السوريون المسيحيون في الوجود والدور والتموضع التاريخي

جورج صبرة

شيء من التاريخ

سورية بلاد المسيحيين مثلما هي بلاد المسلمين . ولا يستقيم الفصل بين تاريخ المسيحية وسورية ، أو بين تاريخ سورية والوجود المسيحي فيها . فمن دمشق خرج بولس الرسول مسيحياً ، يحمل رسالة المسيح ومبشراً بها في أربع أصقاع الأرض . وتلامذة المسيح هم الذين حملوا المسيحية إلى الجزيرة العربية ، حيث بدأ التواصل والحوار بين المسيحية والإسلام في وقت مبكر من عصر النبوة . فاختلاف العقيدة لم يحل دون التعاون والتساند والعمل المشترك بين المسلمين والمسيحيين كأبناء شعب واحد في قضايا الدولة والمجتمع . ولم تخلُ قصور الخلفاء الأمويين من الوجود المسيحي كوزراء وولاة وأصحاب رأي ومشورة .

تتجاور المساجد والكنائس في سورية حتى يكاد بعضها يتكىء على بعض . ويعيش المسلمون والمسيحيون معاً في جميع المدن والأرياف على طول البلاد وعرضها متقاسمين مر الحياة وحلوها في تاريخهم الطويل . وقد عملوا معاً على إعمار المدن وتمدين أريافها ، مثلما عملوا معاً كفلاحين في السهول الواسعة والجبال الوعرة لإنتاج الغلال والخيرات ، وصنعوا بلداً منتجاً بفضل تعاونهم من خلال التواجد المشترك السلمي والمتفاعل ، الذي كان باستمرار السبيل الأمثل للعيش والاستقرار وفق منظور ” الوحدة في التعدد ” .

في معارك التحرر الوطني والاستقلال

ولأن المسيحيين مكون أصيل في البنية التاريخية والاجتماعية والروحية لبلدنا ، وكانت ثقافة الحرية والديمقراطية والحداثة باستمرار من أولى أهدافهم وعلى رأس ثوابتهم الوجودية وطابعهم التواصلي ، الذي لا يسمح بسيطرة التطرف والانغلاق على الذات ، لم يعتبروا أنفسهم أقلية ولم يتصرفوا بعقليتها . كما أن شركاءهم في الوطن لم ينظروا إليهم كأقلية ولم يتعاملوا معم كذلك . فالحقوق واحدة للجميع ، والمسؤوليات واحدة ومشتركة على الجميع أيضاً . وقد لخص ذلك البطريرك غوريغوريوس حداد منذ قرن بقوله :        ” أولسنا نحن والمسلمون توحدنا جامعة الانتساب إلى أرض واحدة ووطن واحد ؟ ” .

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر حين بدأت تبرز الجمعيات الاجتماعية والسياسية ، كانت أيدي المسلمين والمسيحيين معاً في تأسيسها وإدارتها . وفي مؤتمر باريس 1913 الذي ناقش ” الاحتلال الأجنبي والنضال الوطني ”  ورفض بشدة  ” دعاوى حماية نصارى سورية من أجل تحقيق المطامع الأجنبية ” ، كان المسيحيون أكثر من ثلث أعضاء المؤتمر . وفي 1915 – 1916 تلاقت أعناق أحرار البلاد من المسيحيين والمسلمين على أعواد المشانق في بيروت ودمشق لوقوفهم في وجه الاستبداد العثماني ، ومنهم رهبان ومشايخ . كذلك كانوا يداً بيد في المؤتمر السوري العام بدمشق 1920 الذي أعلن استقلال سورية .

وخلال فترة الانتداب الفرنسي خاض المسيحيون معارك الاستقلال السياسية والثورية المسلحة مع أبناء وطنهم في الثورة السورية الكبرى 1925 ، التي خلا بيان إعلانها من أي إشارة إلى الأديان . بل خاطب      ” الوطنيين السوريين ” بعيداً عن الأكثرية والأقليات . فقد كان رجال الاستقلال والثورة من جميع مكونات الشعب . وكان للمسيحيين منهم دور الريادة والتمكين في العديد من المواقع . فقد اختار السوريون بإرادتهم الحرة درزياً ( سلطان باشا الأطرش ) لقيادة الثورة ، وكردياً ( ابراهيم هنانو ) لرئاسة الجمعية التأسيسية لوضع الدستور ، ومسيحياً ( فارس الخوري ) لرئاسة الحكومة والبرلمان عدة مرات .

في بناء الدولة الحديثة

ساهم المسيحيون بقوة في بناء دولة الاستقلال وبلورة الرؤية الوطنية للدولة والمجتمع بعيداً عن عقلية الأكثرية والأقليات ، فكان الوطنيون السوريون من جميع المكونات هم الأكثرية الساحقة . وأثبتوا أن التعددية الدينية ليست مشكلة ، إنما غياب الطابع الوطني الحقيقي للدولة هو أس المشاكل . وكانت مشاركتهم ملحوظة وفعَالة في إطار مؤسسات الدولة والمنظمات الاجتماعية وفي مجمل الحياة العامة السياسية والثقافية والاقتصادية ، ولعبت نخبهم أدواراً مشهودة في الانتاج والتنمية والتحديث أكبر مما يفترضه أو يتيحه وجودهم العددي ، فبرز منهم القادة السياسيون والمبدعون في الفكر والثقافة والصحافة والفن . ولم يكن هذا التجذر والعطاء بفضل شجاعة المسيحيين ووطنيتهم ومؤهلاتهم فقط ، إنما بفضل حكمة المسلمين واعتدالهم والتزامهم بمقتضيات دينهم الحنيف وانفتاحهم على أبناء وطنهم المختلفين معهم في الانتماء الديني والإثني أيضاً ، وذلك استناداً إلى القيم الأخلاقية والإنسانية والدينية المشتركة . وقبل ذلك وبعده بفضل النظام الديمقراطي التعددي القائم على مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات الذي اختاره السوريون لدولتهم المستقلة . وهكذا كانت سورية الاستقلال دولة صاعدة وواعدة على طريق الحرية والديمقراطية والتنمية . دولة الكل الوطني ، تمثل إرادة شعبها رغم حداثة العهد بالاستقلال .

ليل الدولة الأمنية الطويل

إن النظام الشمولي الذي حكم بلادنا بالقهر أكثر من نصف قرن ، وعمل على اختراق المجتمع وتفتيته وتدمير الوحدة الوطنية للشعب السوري ، وحوَّل الدولة إلى مزرعة فئوية تعتمد التسلط والتهميش والفساد هو الذي أيقظ وحش الطائفية وأطلقه في الفضاء السوري ، وأسس لولادة التنظيمات الجهادية المتطرفة والإرهابية التي كان المسلمون أنفسهم أكبر ضحاياها وأول من حاربها . وبينما يدعي النظام حماية الأقليات لا يفعل إلا أن يأخذها رهينة لتأمين بقائه واستمرار وظيفته ودوره على حساب خراب المنطقة ودماء شعوبها . مع ما يحمله هذا النهج من أخطار على السوريين – وخاصة المسيحيين منهم – دفعتهم إلى دوامة مأزقية تخيرهم بين الهجرة من وطنهم أو مساندة الاستبداد والقتال دفاعاً عنه . ومن المؤسف والمؤلم حقاً أن يكون نظام القتل عاجزاً عن الدفاع عن نفسه وعديم القدرة على تحسين صورته وتبرير استمراره ، بينما يتبرع بعض المسيحيين بوضع أنفسهم بخدمته ، ويجهدون في الدفاع عنه ومساندته و تحميل المسيحيين أوزار ارتكاباته ، دون أن يدركوا بأن البشر المستلبين في وجودهم ودورهم وكرامتهم عاجزون عن بناء وطن ومجتمع ودولة . إنما ينتجون التطرف والإرهاب والصراعات والحروب العبثية الظالمة وخراب الحياة العامة مادياً ومعنوياً . فتعاظمت في هذه المرحلة هجرة المسيحيين ، ولم تكن لأسباب اقتصادية إنما نتيجة عوامل الطرد العديدة التي يأتي في أولها النهج الطائفي والقمع وانعدام الحريات وانسداد الآفاق أمام الأمل والسلم الأهلي والاستقرار والمستقبل الآمن ، لتنخفض نسبتهم من 25% إلى 5% بين بداية القرن العشرين ونهايته .

لم تنطل على أحد أحابيل النظام وزعيقه المتصاعد بالوطنية والقومية والتحرير والتقدم الاجتماعي . فأساليب التدمير الممنهج للوطنية السورية كانت تنذر وتشير إلى المخاطر القادمة . لذلك شارك المسيحيون بفعالية – مثل جميع مكونات الشعب السوري – في معارضة نظام الدولة الأمنية التسلطية وأساليب القمع والإرهاب التي اعتمدها في السيطرة على المجتمع ، ويأتي في أولها النهج الطائفي البغيض بمواجهة أكثرية الشعب . وغصت سجون آل الأسد منذ 1970 بالمئات من النخب المسيحية الوطنية من مختلف الاتجاهات السياسية ولسنين طويلة ، وقضى العديد منهم تحت التعذيب .

في الثورة السورية وتداعياتها

عند انطلاق الثورة في آذار 2011 كانت مشاركة هذه النخب واضحة ورائدة في العديد من فعاليات الثورة ومواقع نشاطاتها . وآلة القتل والتدمير الجهنمية طالت سورية وطناً وشعباً وبالتالي الجميع . فهدمت الكنائس ( 40 كنيسة ) مثل مئات الجوامع ، وتعرض الشباب المسيحي للملاحقة والاعتقال والقتل والموت تحت التعذيب مثل غيرهم من شباب سورية . كان موقف الكنيسة ( على اختلاف المذاهب ) ملتبساً ومخجلاً وفي المقلب الآخر من رؤية المسيحية لقضية الحرية والكرامة التي تنشدها الثورة تحت دعاوى الحماية والأمن . موقف لا يتسق مع تاريخ المسيحية والسيرة الوطنية للكنيسة الشرقية التي كانت على الدوام كنيسة الوطن والإنسان ، ولا يراعي مصلحة المسيحيين كمواطنين على أرضهم التاريخية وشركاء في بناء الوطن .

إن رجال ” إكليروس السلطان ” – أسوة بما عرف عند المسلمين بـ ” فقهاء السلطان ” – وضعوا أنفسهم والمؤسسات الدينية التي يديرونها بأمرة السلطة وأجهزتها ومحل انصياع لإرادتها وتوجهاتها . وصارت غب الطلب لأي رأي أو موقف أو بيان ، وتحت إمرة ” قسم الأديان ” في فروع المخابرات . فهل يكفي التباكي على هجرة المسيحيين والخوف الكلامي على مصيرهم ؟ ومتى كان الخارج مصدراً للحماية ؟ وكيف يتجذر المسيحيون على أرضهم ، ويستمرون بالعطاء خارج الاندماج الوطني والمشاركة في بناء الحياة وصناعة التاريخ ؟ لن نسمح لأحد بأخذ كنيسة المسيح إلى الموقع الخطأ ، فليذهبوا وحدهم .

استنجد النظام بجيش إيران ومليشياتها المذهبية لحماية نفسه من السقوط . وقد شاركته بأعمال القتل والتدمير والتهجير الممنهج لتحقيق التغيير الديمغرافي والإحلال السكاني ، مما أثار الضغائن التاريخية بطروحات لا علاقة لها بالعصر، وأجج روح  التطرف والإرهاب تحت شعارات دينية ، وهدد مجمل أطراف الجماعة الوطنية السورية ، مسيحيين وغير مسيحيين من السوريين المعروفين ياعتدالهم ومدنيتهم . فطالهم إرهاب الدولة المنظم وإرهاب الجماعات المتطرفة . الأمر الذي أخل بالتوازن الوطني ، وجمد مشاركة قطاعات مجتمعية وازنة في مواجهة قطبي التطرف السلطوي والديني ، اللذين أعطبا أمن الشعب ومسار الثورة .

وفي أيلول 2015 جاء الاحتلال الروسي ليكمل ما عجز الحشد الإيراني عن فعله . وكان مشهداً شديد الوقع على السوريين أن يروا بطريرك موسكو يبارك آلة القتل الروسية التي ترتكب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية على المدنيين والمنشآت الصحية والتعليمية . وأن يتحدث أقطاب كنيسته عن ” الحرب المقدسة ” و” حماية المسيحيين ” في استحضار مشين لخطاب حروب الفرنجة ( الحروب الصليبية ) وأغنية الشيطان الاستعمارية التي تتردد بين حين وآخر لتغطية الأطماع الدولية والاحتلال الأجنبي تحت اليافطة البغيضة    ” حماية الأقليات ” . لكن الخطر الأعظم على بلادنا ومنطقتنا يتمثل في مشروع ” تحالف الأقليات ” الذي يتلحف ببدعة اسمها ” المشرقية ” في مواجهة العرب والمسلمين ، ويتلاقى مع رؤية النظام السوري ونهجه ، ويسوِّق له الإيراني ويباركه الروسي والإسرائيلي . وهذا ما يخرب الوحدة الوطنية للشعوب ، ويضع المنطقة وأهلها – ومنهم المسيحيين – في دوامة عدم الاستقرار والصراعات الدائمة . وأي حديث عن الضمانات والحماية والتحالفات – من الداخل أو من الخارج – مرفوض وتجب مقاومته . لأن الضمان الحقيقي والدائم هو الذي يوفر الكرامة والعدل للإنسان فرداً كان أو جماعة ، أكثرية أو أقلية . ويأتي من الاندماج في المجتمع وإنجاز الوحدة الوطنية ، التي تصبح وعاء للدفاع والحماية يقدمها الجميع للجميع . ويبقى خير الضمان ببناء الدولة المدنية الديمقراطية التعددية ، دولة الكل الوطني لجميع مكونات الشعب ، في ظل الحياة الدستورية ومنظومة الحريات العامة والخاصة ، دولة سيادة القانون التي تبنى على المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات ، وتحترم حقوق الإنسان . 

أخيراً : ليس للسوريين المسيحيين أي قضية خاصة خارج القضية الوطنية العامة للشعب السوري . وليس لديهم مظالم أو مطالب فئوية بعيداً عن مطالب شعبهم في الحرية والكرامة . ويحلمون بسورية الجديدة وطناً حراً لكل أبنائها ، تحقق ما ساد تاريخياً من تآلف وتعاون في فضاء وطني ، ينمي حقهم في العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية . وطن هم جزء أصيل من شعبه ، وليسوا أقلية تخدم المستبدين أو تسمح بالتلاعب بها من الخارج . فالثورة لجميع السوريين وفي انتصارها المنشود حياة جديدة وواعدة . وطوبى لمن يقول : إنني مع شعبي وأبناء وطني في السراء والضراء . هكذا كنت . . وهكذا سأبقى ، ويفعل ذلك حقاً .

* ورقة قدمت لمؤتمر المسيحيين العرب الأول

باريس 23 / 11 / 2019

______________

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

215 total views, 1 views today

الوسوم: , , ,

التنصيف : مقالات عربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann
Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle