يتطلب حتمًا اجتماعَ العالَم كلِّه وتكاتُفَه لتطوير تحالُف جديد وسياسةِ تضامنٍ جديدة لمحاربة هذا العدو. وبخلاف ذلك؛ فإنه يستحيلُ على أي دولة أن تنتصر وحدَها في هذه الحرب، بل يجب على جميع البلدان محاولةُ الانتصار في هذه الحرب بشكل جماعيّ.

ويتمّ ذلك من خلال التعاون ومشاركة جميع المعلومات والتقنيات التي لديهم مع أشخاص وبلدان أخرى، دون إخفاء أي معلومات في هذه المعركة؛ لأنه عندما تنجح الحربُ ضد هذا الفيروس في بلد واحد فإنّه لن يتم تسجيله كنصر موثوق به، ما لم يتم تحقيق النجاح في مواجهته في جميع أنحاء العالم.

وبالمثل؛ فإنّه حتى لو نجحت الحربُ ضد هذا الفيروس في جميع بلدان العالم -إلّا في بلد واحد- فإنه لن يُحتَسَبُ ذلك نصرًا لدول العالَم على الفيروس؛ لأنه عدوٌّ يريد أن ينتشر من مكان واحد إلى العالم كلِّه، والحدودُ بين الدول ليست واقيةً بما يكفي لمنعه؛ لأنّ هذا الفيروس يتنقّلُ دون الحاجة إلى جواز سفر، أو تأشيرة دخول.

إنّ هذا العدو المشترك يقوم بتشكيل نظام تحالف جديد ينبذ جميع أنواع الصراعات بين دول العالم؛ فهل هذا ممكن؟ وبعبارة أخرى؛ هل يمكن وضْعُ هذه الصراعات والحروب والأعمال العدائية -التي اعتدنا عليها في العالم- جانبًا بفضل هذا الفيروس؟

“يمكن أنّ نلاحظ في مكافحة الدول لهذا الفيروس أنماطا وسلوكيات مختلفة، إذ يمكن لشعوب بعض البلدان أن تتفاعل وتظهر ردود فعل متباينةً للغاية مع هذا الوباء. وبعبارة أخرى؛ ليس كل مجتمع أو حتى كل شخص يعطي نفس الإجابة على السؤال الكبير الذي يطرحه هذا الوباء، بوصفه امتحانا للإنسانية والإنسان”

ربما يكون هذا الفيروس قد دخل حياتَنا لِلَعِب مثل هذا الدور، وكأنّما أتى ليُفصحَ لنا عن ذواتنا الإنسانية، وليساعدَنا على إدراك حالتنا الإنسانية الجَمعيّة. وإنّه لمن الطريف أن ننسب إلى الفيروس هذا الوعي وهذا الهدف النبيل! إننا إذا نظرنا إليه من منظار علم الوراثة البيولوجية فقد لا نتمكن من قراءة هذه الرسالة، ولكن من منظار علم الوراثة الروحية بلا ريب يمكن قراءة هذا التأثير بوضوح.

ومع ذلك؛ فيمكن أنّ نلاحظ في مكافحة الدول لهذا الفيروس أنماطا وسلوكيات مختلفة، إذ يمكن لشعوب بعض البلدان أن تتفاعل وتظهر ردود فعل متباينةً للغاية مع هذا الوباء. وبعبارة أخرى؛ ليس كل مجتمع أو حتى كل شخص يعطي نفس الإجابة على السؤال الكبير الذي يطرحه هذا الوباء، بوصفه امتحانا للإنسانية والإنسان.

وهذا بكل تأكيد لم يكن أمرًا مفاجئًا؛ فنحن نراقبُ الواقعَ في الولايات المتحدة الأميركية -التي تُشتهر بليبراليّتها- لأخذ العبرة، ونتساءل: أي نوع من الفضيحة الإنسانية تلحق بنظامها الطبي الذي يريد تحويل هذه الفاجعة الإنسانية إلى فرصة للربح التجاري! ونرى كيف أن الطب الأميركي -الذي أضحى أسطورةً في مستوى تطوره- غيرُ قادر الآن على مواجهة مثل هذا المرض الذي استحالَ وباءً فادحا وجائحة عارمة.

ونتيجة لذلك؛ فإنّ المجتمع الأميركي اليوم يواجه وضعًا مأساويًا، حيث ردودُ الفعل عمياءُ أو متغافلةٌ عن المسؤولية الاجتماعية في خدمات الرعاية الصحية (باهظة الثمن). كما أنّه كانت الليبرالية الأميركية -قبل سنوات- تعلن بصَلَفٍ وغطرسة هيمنتَها على العالم، وانتصارها تحت عنوان: “نهاية التاريخ”، والآن يبدو أنْ ليس لديها ما تقدِّمُه للبشرية؛ هذه هي الصورة!

في الواقع؛ الأمرُ نفسه ينطبق على الاتحاد الأوروبي، فعندما بدأ الفيروس يكتسح إيطاليا ويفتك بها طلبَت المساعدةَ من دول الاتحاد الأوربي، فقُوبِلَت طلباتُها بالرفض من جميع دوله التي تذرّعت بأنّ الذخيرة الطبية الحالية بالكاد تكفي لتغطية احتياجاتها الداخلية، وأنّها لا تستطيع التصرف إلا في حدود إمكاناتها.

وقد كشفت ندرةُ الإمدادات الطبية -خلال مدة قصيرة جدا- عن حالةٍ فوضوية، بدأ فيها الجميع برؤية احتياج بعض إلى بعض، ومحاولة تلبية ذلك بطرق الابتزاز وأساليب الاستيلاء والسطو التي عفا عليها الزمن. ومن الواضح أيضًا أن الصراع ضد العدو المشترك قادر على دفع الجميع للانشغال بمأزقه أو ورطته الخاصة، والحرص على حماية نفسه دون الاكتراث بحماية الآخرين.

لقد رأينا سلوكًا بشريًا غريبا في الهجوم على الأسواق عندما كانت التدابير الاجتماعية تطلب البقاء في المنازل، فقد هُرع الناس إلى المتاجر ومراكز التسوق كأنّهم في غارةٍ، وبدؤوا يتبضَّعون وكأنّهم ينهبون أو يجمعون الغنائم، يتصرفون كما لو أنّهم يتخاطفون المنتجاتِ من أيدي بعضهم بعضا، لقد كان سلوكهم مخيِّبًا لآمال أولئك الذين كانوا يتوقّعون أن يرَوا تضامُنًا مجتمعيا في مواجهة هذه الكارثة.

وعندما ظهر نفس الأمر في تركيا؛ مكّنتنا الاستجاباتُ السلوكية المختلفة في مناطقَ مختلفةٍ من ملاحظة الفرق بين الطريقة التي ينظر بها الناس إلى العالَم. ولاسيما في الأيام الأولى من دخول الفيروس إلى تركيا، فلوحظ أن جميع رفوف المتاجر في مناطق مثل “بكر كوي” و”قاضي كوي” -حيث تعيش أكثريّة علمانية- تم تفريغها بالكامل وفي وقت قصير.

“مع أزمة كورونا؛ رأينا سلوكًا بشريًا غريبا في الهجوم على الأسواق عندما كانت التدابير الاجتماعية تطلب البقاء في المنازل، فقد هُرع الناس إلى المتاجر ومراكز التسوق كأنّهم في غارةٍ، وبدؤوا يتبضَّعون وكأنّهم ينهبون أو يجمعون الغنائم، يتصرفون كما لو أنّهم يتخاطفون المنتجاتِ من أيدي بعضهم بعضا، لقد كان سلوكهم مخيِّبًا لآمال أولئك الذين كانوا يتوقّعون أن يرَوا تضامُنًا مجتمعيا في مواجهة هذه الكارثة”

ومقارنة مع ذلك؛ فإنّ أحياء مثل “الفاتح” و”باشاك شهير” و”غازي عثمان باشا” -حيث وصلت الأخبارُ نفسها في الوقت نفسه وحيث يعيش الناس المتدينون والمحافظون بكثافة- لم تشهد المتاجر فيها حركة تسوق زائدة عن المعتاد.

إنّ قوة تماسُك وتضامن المجتمع -خاصة في حالات الكوارث- هي علامة مهمة على تطور المجتمع نحو الأمة، وربما يبرز معدن الأمة بدقة عندما تتعرّض لمثل هذه الأحداث. لقد كانت تركيا دائما أمّةً يمكنها إثباتُ أصالتها بنجاح، خاصة في المواقف الصعبة؛ ومن الممكن رؤية هذا في العديد من الأحداث عبر التاريخ.

نحن لا نتحدث فقط عن ثقافة التعاضد والتضامن التي أوجدها المجتمع؛ بل إضافة إلى ذلك فإن القيادة السياسية -وبعبارة أخرى: أداءُ الدولة ضد الأعداء والكوارث المنسجمُ مع المجتمع- تحوِّل البلدَ الذي تتكامل فيه الدولةُ والشعب إلى أمّة.

أما الشعوب البعيدة عن التضامن فيما بينها؛ فإنهم يرون الدولة آليةً لا تمكن طاعتها إلا بقدر ما يخشون من استبدادها وتجبُّرها، والدولة التي تطبّق هذا الاستبداد والطغيان عندما تنحسر قوتها قليلا فإنّه مقدَّر لها أن تفقد السيطرة والتحكُّم.

إلى جانب التكافل والولاء الداخلي للمجتمعات في مكافحة فيروس كورونا؛ فإن حالة السلام والتناغم بين الشعب والدولة تُحدِثُ فرقًا كبيرًا. وبالنسبة لهذه النقطة؛ فإنّ تاريخ تركيا أثبَتَ مرارا استعدادَ أبناء هذا البلد للمبادرة إلى الأعمال التطوعية -لمواجهة مثل هذه الكوارث- من تلقاء أنفسهم، وهناك أمثلة غنية جداً لمدى توافق الدولة مع شعبها؛ ولذا من المفيد متابعة هذه الأمثلة في مقالاتنا القادمة.

______________

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

123 total views, 1 views today

الوسوم: , , , , , ,

التنصيف : مقالات عربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann
Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle