التجربة الإيرانية (الواقع والمآلات)

د.عبد الستار الراوي                                  

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية

 

-الحلقة الأولى-

تسعى حاكمية الفقيه إلى تثبيت النظام الإلهي في الأرض، وبسط العدالة بين الناس، وإنقاذ المستضعفين في العالم من شرور الطغاة وظلامة المستكبرين!!

هكذا وصف الإمام الخميني مشروعه السياسي، قبل أربعين عاماً، وبهذا المنطق “الأممي” يواصل منظرو الولاية الدينية نداءاتهم اليوم، فيدعون العالمين: أهل المشرق وسواد الغرب، إلى إقامة “الجنة الإيرانية” على جغرافية الأرض الخضراء من إندونيسيا إلى الدار البيضاء، وهو شعار الثورة وسلاحها العتيد الذي تلوّح به طهران من حين لحين.

هذا هو مشروع المرشد الأول، وهو ما يعمل عليه السيد علي خامنئي، كلاهما يسعى إلى إخضاع الكون كله لسلطته وحده، بوصفه حاكماً إلهيّاً، ونائباً لإمام الزمان الغائب، وجامعاً للكمالات الإلهية، فولايته العالمية التي يبشر المسلمين بدخول جنتها، تتمسك بمبدأ الوصاية الكونية على جميع المسلمين أينما كانوا، فالاعتقاد بالولاية من تمام الإيمان. ومن يخرج عليها، أو يعارضها، يعد هرطقياً مجدفاً بحق الإمام القائد ومرتداً عن الدين القويم.

 وقد جرى تأكيد مطلقات الولاية الميتافيزيائية وقداستها الإلهية، أثناء الحراك السياسي 2009 الذي شهدته العاصمة والمدن الإيرانية الأخرى تحت عنوان (الثورة الخضراء)، فقد حكم على المتظاهرين بالكفر والردة والهرطقة لتطاولهم على المقام الإلهي للمرشد المعظم، حيث يحرم على كل مسلم معارضة الفقيه القائد.

فليس ثمة حقوق لمواطني الولاية، غير واجبات تنفذ، وأوامر تطاع، ومصير معلوم بالرجم حتى الموت، لكل من يملك رأيًا معارضاً، أو يتبنى فكراً حرّاً مفارقاً… وليس ثمة من يؤمن أو يعتقد أن حماية تجربة شخصية مثل “ولاية الفقيه” تمتلك قانوناً مطلقاً يصادر حرية الإنسان ؛ ويجيز منع حرية التعبير ويرمي مخالفيه بالزندقة ويحكم على معارضيه بالموت.

فالقيم الحقيقية، لـ “ولاية الفقيه” تتعزز بقوة واحدة فقط هي “العلم” ومنح “حرية الفكر” للآراء المعارضة ومواجهتها بالحوار وبالمنطق العقلاني، وبالفهم الصحيح للشريعة ومقاصدها، ولو كان المسلمون في صدر الإسلام يذبحون كل مخالف لهم لما كان لغيرهم وجود بين المسلمين اليوم.

وقد برهنت السنوات السبع والثلاثون الفائتة من عمر التجربة الدينية على أن “ولاية الفقيه” خلافًا لما روّجته الإعلاميات الإيرانية، أو اعتقده مريدوها، أو أملوا في أيامها الأولى، ليست أكثر من زهرة نبات الخروع، تنمو وتذبل وتسقط أوراقها واحدة إثر أخرى، إنها في كل الأحوال، مجرد ثورة من المراسيم والطقوس والنداءات التعبوية الصاخبة.

فهي التجربة التي حاولت فرض نموذجها الأيديولوجي على الوطن العربي، عن طريق تصدير الثورة المسلحة؛ فدشّنت أيامها الأولى بالحرب مع العراق، وعادت عام 2003مرة أخرى بالمقاصد والغايات ذاتها، لتجعل من الأقطار العربية قواعد تصدير لثورتها؛ فتشعل الحرائق في لبنان والعراق وسورية واليمن، وتنطلق منها في تنفيذ مشروعها السياسي ضد أمن وسلامة الخليج العربي، بحثاً عن “مجال حيوي” توسيعاً لرقعة “ولايتها السياسية”.

في ذات الوقت الذي توجّه سخطها الدموي المحموم ضد شعب الأحواز، فتعلق المشانق لسحق صوت الحرية في عبادان والمحمرة، ومطاردة القوى الوطنية الإيرانية وتستمر تراجيديا الثورة الإلهية في إنزال الموت بالثوار والشعراء والأطفال.

ولاية الفقيه : تنبثق عن تصور ميتافيزيائي كلي يرى بأن من حق الفقيه الإيراني أن يتمتع بـ(ولاية) عامة تخضع لها كل الموجودات الثابتة والمتحركة على سطح الأرض، وسلطة مطلقة على جميع البلاد والعباد، بوصفه “الوصي” و”القائم” على شؤون المسلمين الذي ادّخرته العناية الإلهية في غيبة إمام الزمان.

وقد أكد الدستور الإيراني في مادته الثانية هذه الوصاية، فنص على “ولاية الأمر والأمة لفقيه”، إن هذا التصور الكلي لدور الفقيه وصلاحياته العامة روحيّاً ودنيويّاً، يجعله: حجة مطلقة، ومصدر السلطات، نائباً لله، والوصي الأوحد على الإسلام والمسلمين، حاكماً متألهاً، ناطقاً باسم السماء، يدّعي لآرائه: “العصمة”، ولاجتهاداته: “اليقين”، ولأحكامه: “الكمال”، ولتقديراته: “الإطلاق والضرورة”.

وبموجب المواد (٥٧، ١٠٧، ١١٢) من الدستور أيضاً: فإنه المصدر الأعلى للسلطات الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، وهو القائد الأعلى للجيش والمسؤول الأوحد عن تعيين الضباط وعزلهم، وهو القادر على إلغاء السلطة وتغيير كل قرار أو حكم قضائي، أو تقديم من يشاء للمحاكمة، انطلاقاً من كون الأحكام تابعة له، وليس العكس، فهو فوق الأحكام والقانون.

إزاء ذلك يصبح “الفقيه” الآمر الناهي في أي “موقف” أو “قرار”، أو “رأي” وعلى مختلف الأصعدة: السياسة، والاقتصادية، والاجتماعية، والدينية. فهو إمام الزمان، وإمام الدين معاً، وتنتهي بين يديه كل الحدود، وببركاته تنهض الحياة.

وتقدم (الولاية المطلقة) التي لا حدود لسلطتها ولا نهاية لصلاحياتها على طبق اللاهوت السياسي بقصد تكريس مصالح وامتيازات الطبقة الثيوقراطية الحاكمة، وتوطيد سلطاتها، وقبل كل شيء إحكام قبضتها على المجتمع “لبثّ الهلع في قلوب الناس”.

فهذه النظرية بكل فصولها النظرية وتدابيرها العملية لم تتخط دائرة التأويلات السياسية، أراد كاتبها، إقامة دولة مترامية الأطراف ذات طابع كوني، بدعاوى “قدسية الفقيه”، “الحاكم العادل” الذي أراد أن يرى الإيرانيون فيه (صورة الله على الأرض).. ومن أجل هذه الغاية، ابتدع حملة اللاهوت السياسي، ذرائع لاحقة تعزز سطوتهم على رقاب مسلمي إيران، فزعموا أن “الولاية” حجة ربانية، وأحكامها نافذة لا تقبل النقض أو المراجعة.

فالولاية مكتفية بذاتها، مبررة لوجودها، اقتضت حكمة السماء قيامها، ليست بحاجة إلى أحد سوى مرشدها الأول، الوكيل عن الله في الأرض لا عن جماهير المسلمين، إن هذا التصور الشامل لـ(الحاكمية المتألهة) يفضي بالضرورة إلى (كلية مطلقة) تنحل معها كافة الجزئيات والشذرات والتفاصيل، لتصبح ولاية تكوينية (ما فوق بشرية) تخضع لسلطانها كل الموجودات الكونية، مما يفضي إلى ولاية جبرية قاهرة، يتحول الإنسان تحت حاكميتها إلى رقم رياضي فارغ (صفر على جهة الشمال)، فالقهر الجبري، يصادر إرادة الكائن الإنساني، وينفي عنه حرية الرأي ويمنع الاعتراف بالآخرين، ويلغي كافة أشكال الحرية الإنسانية.

 وإزاء ذلك فولاية الفقيه – في نصوصها الفكرية وتجربتها التطبيقية- جدلية ميتابشرية، الهدف منها إقرار (الحق المقدس) بتمكين رجل الدين من الانفراد بالسلطة، والهيمنة على الحكم، عن طريق إعادة إنتاج نظرية (التفويض الإلهي) تمنح المرشد الأعلى (الحق المقدس) في التشريع والتطبيق بحيث يتحطم مبدأ المساءلة بين الحاكم والشعب، ومن ثم تكفير كل من لا يؤمن بهذه الولاية للفقيه أو يشكك بقدسية قراراتها.

وفي مقابل صفة (القداسة) التي أضيفت على التجربة الإيرانية وعلى مرشدها الإلهي، فقد تم إقصاء “النسبية” و”العقلانية” و”العلمية” و”الديمقراطية”، فيما أيقظت “الولاية” بخطابها التعبوي النداءات الطائفية وشعارات الإثارة والتحريض، بعد أن اعتبرت نفسها التجربة الوحيدة المعبرة عن روح الإسلام، وما عداها من تجارب الأمم والشعوب الأخرى، تجارب كافرة ودخيلة!! في ذات الوقت الذي تشهر فيه “الولاية” سلاحها العنصري بوجه كل الشعوب غير الإيرانية (غير الفارسية)، بهدف استلاب هويتها القومية وسحق تراثها الحضاري، فضلاً عن امتلاء قادتها بالأحلام التوسّعية السوداء تحت شعار “الحرب المقدسة” لإقامة “دولة العدل العالمية” التي تبتدئ صفحتها الأولى صوب بغداد، فيكون العراق وأقطار الخليج العربي واحداً من أقاليمها الرئيسة بزعم: “الأقربون أولى بالمعروف”!!

وهو ما أفصحت عنه الصفحات اللاحقة منذ سنة 1980 وما تلاها، فكانت حرب الثماني سنوات “واحدة من احتجاجات الثيوقراطية ضد العراق تعبيراً عن ذاتها المضطربة والعاجزة عن إقامة علاقة سوية مع الجوار، وباحتلال العراق عام 2003 أصبح “الغزو المسلح” و”العدوان المتعمد” جزءاً من بنيتها الأيديولوجية لشق الطريق أمام أحزاب ولاية الفقيه وميليشياتها الدموية في العراق وسورية ولبنان والبحرين واليمن، فعملت على تنظيم صفوفها وعلى تعبئة قواها لتمكينها من بسط سيطرة طهران على المنطقة العربية؛ وكانت اللحظة الفارقة في تاريخ الثورة الإيرانية بحلول عام 2011 تنتقل إيران من مرحلة الحرب الناعمة إلى مرحلة الاختراق الفاضح؛ فقد حاولت توظيف الحراك الشعبي في تونس ومصر لصالح أيديولوجية ولاية الفقيه تحت شعار (الصحوة الإسلامية) بدعوى أن ما جرى في قلب القاهرة وفي شوارع العاصمة التونسية إنما هو صدى للثورة الخمينية واستلهاماً لأفكار قائدها، وفي مقابل هذه الأغاليط الفاضحة ؛ تجاوزت طهران في السنة ذاتها حلقة التدخل في الشؤون الوطنية للدول الإقليمية إلى القيام بعمليات مسلحة خارج حدودها؛ كما حدث في سورية عشية الحراك الشعبي ضد النظام، إذ كانت ومازالت قوات فيلق القدس ومعها حزب الله ومليشيات ولاية الفقيه الأخرى إحدى أبرز أدوات الدفاع عن بشار الأسد عن طريق مطاردة واغتيال المعارضين، وقمع الانتفاضة الشعبية باستعمال جميع أنواع الأسلحة.

وحصل الأمر نفسه حيال الاعتصام السلمي في العراق أواخر 2012، عندما شارك فيلق القدس قوات الحكومة وميلشياتها في جرائم الإبادة الجماعية للسكان المدنيين في مجزرة الفلوجة والحويجة ودخول قواتها المسلحة النظامية بمختلف تشكيلاتها برفقة مرتزقتها من المليشيات السوداء، لتباشر ارتكاب جرائم التطهير المذهبي.

ولاتزال قوات الجمهورية الإلهية تفتح نيرانها حتى لحظة كتابة هذه السطور من الفلوجة إلى حلب ومن ديالى إلى دير الزور تحت دعاوى مضللة”!!

وإذ تفعل حاكمية ولاية الفقيه ذلك كله، فإنها تصر على مغادرة الزمان التاريخي وتقودها خطاها المثقلة بأوهام الدولة الكونية، إلى الأعماق الواطئة فتقذف نفسها وتجربتها خارج العصر والتاريخ.

إن إرادة الثيوقراطية وذرائعها وأهدافها في: (إشعال الحروب، وزرع الفتن، وتشويه مقاصد الشريعة، وتحطيم المحبة في القلوب، وإطفاء أنوار العقل)، ولا يمكن لهذه الإرادة المغامرة إلا أن تكون شريرة مناهضة عن عمد وإصرار لكل فضائل الإسلام وأخلاقيات الأمم، تقف على النقيض تماماً من الإرادة العامة؛ حيث إرادة الشعوب، وقوانين الحياة والحرية والمستقبل.

فالإرادة العامة إرادة الشعوب هي مشيئة الحقيقة الدائمة، إجماعها لم يضلل أحداً في الماضي، ولن يضلل أحداً اليوم وفي المستقبل، لأنها وحدها القادرة على حكم العقل، واستيعاب فقه الدين وقوانين العلم، وشروط الحياة، وحركة التاريخ.

لذلك فإن الولاية التي لم تعد تصغي إلا لانفعالات وجدانها السياسي، ومعتقداتها الفظّة لا يمكن أن نضعها في النهاية إلا في خانة مناهضة الجنس البشري، وفي دائرة الزراية الدائمة، التي يستحقها كل من يحاول أن يقفز فوق أماني الشعوب ويسحق حقوقها الثابتة، ويحرف عقيدتها، ويلقي بجحيم الحرب فتيانها وأطفالها.

وليس لمثل هذه الظاهرة “الميتابشرية” من فرصة أمام المستقبل وقوانين التأريخ إلا ضرورة حتمية واحدة، يفرضها مبدأ “تراكم الظلم”.

تحت قوقعة الدكتاتورية المؤلهة وفي ظل إرهابها وحربها العدوانية، تتشكل المقاومة الثورية التي تنمو نضالاتها في إيران كل يوم، لن تقبل أغلال الولاية إلى ما لا نهاية، وسوف تصل مهماتها إلى التغيير الحتمي طلبًا للحرية، والسلام، وتحقيقًا للعدالة المفتقدة، وإقراراً لمبدأ حسن الجوار والتعايش السلمي مع الأمم والشعوب الأخرى.

إن الحكمة الإنسانية تسعى لازدهار العقل والحرية، وتدعو لسيادة الفضائل الأخلاقية بين الأمم والشعوب وتنشد المحبة والسلم في العالم، وتؤمن أيضًا بأن “ولاية” الفقيه، نظرية دينية ؛ قد تصلح لحكم إيران، لكنها لا تملك أي مسوغ أخلاقي لفرض نموذجها على الشعوب الأخرى.

إن ولاية الفقيه بمطلقاتها الثيوقراطية اللاتاريخية تعد في نظر القوى الوطنية الإيرانية ظاهرة طارئة؛ على الحياة الإنسانية وعلى عصرنا،  تريد أن تعود بالإسلام والمسلمين إلى عصر ما قبل الكتابة وإلى ما وراء الواقع والحياة، عالم الجهل والظلمات وأحجية السيمياء، لا يمكن لمثل هذه الظاهرة المدججة بالسلاح والأساطير إلا أن تتهاوى أمام العقل والحكمة والسلام.

______________

  • الحلقة الأولى: من كتاب: التجربة الإيرانية (الواقع والمآلات) بقلم الدكتور عبد الستار الراوي.

206 total views, 2 views today

الوسوم: , ,

التنصيف : كتب ودوريات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Film izle Hd Film izle Online Film izle Tek Parça izle Filmi Full izle Hd Film Sitesi Direk izle Bedava film izle Film Tavsiyeleri Film izleyin hd film siteniz seks izle