ثورة الكرامة العراقية … ومؤامرات الاحتواء

(Photo by AHMAD AL-RUBAYE / AFP) (Photo by AHMAD AL-RUBAYE/AFP via Getty Images)

د. ناجي خليفه الدهان *

       بعد مرور ستة أيام على انتفاضة الشعب العراقي، وتقديم الآلاف من الشهداء والجرحى في سبيل الحرية والكرامة، تحرّكت أجهزة الدولة أو ما يسمى ب (الرئاسات الثلاث) لتخرج بحزم من الوعود الجوفاء، في محاولة لاحتواء الثورة والالتفاف عليها، ويبدو أن هذه الرئاسات تتوقّع أن تنجح مثل المرات السابقة في الضحك على الذقون.

       لم يخرج العراقيون من أجل هذه المكرمات من ساسة البلاد وقادتها الفاسدين. ولم يواجهوا الموت من أجل هِبات أولئك الذين يبيعون العراق ويتاجرون بأمواله، ولم يُلبسوا أمهاتهم الحداد من أجل أن يشبع أولادهم الآن وتجوع أجيال وأجيال لعقود طويلة كما حدث بعد عام 2003.

     لقد ملّ العراقيون الوعود الكاذبة وسئموا من المبررات المختلقة. وأدركوا أن السياسيين ورجال الدين يستغلونهم أبشع استغلال. وأيقنوا أنهم تنازلوا عن كل شيء لمن لا يستحق شيئًا.   

     فهؤلاء الذين نصّبوا أنفسهم قادة على العراق هم السبب في تأخر العراق في التعليم، والاقتصاد، وفي كل المجالات وعلى مختلف الأصعدة… حتى غدا العراق العريق؛ دولة من دون سيادة، وشعبا من دون حياة.

     ولسان حال العراقيين الثائرين يسأل سؤالا واحدا فقط؛ لأجل مَنْ؟ ولماذا حلّ بنا كلّ هذا؟ وماذا يجب أن ننتظر بعد أن وصل بنا الحال إلى هنا؟ ولماذا نصبر على أولياء أمورنا المارقين وكل الشعوب من حولنا تثور على أنظمتها الفاسدة، وفساد حكام العراق الذين جاؤوا بعد الحكم الوطني قبل الاحتلال الأمريكي أكبر بكثير؟!

    على مدار السنوات العشر الأخيرة شاهد العراقيون ثورات الربيع العربي حولهم بخيباتها ونجاحاتها. وكانوا يتحسرون على حالهم وهم أول من عرف التخلص من المستبد، ولكنهم استبدلوه بمستبدين كثيرين بحجة الطائفة والدين. وهم أول من عرف الحرية ولكنهم لم يعيشوها أبدا.

     ما يقوم به العراقيون اليوم هو ثورة لاسترداد بلادهم من الجميع. يستردونها من المحتلين والمرتزقة والفاسدين والإرهابيين والعملاء.  يريدون تلك الدولة التي كانت يشار إليها بالبنان!!! دولة ذات حكم وطني تميزّت بالتقدم والأمن والكرامة والسيادة دولة كانت تلقى الاحترام من كل دول العالم، نعم هي معادلة مستحيلة بين من يحكم شعبة بالعدل والاحترام والنزاهة، وبين حاكم عميل للأجنبي وفاسد؟

    فمحاولات الاحتواء التي سعت إليها حكومة “عادل عبد المهدي”، والكتل البرلمانية المختلفة، في ترويض الانتفاضة الشعبية لم تفد شيئا، ما دفعها إلى الحديث عن مؤامرة خارجية لإسقاط النظام الذي تسيطر عليه الأحزاب الشيعية واتهام إسرائيل، والولايات المتحدة بالوقوف وراءها في مسعى للتشكيك بمشروعيتها وتبرير العنف الذي مارسته القوات الحكومية والميليشيات ضدّ المحتجين.

    وكانت مؤامرات الاحتواء ابتدأت يوم عرض الرئيس العراقي ابراهم صالح مبادرة لاحتواء الأزمة التي أثارتها المظاهرات المندّدة بالفساد، في حين تحدث ناشطون عن تعليق الاحتجاجات نحو أسبوعين حتى الانتهاء من إحياء ذكرى مقتل الإمام الحسين في كربلاء.

     وكذلك رئيس البرلمان في تأييد المتظاهرين قائلا: «صوتكم وصل، رسالتكم وصلت، وإذا لم أر الدولة متجهة نحو تلبية طموح الشعب وبعث الأمل في نفوسهم، سأنزع سترتي وتجدونني أول شخص بين المتظاهرين»، أين كنت قبل هذا؟ هل كنت أصمًا واليوم أصبحت تسمع!!

    أما خطاب “عادل عبد المهدي” والوعود التي أطلقها، كان محطّ سخرية من قبل المتظاهرين الذين قالوا: إنه مستسلم لرغبة إيرانية علنية في الحفاظ على النظام السياسي العراقي، مؤكدين أن مطالبهم لا تتعلق بالجوع والعمل، كما تصوّرها الحكومة، وإنما بضرورة تغيير النظام نفسه، حيث لم يعد قابلا للإصلاح. نظام استخدم الإرهاب من خلال القتل بدم بارد للمتظاهرين السلميين، ومن خلال القناصين الإيرانيين، وإدخال عناصر الحشد الشعبي مع المتظاهرين مسلحين في السكاكين والآلات الجارحة لطعن المتظاهرين، ورغم الخسائر الكبيرة (104) شهيدا وأكثر من (6000) جريحًا ولكن الشعب استمر بالتظاهر فلم ترهبهم أساليب الطغاة والمأجورين، وقدموا أرواحهم على طريق الحرية، فداء للوطن كي يتخلص من التبعية والوصاية الإيرانية ولاستعادة سيادة العراق والعراقيين.

     من جانبه، أعلن رئيس هيئة الحشد الشعبي “فالح الفياض” يوم الإثنين الماضي: أن فصائله جاهزة لمنع أي انقلاب أو تمرّد في العراق في حال طلبت الحكومة ذلك، كوسيلة لإرهاب المتظاهرين، والحشد أثبت جاهزيته من خلال عدد الشهداء والجرحى ولا يتطلب أكثر من ذلك لإثبات جاهزية في رسالة واضحة لكل المتظاهرين بأن ينسحبوا!

     أما الصمت الإعلامي العربي والعالمي إزاء الإجرام والإرهاب الذي مورس ضدّ الشعب العراقي الأعزل، أمر مخزٍ ويا للأسف!!! فكل ما يحدث في العراق لم يلفت الأنظار!! هل الكل موافق على قتل هذا الشعب الأعزل الذي خرج للمطالبة بالحرية والكرامة وبعض الحقوق؟! أم هم مشتركون في المؤامرة؟!! والموقف الامريكي المحتل الذي أعلن على لسان وزير خارجيته خلال زيارته للعراق يوم 7/10ولقاءه برئيس الوزراء وأخذ يثني على جهود الدولة في تحقيق الأمن والاستقرار، ويؤكّد ثقته بجاهزية القوات المسلحة العراقية)، أين الموقف من الإرهاب الذي مورس على الشعب الأعزل والشباب الذي قتل غدرًا؟! فهذه هي أمريكا صاحبة نصب الحرية، وأم الديمقراطية كما تدّعي! فمصالحها هي الأهم ولو على حساب الدماء والأشلاء واغتصاب الحقوق! وهذا يدل على سياسة التخادم مع إيران! ولا نكاد نرى دليلاً على مدى التوغل الإيراني في العراق أوضح من اضطرار الولايات المتحدة للتباحث معها حول مستقبل العراق.

      رغم أن الولايات المتحدة هي “المحتل المباشر” إلاّ أن إيران هي “المحتل الحقيقي” فحرس الثورة، وجيش القدس، وعملاؤها الموالون لها أكثر من ولائهم للعراق، يقومون بدور الوكيل أو الموظف، يتلقون التعليمات من إيران فينفذونها دون تردّد! فإذا ما نظرنا إلى واقع العراق، سنلحظ بكل بساطة ويسر انتشار “الصراعات اللا متناهية” فالعراق اليوم متخلّف في كافة الجوانب.

      فبعد اليوم لن يجرؤ أي سياسي أو مرجعية دينية في البلاد أن يتجاهل العراقيين أو يستخف بهم. ولم يعد يكترث العراقيون لأحد أو لشيء سوى بلادهم، وإن استطاعت الطغمة الحاكمة هذه المرّة احتواء الاحتجاجات، فإنهم قد يكسبوا معركة في حرب طويلة لا يوجد لها إلا نهاية واحدة مهما طال الزمن، وهي ذهاب العملاء والبقاء للشعب.

      لقد بُعثت في العراقيين روح الثورة وعادت لتنتقم من هؤلاء الذين استنزفوا البشر والحجر في البلاد. فهذه الأرواح لا تحتاج إلى أسماء ولا تُفسر بنظريات أو عبر محللين وخبراء. من يبحث عن تسمية لهذه الانتفاضة فهي الثورة الشعبية العراقية لاسترداد السيادة والكرامة، ولردّ الاعتبار لبلد كان مهدًا للحضارة…

     أيها الرجال النشامى… زعماء القبائل، وشيوخ العشائر في محافظات الجنوب والفرات الأوسط، أحفاد أبطال ثورة العشرين، في هذه الأيام الجهادية المباركة، ينهض أبناؤكم الغيارى الشجعان ليعلنوا ثورتهم السلمية لإضاءة مسارات النهوض الوطني وتجسيد الانتماء للعروبة والاسلام الحنيف التي شوهتها طائفية الأقزام. ندعوكم اليوم إلى التلاحم والاصطفاف مع الأبطال المتظاهرين الثائرين، لطرد العملاء الخونة من أرض العراق الطيبة الطاهرة، ندعوكم إلى الوحدة ورصّ الصفوف لقطع الطريق على هؤلاء السياسيين الذين اهتزت عروشهم، وراحوا يتخبطون في تصريحاتهم ويلفقون الأكاذيب، ويشوهون المواقف النبيلة، ندعوكم اليوم لتتحملوا المسؤولية. وننتظر أن يستنهض العراق هممه نحو تطهير البلاد من الطغمة الدخيلة الفاسدة.

      فاستلهام الجانب الإيجابي من التجربة ضروري لتستمر الثورة حتى تحقيق أهدافها في إعادة السيادة الوطنية، والكرامة الإنسانية للعراق، ولطرد المتحلين وإسقاط مشاريعهم، فعودة الأسد العراقي إلى عرينه باتت وشيكة!

وإرادة الشعوب لا تقهر.. “ولا بد للقيد أن ينكسر”.

وهذا هو العراق، وهذه بغداد يا أحفاد كسرى، واسمعوا ما قال الشاعر عنها:

بكيت بغداد تاريخاً أقدسه                       من الرشيد إلى المنصور بانيها

كانت منارا لكل الناس شامخة                 واليوم أمست غراب البين ينعيها

باعوك بغداد بئس السعر ما خجلوا            وكيف يخجل من لا أصلٌ له فيها

وقد تعاموا عن التاريخ ما حسبوا              أن الخيانة عارٌ من يدانيها 

ملء البوادي جيوش الكفر قد حضرت          دليلها الساسة الأنذال تهديها

نحو الخراب إلى بغداد يفرحهم                    قتل الألوف وقد هدت مبانيها  

أما حسبتم بأن الله سائلكم                         عن كل قطرة دم سالت بواديها

بغداد بيعت على المزاد صارخة                   الله أكبر تعلو عند شاريها

أما كفاكم بما قد حل في وطني                     من الخراب إلى تهجير من فيها

واحرّ قلبي على بغداد يأسرها                     أحفاد كسرى وقيد الأسر يدميها


*د. ناجي خليفه الدهان: دكتوراه في العلوم السياسية / علاقات دولية، باحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية.

212 total views, 3 views today

الوسوم: , , ,

التنصيف : مقالات عربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann
Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle