تصعيد غير مسبوق.. هل حان وقت مواجهة الخطر الإيراني؟

د. علي حسين باكير

تشهد المنطقة تصعيداً غير مسبوق على خلفية الاستعداد لمواجهة النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة. ففي أكتوبر الماضي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن استراتيجيته الجديدة تجاه إيران. وقد جاء الإعلان عن ولادة هذه الاستراتيجية بالتزامن مع سحب الرئيس الثقة من الاتفاق النووي مع إيران.
على الصعيد الإقليمي، اتّهمت المملكة العربية السعودية، إيران بالمسؤولية عن تأجيج الوضع، لا سيما بعد أن تبنّى الحوثيون في اليمن إطلاق صاروخ بالستي أسقطته الدفاعات السعودية فوق سماء الرياض، بعدما قطع وفقا لبعض التقديرات ما يزيد على ألف كلم. وقد أشعل الصاروخ البالستي حرباً كلامية بين الرياض وطهران، وقد تعهّدت المملكة باحتفاظها بحق الرد المناسب ضد إيران. وتزامنت هذه الاحداث مع تصعيد موازٍ في لبنان إثر استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري، تبعها بيان حاد له ضد «حزب الله» وإيران.

لا يمكن لأحد أن يجادل في أنّ النفوذ الإيراني قد بلغ ذروته وانّ الخطر الذي باتت تمثّله إيران غير مسبوق. فالصفقة النووية التي عقدتها إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك اوباما مع النظام الايراني أتاحت للأخير التمدّد الجغرافي من دون تحمّل ايّ عواقب تذكر. الاتفاق الذي اعتبرته الإدارة السابقة بمنزلة إرث تاريخي لا يمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، وكل ما على ايران فعله هو الانتظار لبعض الوقت، وسيكون الاتفاق قد منحها في المقابل برنامجا نوويا شرعيا متقدّماً وبقدرات صناعية كبيرة.
لا تتوقّف المشكلة مع إيران عند الملف النووي، فبرنامجها الصاروخي لا يقل خطورةً على الأقل بالنسبة الى المرحلة الحالية. يعدّ برنامج إيران واحدا من أكثر البرامج تقدّماً في هذا المجال، وتمتلك طهران بفضله أكبر ترسانة من الصواريخ البالستية في المنطقة وتخوّلها هذه الترسانة تهديد أي نقطة في أي مكان من الشرق الأوسط والدائرة المحيطة بها وصولا الى أوروبا.
ففي أواخر شهر سبتمبر الماضي، أعلنت إيران عن اختبار صاروخ جديد باسم «خرمشهر»، ويعتقد انّ كوريا الشمالية قد ساعدت على تصنيع هذا الصاروخ الذي يصل مداه الى 2000 كيلو متر وقادر على حمل عدد من الرؤوس الحربية.
يرى كثيرون انّ مواصلة تطوير ايران برنامجها الصاروخي يخرق جوهر القرارات الدولية، ومنها قرار مجلس الأمن ٢٢٣١. وفي حين يصرّ المسؤولون الإيرانيون على انّ البرنامج الصاروخي هو حق دفاعي، يُنظر الى هذا البرنامج على أنّه تهديد جدّي للدول المجاورة، خاصة عندما يترافق ذلك مع تصريحات علنية لعدد من القادة الايرانيين باستهداف أماكن تمركز القوات الأميركية في البلدان المجاورة، بالإضافة الى المنشآت الحيوية والاستراتيجية.

تصدير الصواريخ
لقد تمكّنت إيران خلال العقدين الماضيين من تصدير عدد من صواريخها القصيرة والمتوسطة المدى إلى عدد من الميليشيات المسلّحة في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله اللبناني، الذي يمتلك هو الآخر ترسانة ضخمة من الصواريخ يُعتقد أنّها تتفوق على ترسانة بعض الدول. ووفقاً للتقديرات المتاحة في ما يتعلق بترسانة الحزب، فإنّ بعض صواريخه قادرة على الوصول الى دولة مثل الأردن إذا ما تمّ اطلاقها من لبنان وليس من سوريا.
واتهم مسؤولون سعوديون مؤخراً حزب الله بإطلاق الصاروخ البالستي الإيراني ضد السعودية من المناطق التي يسيطر عليها الحوثي في اليمن. وتشير بعض المعلومات الاستخباراتية الى ان الصاروخ الإيراني تمّ تفكيكه وتهريبه الى داخل اليمن وجرى بعدها تجميعه من جديد وإطلاقه.

الميليشيات الطائفية
يبقى سلاح إيران الأخطر في الشرق الأوسط وهو الميليشيات الطائفية المسلّحة المنتشرة في كل مكان في المنطقة. لقد استغل النظام الإيراني الحرب الدولية ضد الإرهاب ليقوم بتكثيف عمليات التدريب والتسليح لميليشياته الخاصة وارسالها بعد ذلك لتخوض المعارك باسم إيران وبالنيابة عنها في المنطقة الممتدة من شرق البحر المتوسط شمالا وحتى خليج عدن جنوباً بذريعة محاربة الإرهاب أيضاً.
ويقدّر عدد هذه الميليشيات بعشرات الآلاف في كل من لبنان وسوريا والعراق واليمن، وهي عبارة عن جيش صغير يتمتع بولاء أيديولوجي عال للمرشد الأعلى الايراني، وتتمتع هذه الميليشيات بتدريب وتسليح غير تقليدي يتضمن في كثير من الحالات الى جانب الاسلحة الخفيفة والمتوسطة، أسلحة ثقيلة ومدافع ومدرعات ودبابات وصواريخ وطائرات من دون طيار.
وتشكّل هذه الميليشيات، بالإضافة الى الخلايا النائمة الايرانية المنتشرة في أماكن مختلفة حول العالم، السلاح الأكثر أهمية لدى النظام الايراني في المعارك التي تخوضها طهران بالوكالة مع دول الجوار ومع الولايات المتحدة وإسرائيل بهدف الحصول على مكاسب سياسية وتوسيع دائرة نفوذها في المنطقة وتحصين نظامها السياسي من الاعتداء الخارجي.

تفاؤل غير مبرر
وتكاد جميع دول المنطقة تجمع على خطورة إيران وسياساتها، لكن عندما يتعلّق الامر بطريقة مواجهتها ينهار الإجماع وتعمل طهران من جديد على استغلال التشرذم المحيط بها من أجل التهرّب من دفع الاستحقاقات المترتبة عليها.
وفي الوقت الذي يؤمن فيه البعض بأنّه كلّما أعلنت الإدارات الأميركية السابقة عن عزمها على مواجهة إيران، انتهى ذلك الى إعطائها – بشكل مباشر او غير مباشر – المزيد من النفوذ في المنطقة. فقد دخل النفوذ الايراني الى أفغانستان والعراق في عهد جورج بوش الابن، ثم سيطرت إيران على سوريا واليمن في عهد ادارة اوباما، وبهذا المعنى، فان هناك عدم ثقة في طريقة مواجهة الإدارات الاميركية لإيران أو تشكيك في مضمون هذه المواجهة.
وفي حين يعتقد البعض أنّ إدارة دونالد ترامب جاءت لتحسم هذا الأمر، يرى آخرون أنّ هذه الإدارة لن تختلف عن سابقاتها، وأنّ سقف تصريحاتها العالي لن يقابله أبدا السقف نفسه من ناحية الخطوات أو الإجراءات التي ستتخذ ضد طهران خلال المرحلة المقبلة. لا شك في أنّنا سنشهد المزيد من العقوبات والمزيد من الضغوط الاقتصادية والسياسية ربما، لكن في النهاية المعارك الإقليمية يحسمها من يسيطر على الأرض، والولايات المتّحدة وحلفاؤها في المنطقة يتراجعون على الأرض منذ سنوات.
ويجادل أصحاب هذا الرأي الأخير أنّه من غير المنطقي افتراض قيام الإدارة الأميركية بمواجهة النفوذ الإيراني ودفع إيران للتراجع في المنطقة في الوقت الذي لا تمتلك فيه الأوراق اللازمة التي تخوّلها تحقيق مثل هذا الهدف.
فحتى هذه اللحظة، لا يوجد إستراتيجية أميركية واضحة في سوريا، ومن دون مثل هذه الإستراتيجية، سيبقى النفوذ الايراني قائما في سوريا. وكذلك الأمر في ما يتعلق بالعراق، فقد ساعدت واشنطن الميليشيات الشيعية في العراق ضد «داعش» وأمّنت لها الغطاء الجوي في عدد من المعارك، لكن من غير الواضح ما هي الآلية التي سيتم اعتمادها في العراق لتحجيم النفوذ الإيراني. صحيح انّ بعض المعلومات تشير الى إيكال الإدارة الاميركية بعض الأدوار لبعض الدول الإقليمية في هذا المجال، لكن التقديرات تشير الى تفاؤل غير مبرر في هذا الصدد حتى الآن.

التشرذم الإقليمي
أمّا على الصعيد الإقليمي، فالمعطيات أكثر سوءاً. فمن المفروغ منه القول إنّه لا تمكن مواجهة إيران في ظل التشرذم الحاصل بين الدول المتضررة من إيران، لا سيما في ما يتعلق بالمكوّن السني. المعطيات تقول انّ المعسكر السّني تفتت تماماً ليس على صعيد الكيانات الدولية فحسب، بل وحتى على صعيد الوضع الداخلي لكل دولة. وفي هذا السياق، هناك من يجادل انّ الازمة الخليجية الأخيرة أنهت أي أمل بإمكانية ردع إيران ووقف تمددها وتحجميها الى ما كانت عليه قبل عام 2003.
أصحاب هذا الرأي يعتقدون كذلك أنّ الجانب الايراني استغل الازمة بشكل ممتاز وقدّم خدمات لكل من الجانب القطري والتركي لاستقطابهما أو على الأقل تحييدهما، وأنّ الخطوات التي قام بها المحور السعودي ضد قطر قد ساهمت في تسهيل مهمّة إيران في هذا الصدد وأنّ هذا الامر سيساعد النظام الايراني في المرحلة المقبلة على تجاوز أي ضغوط قد تفرض عليه. ويشير هؤلاء الى انّ الدول الأخرى المتبقية غير متماسكة بدليل الموقف المصري الأخير من «حزب الله» الذي يتعارض مع موقف السعودية، وأنّ هذه الدول لا تمتلك استراتيجية لمواجهة ايران وليس لديها ما يخوّلها المواجهة المباشرة معها.
خلاصة القول أنّ الخطر الايراني عظيم، لكن التشرذم الإقليمي وغياب استراتيجية موحّدة وعدم جدّية الجانب الاميركي في المواجهة كلها عناصر تسمح دوماً للنظام الايراني بالتهرّب من مواجهة عواقب ما يقوم به واستغلال أخطاء الآخرين والتمدّد على حسابهم.

____________

هذا المقال  يعبر  عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

109 total views, 1 views today

الوسوم: , , , ,

التنصيف : مقالات عربية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle